دراسات جمالية // لمسات لامرئيّة" في معرض "عكاز الأعمى" للفنانة التشكيلية نجوى عبد المقصود سعيدة عروس :دكتورة في مجال علوم الفنون و ممارستها دراسات جمالية // لمسات لامرئيّة" في معرض "عكاز الأعمى" للفنانة التشكيلية نجوى عبد المقصود سعيدة عروس :دكتورة في مجال علوم الفنون و ممارستها

دراسات جمالية // لمسات لامرئيّة" في معرض "عكاز الأعمى" للفنانة التشكيلية نجوى عبد المقصود سعيدة عروس :دكتورة في مجال علوم الفنون و ممارستها

  لمسات لامرئيّة"

في معرض "عكاز الأعمى" للفنانة التشكيلية نجوى عبد المقصود

سعيدة عروس  :دكتورة في مجال علوم الفنون و ممارستها


كل منا له قوة كامنة لامعلومة / معلومة و في لحظة ما تتحول إلى لامعلومة – معلومة في حلقة البحث عن الذات، إذ تكتشف هذه الطاقة الكامنة بمرور الوقت و تتطور و تصقل بالإيمان و الرغبة و المواظبة على ممارستها. إنها عشق المغامرة و التمعن في الذات بعيدا عن صخب دخان الحياة الخانق. إذ يخلق فيها الإنسان عالم سعادته الحقيقية متحررا من سجن الواقع. هناك يختار الشخص حبيبه دون ضغوطات و دون أحكام. فيتحول هذا الاختيار إلى حتمية تلازمنا يكون فيها الفرد محترفا بفضل تمرسه المتواصل و الدؤوب و اللامنقطع لهوايتة الحبيبة المختارة. هكذا يمكنني أن أستشف شخصية أستاذتي الفنانة نجوى عبد المقصود، فأحاول أن أستشعر عمق شفافيتها من خلال الهام غرابة عنوان معرضها المستفز للتفكير "عكاز الأعمى" الذي افتتح برواق 5 أوت بالمعهد العالي للفنون و الحرف بصفاقس يوم 24 فيفري و تواصل إلى غاية يوم 1 مارس 2022  و أعادت عرضه ببرج القلال من يوم 18 مارس إلى غاية يوم 18 أفريل 2022، فأقول بلسان التحام ضمير الأنا بضمير الهي "الفنانة" "أنا ما اخترتك البتّة ... بل أنت كنت خيارا محتوما عليّ ... فروحي كانت فيك و الحب فيك أعمى، فما كان لي خيار غير أن أتوكّأ عليك،  فأرى العالم بخيال جمال آخر، فعسى في ظلمته تدلني حركة دائرة الحياة فيك إلى نور لا مرئي، أين يتزاوج و يلتحم الظّل بالضّوء، فأشتمّ و ألتمس معنى اسمي في انصهار زئبقيّة تشكيل و تشكّل الأشكال و المدائن و المساكن و انزلاق الألوان و انسيابها بصدفويّة هواي ... فأرى ما لا يُرى..."هكذا تدغدغ الفنانة في فكري عنوانا يجمع المحسوس باللامحسوس أين يولد و يتوالد التشويق في زئبقية انزلاقه و هروبه، فيكون عنواني الذاتي لمعرضها " لمسات لامرئية ". فينقسم نصي إلى ثلاثة عناصر فرعية تدور حول شبحيه تغير المفهوم و المعنى. إذ يتشكل تقنيا و علميا و روحانيا و فكريا حسب تداخل شخصية الفنان و تفاعلها مع الآخر و حسب ذاتية الآخر. هكذا تنفتح و تنعتق الأعمال الفنية من ملكية الفنان إلى تأويل العين و التخيل و التفكير. فيدور المحور الأول حول اشكالية تشكل اللامتشكل و لا تشكل المتشكل. فيترابط هذا الأخير مع هلوسة السؤال لظهور اللامرئي و اختفاء المرئي. فإن كان استفزاز المخفي مشوقا أكثر من المرئي، فإن فعل التخيل و التذكر محير لنسج فضاء الذاكرة و ذاكرة الخيال حيث يستوطن ملاذ الفكر و التفكير.

   

  1. تشكل اللامتشكل و لا تشكل المتشكل 

تبدو لي أعمال الفنانة نجوى عبد المقصود فريدة في غرابة ازدواجية تشكلها في الثابت و جديدة في زئبقية حصر ما لا يحصر من مدائن و كائنات ترتبط بلمسة الواقع و الاختلاف عنه من خلال سموها نحو تجاوزه. فتشكل الفنانة ما لا يتشكل و تكشف لنا المدينة من الداخل عسى تتحرر استعارة معنى عكازها المستفز لفكرنا، فيظهر لنا هذا الأخير عالما لامحدودا من الأشكال و الخطوط المتداخلة في الشكل و المنظمة في ليونة اللامتشكل. هكذا تتراءى لي كأنها تطفو متصارعة في ذبذبة بصرية أبدية. فكأن الفنانة تحول الواقع اللامتحول إلى صخب فني مغاير، فتعري لنا السور الحجري لتفجر لنا ليونة انفلات الرّعشات و الدّقات و الطّرقات و الزّعزعات و التّرصيفات دون ترصيف منظّم في ذبذبات فجئيّة و لا فجئيّة بتلقائيّة مدروسة. إذ تتراءى لي المدينة من الداخل متداخلة الخطوط الطيعة بالمساحات الصبغية المبعثرة في لعبة اللطخة الصدفوية بالحدود اللامحدودة المقننة ذاتيا. فكأن الفنانة تراوغ بحواسنا تارة و تجعلها تعيش مغامرة الاكتشاف تارة أخرى عسى أن تفك شفرات المدينة الجديدة و المتجددة من خلال إعادة البعث لها، فتنبت و تتفرع و تتوزع و تتشعب و تتشابك أفنان مدن من مدينة الفنانة العجيبة متشكلة في تشكيل و تشكل اللامتشكل حيث يصبح الجدار و الصلب طيعا و لينا و متراقصا في ثبات اللوحة.

فكأن الفنانة نجوى عبد المقصود تهدم ما لا يهدم و تعيد بناء ما لا يعاد أصلا. فيستوطن خيالها عالم لوحاتها، فتخطفنا في ثنايا مدنها المبعثرة بدراسة متوازنة بصريا في اختلاط خضرمة الوجه بالقفا حيث نضيع في متاهة أمكنة اللاأمكنة في سطحية الحامل الفني. و بين فوضى الأزقة المنسوجة من خيال الفنانة، أرى تصادم طيران العصافير مع حركيّة المكان ليخلق في فراغ طيرانها تشابك الظاهر بالمخفي من خلال شفافيّة الألوان الرّبيعيّة الخريفيّة و عتمتها، فأتخيّل فضاء تتصارع فيه نغمات الأصوات التّي تدغدغ مسامعي. فتعري الفنانة عن عالم حقيقي خيالي تسوده الحركة في لحظة جمود اللوحة، ترتطم فيه الشخوص بفوضى نظام المدن في شبكات حساسة مسطحة لامفهومة في اختلاف المفهوم و التأويل. فكأن الفنانة تخيط نسيجا عنكبوتيا جديدا كل مرة دون خياطة فعلية بل في حبكة التمرس التشكيلي. إذ تلتحم أوتار الخيوط بمسطحات صبغية تحلو فيها ضوضاء الحياة. فتكون أعمال الفنانة واقعية الخيال في تخيل خيال الواقع المجرد من قناعه اليابس في تجريدية تشكيلية ضبابية الجمع للواقع باللاواقع حيث يتجذر وطن حرية الانفلات الفني، هناك يتشكل اللامتشكل و يصبح لينا و طيعا و لا يتشكل المتشكل فيبقى سرمديا أبديا في اللوحة. 

فإن خضعت أعمال الفنانة إلى دمج التلقائي بالهندسي المتشكل في تواشج المكشوف بالمخفي، فتحرر واقع المدينة من اختناق صلابتها و ترتقي بها لتشكيلية بحثرة النظام بترتيب مغاير يتجاوز حدود إطار اللوحة ليبحر التأطير لامحدودا في عالم الخيال، فقد بينت أعمال أشار « Maurits Cornelis ESCHER » في بصريتها اللانهائية شفرات حسابية دقيقة الدراسة العلمية، ليقنن واقع المكان الثلاثي الأبعاد المدروس و يحوله إلى حقيقة خيال اللامكان الثنائي الأبعاد لمسيا و الثلاثي الأبعاد في خدعته البصرية العلمية. إذ تتراءى لي أعماله عبارة عن علم ذرة الرياضيات. فسواء اعتمد التصغير و التضخيم من خلال إبراز القرب و البعد و العمق و السطحي أو اعتمد التشويه البصري للمكان من خلال مرآة عاكسة لفضاء مرسوم في منجزاته الفنية فتبدو التركيبة لينة كروية مضخمة في وسطها، إلا أن الفنان يوهمنا و يخدعنا من خلال حقيقة خيالية رسمها على حامل مسطح. فهو يشكل المكان الواقعي ليصبح لا مكانا خياليا من خلال دقة علمية جنونية، فيحول ما لا يتحول و ما لا يتشكل اعتمادا على العلوم الصحيحة.   

فإن كان خيال الفنان عنصرا مهما و فاعلا في تشكيل و تغيير و تشويه و انسلاخ الحقيقة السريالية من الواقع لتضحى ما يتجاوز الواقع، إلا أن هذا الخيال سيد في انتزاع الغطاء العاتم عن المحسوس البصري، حيث ينشطر و يختلط و و يتوالد و يتنوع و يتكاثر اللامحسوس و التأويل في زعزعة المخفي ما قادني لطرح إشكال ظهور اللامرئي و اختفاء المرئي.   


  1. ظهور اللامرئي و اختفاء المرئي

 

إن تراءت لي تحويل و تحوير و تشكيل و تغيير المدينة مدنا جديدة عجيبة كل مرة، فإن الفنانة أظهرت ما لا يمكن فضحه. إنها هجانة إفشاء المستور في مزج الإنساني بالهندسي المعماري و النباتي و الحيواني. فبانت لي أعمال الفنانة إعلانا و بوحا لثنائية اللامرئي - المرئي. فإن بدا اللامرئي تواشجا للواقع الخيالي، فهو أيضا تشارك للآخر في أعمال الفنانة عند العرض. إذ تنعتق اللوحات من خيال أزقة مدنها لتسافر في تشاركية خيالنا معها. إذ يعتبر اللامرئي كل ماهو مضاد للمرئي أمام العين المجردة، أي المطموس أو المخفي و المحجوب عن حاسة العين، فهو لا يمكن إدراكه بالنظر. فيمكن تصنيف اللامرئي إلى صنفين. يتمثل الأول في ضبابية تداخل الأشكال و تشكلها إلى حد اختفائها في ثنايا المسطحات اللونية و ازدواجية الشفافية بالعتمة، فتتوه عنا هويتها الواقعية لتزج بنا في متاهة حقيقية مسطحة الحامل و زئبقية المعنى و الهوية. إلا أن الصنف الثاني يتمثل في تشاركية الخيال عند انسلاخ المنجزات الفنية من صاحبها لتتحول إلى رؤى و ملامس و حركات و روائح جماعية يتلذذ فيها الاكتشاف و يختلف فيها تأويل الانجاز. هنا تنتصر ذاتية الآخر في تفاعلية تشكيلية مع ذاتية الأنا للفنانة نجوى ليعرى الستار عن محجوبية الرؤى المتعددة و اللانهائية عند العرض.    

هكذا يكون قد انصهر طيفي اللاّمرئيّ في لوحات أستاذتي الفنّانة نجوى عبد المقصود، فالتمست شفافيّة تطابق صراعات الألوان و عتمتها و تداخلها بعركات تشكيل خطوط المدينة من الداخل، إذ كشفت عن الرجة في جمود لمسات ريشتها. إذ تتحوّل الصّراعات و العركات بين الوجه و القفا إلى ذبذبات بصريّة أين يكون اللّمسيّ عابرا و زائلا في تداخل هذه التّشابكات الحياتيّة النّاشطة في أبديّتها و خلودها المؤطر في إطار لوحة ببعد لامرئيّ حيث تولد لانهائيّة الخيال و التّخيل و التّعدد. فإن كان اللمسي ملموسا في حسه من خلال أثر الأشياء لتبدو كأنها تداخل للخامات في لحظة غيابها مع الأكريليك على القماشة، كما هو الحال في لوحتيها تحت عنوان " عينيا في عينك" و " وكري وكري"، فإن هذا الغياب يبين حضورها من خلال البصر أيضا. فاللمسي أصبح تمويها هنا، فيدعو اللمسي اللاملموس العين للتفكير. إذ يعرف اللمسي في ارتباطه بحاسة اللمس و كل ما يتم لمسه للتأكد من واقعه الحقيقي بإدراك حسي ملموس. حسب تحليل الأستاذ سامي بن عامر أن أول من أعطى أهمية لهذه الحاسة هو غيوم أبولينار Guillaume  APOLINAIRE  سنة 1911، كما أكد عليها مؤسس المستقبلية الكاتب فيليبو ماريناتي Philippo MARINETTI. إذ تتوسع معرفتنا و قوة إدراكنا للأشياء من خلال اعتماد حاسة اللمس. هذه الحاسة التي عرفت أهمية كبرى لدى رواد الفن الحديث.    

 لذلك، تكون لوحات الفنّانة نجوى، مستفزّة لحواسنا حيث يتوه اللّمس في ملمس تزاوج لطخاتها بأثر خامات و تحفيزها دون تحديدها و تخطيطها بخطوط مساكنها دون خنقها، فيضيع البصر في متاهة رؤية تداخلها و تحرّرها، و يحيى اللاّمرئي منسوجا من خيال الفنّانة و تخيل المشاهد، هناك يكون محورا للدهشة و للريبة و لللاستفهام و للتّفكير و تحيير معنى الفكر، فيصبح انتشاء جماليّا لامنحصر اللّحظة في أبديّة اللّمسات اللاّمرئية. إذ يكون الغائب حاضرا في غيابه، أين يكون للهارب و للخاطف و للطّيف و للشبحيّ و للزئبقيّ معنى. على هذا المنوال يقول مارلوبنتي ;  اللاّمرئيّ هنا دون أن يكون موضوعا ملموسا... و المرئيّات نفسها أيضا. خلاصة القول، كلّها تتمركز حول محور و نواة الغياب أيضا. فإن خلّدت اللّوحة في تأطير مؤبد و لامحدود الرّؤى، فهي في الذّاكرة تخلّد عابرة في زوال تعدّدها، ما دعاني إلى طرح التساؤل حول فضاء الذاكرة و ذاكرة الخيال. 



  1. فضاء الذاكرة و ذاكرة الخيال

تبني الفنانة تشكيلا جديدا لفوضى نظام المدينة، فيتحول الضجيج إلى هدم منظم بنزاع تشكيلي لامفهوم في ذبذبة تمازج ما لايختلط واقعيا. إذ تتحول الأزقة و الأنهج إلى لامكان من نسج خيال الفنانة في لحظات الابداع التي تحولت إلى زمن سرمدي لفضاء صاخب بلطخات مقننة و تجريدية. تحيى أزمنة اللوحة ليس فقط عند العرض بل و أيضا عند الإبحار في خيال الخيال و تذكرها في لحظة غيابها بإعادة تمثلها و بتجسيد بالمنطوق. فان كانت اللوحات عبارة عن تسجيد لأطياف زمكانية حركية حياتية خلدت شبحية في ذاكرة الفنانة من طبيعة و عصافير و عجلات الحياة و نشاط المدن في كشف المستور السرمدي، إلا أنها تشركنا في فضاء ذاكرتها الفنية التشكيلية. فتكون لوحاتها عبارة عن رسوم لما رسخ غامضا و مشوها بذاكرتها، لتتفنن في إعادة تشكيله ذاتيا في فضاء ينطلق من الواقع و يتجاوزه، فترتقي بنا إلى رحب رحم بصرية خيالها. فحسب المعجم العربي فإن الذاكرة مؤنث لذاكر و هي تعني قوة نفسية تحفظ الأشياء في الذهن و تحضرها للعقل عند الاقتضاء. و تعرف لنا سعاد موسى "الذاكرة" في مجلة فنون لعدد الفن و الذاكرة لمقال لها بندوة المجلة فتقول : "و تتفق القواميس على أن " الذاكرة" مصطلح يخص العلوم النفسانية و العصابية و هي في نهاية الأمر وظيفة عامة للجهاز العصبي و وظيفة عقلية تعمل على استعادة الماضي و تسمى أيضا بالمحافظة من جهة كونها ملكة ذهنية. و هذا "برغسون" مثلا، يميز بين " ذاكرة عادة" و" ذاكرة خالصة". و لنا أن نتحدث أيضا على " الذاكرة السيبرنيتيقية" و ذاكرة الديجيتال"... كما لنا أن نتحدث أيضا و هو ما يلهمنا بالأساس، عن"الذاكرة الجماعية" و "الذاكرة الثقافية" أي ذاكرة الوعي الجماعي". و هو ما تلتقي فيه عديد العلوم في مجال الانتروبولوجي، التاريخ، الجماليات، إلى غير ذلك". بذلك تعتبر الذاكرة ذاتية و خاصة في الابداعي التشكيلي و من ثم تتحول إلى ذاكرة جماعية بخاصية ذاتية ثقافية حسب تعدد التأويل و القراءات في نشوة العرض و الجدل في إطار لامؤطرية الأنتروبولوجيا اللامرئية برؤية إدراك العين أحيانا و المرئية برؤى التذكر و الخيال و التخيل و الفكر. لتتحول الإدراكات الحسية المحسوسة إلى تأملات فكرية جمالية، فتحير فينا حب اللامحسوس و مغامرة الطرب إلى أفق نورانية البحث من خلال التشابه الصوري طورا و العلمي و الفكري الجمالي طورا آخر. فإن كانت الذاكرة ذاتية لدى الفنانة حيث تستلهم روح فنها من اليومي، فيتدفق الروتين اليومي زهوا و طربا في تغير ملل الواقع و كسر قيوده، فإن الذاكرة أيضا جماعية في اختلاف الرؤى الذاتية عند التفاعل مع الأعمال التشكيلية و محاولة تخيل ما يتجاوز أطرها عند تذكرها و تخيلها في لحظة غيابها. فتكون حاضرة في الأذهان في ضبابية بصريتها و زئبقية زمانها الذي حنط و لكنه تحول إلى زمن مطلق في لحظة بعث جديدة و متجددة لنطفة بريق الخيال و الفكر و التفكير. 

فإن اتسم الإنجاز الفني للرسوم بخطافية فضاء الذاكرة في لحظة أبديته، فقد يتجرد من بصمة الفنانة و عالمها ليضحى ساعيا إلى عالمية ذاكرة الخيال اللامحدودة للفرد في انتروبولوجيا الجماعة و للجماعة في اختلاف الرؤى اللامرئية. إذ بدا عنوانها لمعرضها الشخصي "عكاز الأعمى" عاما في خوصصته و خاصا في عمق عمومية انفتاحه. إذ لكل منا عكاز و ثقب بصيص نور نتخذه طريقا طريفا لرؤية ضبابية الأهداف و البحث و السعي في مغامرة الكشف و الاستكشاف اللامرئي. فبالتالي تلهمني أعمال الفنانة للحفر في ثنايا فضاء الذاكرة و ذاكرة الخيال عسى اصطاد لمحة من انفلات المفهوم اللامفهوم لرقصته اللانهائية في لحظة خلوده المتجانس و المتشابك بصريا و هروبه اللامعلوم و الغامض فكريا و ذاكريا. فأدعم ذلك بمقولة روناي بسورون "René PASSERON" " تتلاشى الذاكرة في ملكة عقلنة الخيال" . فمهما تذكرنا المشاهد ستتلاشى منسية في ذاكرة التذكر لزمن فات و مضى، فقط سيعاد تمثلها تقريبيا إما بالتشبيه أو بالاستعارة أو بالكناية... فيتأسس التنوع حسب عوالمنا النفسية و الاجتماعية و ذائقتنا الفكرية و الجمالية. فإن أبدعت الفنانة في فضاء ذاكرتها المتعددة الحواس، فقد يبدع كل منا حسب مرآته العاكسة لعالمه و دراسته و نواميس مجتمعه في تأويل ذاكرة الخيال لفضاء ذاكرة الفنان.  


خاتمة 

بدت لي أعمال الفنانة فريدة في الإنجاز الحالم و غريبة في اختيار العناوين المشفرة، ما حير فكري و استفزني للكتابة. إذ طرحت إشكالية تشكل اللامتشكل و لا تشكل المتشكل في ضوء تشابك ليونة الأشكال بالألوان و انزلاق الواقعي بالخيال الحقيقي ليتحول إلى فن مؤبد. هذا الأخير أخذني لعالم طيفية ظهور اللامرئي و اختفاء المرئي حيث يتمركز الخيال حسيا دون تمركز محسوس، فيرفرف منطلقا إلى جو اللامحسوس، فهو زائل و عابر في لحظة تخليده. إذ تآلف هذا العنصر تآلفا وثيقا مع رجة التفكير في  فضاء الذاكرة و ذاكرة الخيال. فإن سبحت الفنانة في تموجات حرية فضاء خيالها لذاكرة واقع ضبابي، فقد نتوه في اشتراكية تفاعلية ذاتية و جماعية و جماعية ذاتية لذاكرة الخيال حيث يصحو الفكر من غيبوبة المعتاد، فيطمح للانعتاق في عزيمة البحث من خلال غموض الرؤى و تفرعها و توزعها و تجددها.   

فكما اختارت الفنانة نجوى عبد المقصود عنوانا للوحة من لوحاتها " ياراك كيف الرمانة " في بعد تفاؤلي لغنى حبات الرمانة المخفية في ثراء كروي حركي الشكل، حياتي الفن و الروحانية و الحب كارتقاء بالقيم لثمرة اعتدال الفصول في فصل، اخترت أنا خصوبة تفرع التحليل في أعمالها من خلال الإثمار اللامحدود بتوطيد علاقة المجسد باللاملموس. إذ استشففت في طيات لوحاتها لمسات لامرئية.    

الدكتورة سعيدة عروس



المراجع 

  • MERLEAU-PONTY, Maurice : « Le visible et l’invisible », Edition Gallimard, 1964


  • TRIKI, Rachida, "Espace et mémoires", Edition ATEP, Tunis, 2005

  • سامي بن عامر، " معجم مصطلحات الفنون البصرية"، لدار المقدمة، 2021


  • مجلة "فنون" بعددها "الفن و الذاكرة" مقاربات من اجل المستقبل، مقالات، حوارات من تونس حول السينما و الموسيقى و الفنون التشكيلية و المعمار و الكوريغرافيا... بالعربية و الفرنسية"، الثلاثية الثانية 2014 عدد 10

  • المنجد في اللغة و الأعلام، دار المشرق بيروت، 1986






.

بعض الصور من المعرض الشّخصي للفنّانة التّشكيليّة نجوى عبد المقصود


F:\Article Expo Md Najoua\IMG_2320.jpg






F:\Article Expo Md Najoua\IMG_2302.JPG










F:\Article Expo Md Najoua\IMG_2314.JPG








F:\Article Expo Md Najoua\IMG_2305.JPG









F:\Article Expo Md Najoua\IMG_2306.JPG








F:\Article Expo Md Najoua\IMG_2330.JPG









F:\Article Expo Md Najoua\IMG_2331.JPG

F:\Article Expo Md Najoua\IMG_2332.JPG







F:\Article Expo Md Najoua\IMG_2342.JPG








D:\Artiste Expo M Najoua ABDELMAKSOUD\Article Expo Md Najoua\IMG_2344.jpg










F:\Article Expo Md Najoua\IMG_2308.JPG







F:\Article Expo Md Najoua\IMG_2307.JPG







F:\Article Expo Md Najoua\IMG_2312.JPG










D:\Artiste Expo M Najoua ABDELMAKSOUD\oui et contrastées\IMG_2324.jpg









D:\Artiste Expo M Najoua ABDELMAKSOUD\oui et contrastées\IMG_2326.jpg











D:\Artiste Expo M Najoua ABDELMAKSOUD\oui et contrastées\IMG_2327 وكري.jpg









" وكري وكري"

التعليقات

سياسة التعليقات على موقع الثقافية التونسية.
1. يرجى الالتزام بالتعليق على الخبر أو التقرير أو المقال نفسه ، والابتعاد عن كتابة تعليقات بعيدة عن موضوع الخبر أو التقرير أو المقال.
2.يرجى الامتناع نهائيا عن كتابة أي عبارات مسيئة أو مهينة أو أي كلمات تخدش الحياء أو تحمل سبا وقذفا في أي شخص أو جهة أو تحوي معان مسيئة دينيا أو طائفيا أو عنصريا

أحدث أقدم

إعلانات

إعلانات