كلمة الأستاذ محمود الحرشاني مدير مجلة مرآة الوسط في أربعينية الراحل علي البقلوطي مدير مجلة شمس الجنوب كلمة الأستاذ محمود الحرشاني مدير مجلة مرآة الوسط في أربعينية الراحل علي البقلوطي مدير مجلة شمس الجنوب

كلمة الأستاذ محمود الحرشاني مدير مجلة مرآة الوسط في أربعينية الراحل علي البقلوطي مدير مجلة شمس الجنوب

 بسم الله الرحمان الرحيم





 كلمة الأستاذ محمود الحرشاني مدير مجلة مرآة الوسط

في أربعينية الراحل علي البقلوطي مدير مجلة شمس الجنوب

صفاقس في 19 مارس 2022


حضرات السادة والسيدات

الزملاء والأصدقاء الأفاضل.

من المفارقات الغريبة أن تأتي لحظة على المرء يمتزج فيها الشعور لديه بالسعادة مع الشعور بالحسرة والألم، لحظة فارقة في حياة كل إنسان عندما يقف في موقف كهذا الذي أجد فيه نفسي أنا اليوم وفي هذه اللحظة بالذات، فبقدر سعادتي بلقاء الأحبة والأصدقاء والزملاء، ومنكم من لم ألتق به منذ زمن طويل، بقدر ألمي وحسرتي وأسفي وحزني على فراق صديق الجميع العميد علي البقلوطي تقبله الله بواسع رحمته.

لقد استطاع الراحل العميد على البقلوطي أن يجمع الناس حوله حيا وميتا بفضل ما كان يتمتع به من أخلاق عالية وطيب معشر وقدرة على التواصل مع الآخرين قل أن توفرت لدى غيره، ولذلك كان على البقلوطي محبوبا في حياته، وسيبقى محبوبا بعد مماته.

وها هو اليوم بمناسبة مرور أربعين يوما على وفاته يجمعنا من جديد حوله وحول ذكراه، ومن الصدف أن تتزامن أربعينيته مع ذكرى عيد الاستقلال تماما كما اختار في حياته أن يتزامن صدور العدد الأول من مجلته شمس الجنوب في 20 مارس 1975 في ذكرى عيد الاستقلال، إنها مفارقات القدر، لا دخل للإنسان فيها مهما اجتهد.

وحسنا فعلت الهيئة المشرفة على تنظيم الأربعينية عندما اختارت أن تتزامن الأربعينية مع تنظيم ندوة حول واقع الصحافة الجهوية في تونس اليوم فلا أفضل من مناسبة كهذه للحديث عن واقع الصحافة الجهوية المكتوبة في تونس اليوم، سيما وأن الراحل علي البقلوطي ليس فقط هو أحد فرسان الصحافة الجهوية الذي ضحى في سبيلها بالغالي والنفيس ولم يستكن إلى أن أقعده المرض وإنما لأنه كان عميد هذه الصحافة عن جدارة واستحقاق، ومدرسة تخرج منها الكثيرون وأنا أحدهم بكل فخر، ومثلي كثيرون ممن يساهمون اليوم بكفاءة عالية في المشهد الاعلامي والصحفي في تونس. كما أن الراحل العزيز كان مدرسة تخرج منها من اقتدوا بتجربته وبعثوا صحفهم الخاصة، وأذكر هنا الراحل محمد كسودة الذي بعث جريدة صوت الوسط باللغة الفرنسية بسوسة ولطفي الجريري الذي بعث جريدة الجزيرة بجربة وعماد الحضري الذي بعث جريدة المجهر الأسبوعية وتوفيق الحبيب الذي بعث أهم وأكبر مجلة في تونس اليوم مجلة "ليدارس" وطبعا العبد لله الذي بعث مجلة مرآة الوسط في 25 ماي 1981 بسيدي بوزيد، وللتاريخ فقد قام بإعداد ماكات العدد الأول المرحوم علي البقلوطي بنفسه وأرسل المادة انطلاقا من سيدي بوزيد وطبع العدد الأول بالمطبعة التي تطبع بها شمس الجنوب "مطبعة سوجيك بصفاقس. وظلت مرآة الوسط تطبع بمطبعة شمس الجنوب لأكثر من 15 سنة جريدة ومجلة.

وكان الراحل علي البقلوطي يحيطها بعنايته ورعايته بنفس القدر الذي يحيط به مجلته شمس الجنوب و"لاغازات دي سيد" بل كان أكبر مشجع لي على مواصلة إصدار المجلة وعدم الرضوخ للصعوبات لما كان يوفره لي من تسهيلات في الدفع وأحيانا التنازل عن كلفة طباعة عدد أو عددين، فرحمه الله كان رجلا كريما وشهما. وحتى عندما انتقلت مرآة الوسط إلى الطباعة في العاصمة ظل يتابع مسيرتها ويدفع بي إلى الأمام، لأنه كان يؤمن ببقاء المجموعة.

ولعلمكم فقد ازدهرت الصحافة الجهوية في فترتي التسعينات والعشرية الأولى من القرن الماضي ويمكن أن نقول أن هذه الفترة هي الفترة الذهبية للصحافة الجهوية في تونس حيث انتظمت كل الصحف والمجلات الجهوية في الصدور وأصبح لها سحب لا يقل عن ثلاثة آلاف نسخة وارتقت مضامين كل الصحف الجهوية شمس الجنوب ولاغازات ومرآة الوسط والجزيرة وأخبار الساحل بسوسة وذلك بعد أن أقرت الحكومة في تلك الفترة دعما مباشرا وغير مباشر لكل الصحف والمجلات الجهوية تمثل في منحة سنوية من وزارة الإعلام لكل صحيفة لا تقل عن خمسة آلاف دينار ومنحة غير مباشرة تتمثل في تمكين كل صحيفة جهوية من نصيب من الإعلانات الحكومية فضلا عن اشتراكات للمؤسسات.

وبفضل هذا الدعم استطاعت كل الصحف والمجلات الجهوية أن تقف على قدميها وتكون لها قاعدة دنيا تنطلق منها في بداية كل عام وتخفف عنها كلفة الإصدار.

ولكن سامح الله من كان سببا في حرمان الصحف الجهوية من هذه المنحة وهذا الدعم السخي عندما تمت استشارته من قبل رئاسة الحكومة بعد سنة 2011 ونصحهم بحجب هذه المنحة والتوجه نحو تشجيع الصحافة المواطنية وأذكر أن المرحوم علي البقلوطي كثيرا ما اشتكى لي وكنا نشتكي لبعض في الحقيقة من هذه المظلمة التي سلطت على الصحف الجهوية فضلا عن الضغط الجبائي، وأقول أن علي البقلوطي مات وفي نفسه شيء من حتى.

وبسبب حجب هذه المنحة والدعم غير المباشر المتمثل في الإشهار العمومي، وجدت كل الصحف الجهوية نفسها عاجزة عن مواصلة الاستمرار في الصدور، فتوقفت كل الصحف والمجلات الجهوية وعبثا حاولت أنا والمرحوم علي البقلوطي تحرك الملف من جديد ولكن دون جدوى وأذكر لكم بعض المواقف.

1- في بداية سنة 2013 عندما تولى حمادي الجبالي رئاسة الحكومة كاتبناه وطلبنا منه إعادة إحياء المنحة الموجهة لتشجيع الصحافة الجهوية فأجابنا كتابيا عن طريق المستشار الإعلامي بانه لا توجد في الميزانية اعتمادات مرصودة لهذا الغرض وللصحف الجهوية.

2- والأزمة في أشدها حاولنا أن نثير الملف إعلاميا فاتصلت شخصيا بالزميلة ليلى بوعجيلة من إذاعة تونس الثقافية وطلبت منها إثارة موضوع اندثار الصحافة الجهوية وبرمجت فعلا ملفا إذاعيا وكنت من ضيوفه وزميل آخر وأرادت المنشطة أن تستضيف معنا نقيب الصحافيين ناجي البغوري فرفض المشاركة في الملف بدعوى لا توجد صحافة جهوية في تونس.

3- طلبت مرة مقابلة أحد وزراء الثقافة بعد الثورة طبعا لأتحدث معه في شأن مرآة الوسط فقبلني ثم أحالني على مدير الديوان، وبعد أن تصفح أحد أعداد المجلة وكانت فيها تغطية لندوة نظمتها مؤسسة البابطين الثقافية الكويتية، قال لي مدير ديوان الصدفة لماذا تطلب منا نحن الدعم ما دمت علاقتك جيدة بالباطين أطلبه من البابطين.

السيدات والسادة 

أدرك أنني أطلبت عليكم والوقت المحدد لي ربع ساعة فقط، لذلك أريد أن أنهي بما يلي :

1- لا أتصور اليوم مستقبلا للصحافة الجهوية في ظل غياب رموزها المؤسسين وأيضا في ظل غياب تشجيع واضح من الدولة للصحافة الجهوية تمثل في منحة مباشرة ونصيب من الإشهار وإعفاءات جبائية.

2- لا يمكن للديمقراطية الناشئة أن تنجح إلا إذا كانت هناك ثقافة ديمقراطية في العمق، وأهم وسائط نشر الديمقراطية وثقافة حقوق الإنسان على مستوى محلي وأفقي هي الصحافة الجهوية التي اندثرت اليوم.

3- لا بد للبلديات ومجالس الولايات أن يكون لها دور في تشجيع الصحافة الجهوية دون أن تضع يدها عليها وقد شاهدت بعيني في السويد في مدينة صغيرة اسمها لاهولم في الجنوب كيف تدعم البلدية ثلاث صحف جهوية تصدر بالمدينة.

4- نقدر للمجلس الأعلى للصحافة تمثيلية الصحافة الجهوية في تركيبته في شخص المرحوم علي البقلوطي وأرجو أن تتم المحافظة على هذه التمثيلية في تركيبة المجلس باختيار خلق للزميل الراحل علي البقلوطي في أقرب وقت.

في الختام أجدد لكم جميعا التحية والشكر.

ورحم الله العميد علي البقلوطي الذي جمعنا مرة أخرى حوله.

قال تعالى : "يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة".

صدق الله العظيم

-----------------------------------------------------

ملاحظة // نظرا لرداءة الطقس وتقلب الاحوال الجوية يوم السبت 19 مارس2022 يوم اقامة الاربعينية تعذر على صاحب الكلمة التحول الى صفاقس وتم ارسال الكلمة مسجلة بواسطة تقنية الفيديو لتعرض في الندوة


التعليقات

سياسة التعليقات على موقع الثقافية التونسية.
1. يرجى الالتزام بالتعليق على الخبر أو التقرير أو المقال نفسه ، والابتعاد عن كتابة تعليقات بعيدة عن موضوع الخبر أو التقرير أو المقال.
2.يرجى الامتناع نهائيا عن كتابة أي عبارات مسيئة أو مهينة أو أي كلمات تخدش الحياء أو تحمل سبا وقذفا في أي شخص أو جهة أو تحوي معان مسيئة دينيا أو طائفيا أو عنصريا

أحدث أقدم

إعلانات

إعلانات