القارة الأوروبية تواجه الحرب الروسية! د.أحمد القديدي القارة الأوروبية تواجه الحرب الروسية! د.أحمد القديدي

القارة الأوروبية تواجه الحرب الروسية! د.أحمد القديدي

 القارة الأوروبية تواجه الحرب الروسية! 



  د.أحمد القديدي

طفت هذه الأيام ثلاث عواصم أوروبية أهمها باريس و جلست في النوادي و المقاهي و المطاعم و تجولت في الشوارع و زرت بعض زملائي في مراكز البحوث الاستراتيجية و الجامعات و تأكدت من حقيقة لم تغب عني يوما في الحقيقة بل ترسخت في ذهني أكثر وهي أن أغلب الناس العاديين مواطني هذه القارة ينظرون إلى العالم و ما يقع فيه من أحداث من خلال "نظارات" الإعلام الطاغي أو الشعبي وهي من زجاج يغير المشاهد و يوفرون تعب التحليل و الفهم لأنهم بكل بساطة يكررون ما يطبخ لعقولهم من سيناريو الصور و الفيديوهات و التحاليل دون تحميل أنفسهم مهمة الفهم الشخصي لما يحدث (اليوم في أوكرانيا نموذجا..و ما سبق من حروب و بؤر توتر و عنف و صراعات أهلية أو إقليمية...بنفس ما أسميه شخصيا "إستقالة العقل من التفكير و التفسير و توقيع تكليف شعبي للإعلام ليفكر عوضهم و يقدم لهم ما يعتقدون أنه الحقيقة الخالصة ما دامت شاشات القنوات تقدمها أطباقا جاهزة للإستهلاك على عين المكان أو ديليفري للإستهلاك في البيوت" لا يخفيكم أن هذه الحرب الأوروبية الداخلية تستحق أعمق من تقسيم الخصمين المتحاربين إلى شقين (الأبيض المظلوم و المعتدى عليه و الأسود الظالم المعتدي) و على هذا الأساس أي حسب هذه الرؤية تصنف مواقف الدول الأوروبية و قد كانت قمة السبعة و العشرين دولة أوروبية يومي الخميس و الجمعة 10 و 11 مارس الجاري في قصر فرساي التاريخي برئاسة الرئيس الفرنسي ماكرون وهو رئيس الإتحاد الأوروبي حاليا لمدة ستة أشهر و طبعا إختلف قادة هذه الدول كنخبة مسؤولة حول طبيعة الردود المنتظرة على بوتين وهو مستمر فيما بدأه منذ ثلاثة أسابيع من قصف المدن و المواقع العسكرية في أغلب مدن أوكرانيا و يعلم أن لديه كما لدى الأوروبيين (و الأمريكيين) أوراقا للضغط على أعدائه منها تزويد شعوبها بالغاز و النفط و يعلم أن منع استيراد (الفودكا و الكافيار) من روسيا لا يؤثر كثيرا في الإقتصاد الروسي و يدرك أيضا أن تحالفا روسيا مع الصين ..و ربما مع دول ليست في صف الغرب مثل إيران يبقى هاجسا مخيفا للقارة الأوروبي و يعلم بوتين جيدا أن سعي الرئيس ماكرون منذ 2017 إلى تجميع كلمة الإتحاد الأوروبي حول إنشاء جيش أوروبي قوي لم يحظ بتأييد الإدارة الأمريكية (من ترامب إلى بايدن) إلا أن الرئيس بايدن لم يتردد في إعتبار هذه الإرادة الفرنسية خطوة لإحداث شقوق في قلعة حلف الناتو و بالتالي "الخروج من الغطاء الأمريكي النووي التقليدي الذي يعتبر العباءة الواقية لأوروبا من أخطار محدقة بها (كالتي وقعت في أوكرانيا اليوم) أو التي يخططون لها بما يسمى العقيدة العسكرية و الأمنية وهي عقيدة الدول تحدد بها أولوياتها الدفاعية و مع تغير المخاطر تتغير العقيدة! الغريب أن إدارة الرئيس بايدن و في فبراير 2020 حددت عقيدتها الدفاعية حسب أولويات مختلفة لم تقرأ حسابا للغزو الروسي لجمهورية أوكرانيا بل كان "العدو" الأول المحتمل هو الصين لأسباب عديدة منها إصرار بيجين على إحتلال جزيرة تايوان (الصين الوطنية) و إعادتها لأحضان أمها! و لكن هل أوروبا متحدة الموقف إزاء الحرب و إزاء العقوبات ؟ بالطبع لا و ظهرت خلافات حادة بين ألمانيا من  جهة و بين بريطانيا و فرنسا من جهة ثانية لأن برلين لا يمكن  أن توافق على حظر على الغاز والنفط الروسيين لكن قرار المستشار لا يحظى بإجماع في البلاد حيث يرى البعض أن هذا الحل الجذري ضروري أخلاقيًا ويمكن إدارته اقتصاديًا. بعد قرار الولايات المتحدة وبريطانيا بوقف استيراد النفط الروسي ازدادت الضغوط على المستشار أولاف شولتس. وقامت مجموعة من نشطاء المناخ والأكاديميين والمؤلفين والعلماء الألمان بنشر رسالة مفتوحة في نفس الوقت تطالب بفرض حظر كامل على واردات الطاقة الروسية "لأننا حاليًا نمول جميعًا هذه الحرب".كما قال النائب المحافظ نوربرت روتغن "علينا أن نفعل كل ما في وسعنا لدعم الأوكرانيين في معركتهم ضد بوتين ومن أجل الحرية و يجب أن نوقف استيراد المحروقات الروسية. من أغرب ما قرأت في هذا الصدد توقعات إستشرافية لثعلب الدبلوماسية الأمريكية هنري كيسنجر حول مصير أوكرانيا هذه التوقعات نشرت عام 2014 أي منذ 8 سنوات قال فيها كيسنجر إذا تواصل عمى الغرب عن حقيقة أوكرانيا ستقوم حرب مدمرة لأن روسيا لن تقبل سوى بوضع أوكرانيا موضع جسر محايد بين روسيا أمها و الغرب حاضنتها و شرح كيسنجر سبب الحاجة إلى تحديد الأولويات من أجل ازدهار أوكرانيا. كتب: "حتى المنشقون المشهورون مثل ألكسندر سولجينتسين وجوزيف برودسكي أصروا على أن أوكرانيا جزء لا يتجزأ من التاريخ الروسي وفي الواقع قلب روسيا و أضاف: "على الاتحاد الأوروبي أن يدرك أن تمدده البيروقراطي وخضوعه للعنصر الاستراتيجي للسياسة المحلية في التفاوض بشأن علاقة أوكرانيا بأوروبا قد ساهم في تحويل المفاوضات إلى أزمة  بينما السياسة الخارجية هي فن تحديد الأولويات!" هذا ما توقعه كيسنجر و ما حدث بالفعل و أنا أتساءل : هل يقرأ قادة الإتحاد الأوروبي لكيسنجر وهو الخبير الداهية في شؤون العلاقات الدولية أم أغلبهم يتعامل مع الحرب الراهنة من منطق حملته الإنتخابية المحلية؟

التعليقات

سياسة التعليقات على موقع الثقافية التونسية.
1. يرجى الالتزام بالتعليق على الخبر أو التقرير أو المقال نفسه ، والابتعاد عن كتابة تعليقات بعيدة عن موضوع الخبر أو التقرير أو المقال.
2.يرجى الامتناع نهائيا عن كتابة أي عبارات مسيئة أو مهينة أو أي كلمات تخدش الحياء أو تحمل سبا وقذفا في أي شخص أو جهة أو تحوي معان مسيئة دينيا أو طائفيا أو عنصريا

أحدث أقدم

إعلانات

إعلانات