فن القص عند الروائي عبد القادر بن الحاج نصر فن القص عند الروائي عبد القادر بن الحاج نصر

فن القص عند الروائي عبد القادر بن الحاج نصر



بقلم الاستاذة منوبية الغضباني







يعتبر القاصّ التّونسي عبد القادر بن الحاج نصرمن أعلام القصّة القصيرة ...فقد أصدر مجموعات قصصية عديدة ...وقد فتنت أعماله في هذا الجنس الأدبي القرّاء لما اتّسمت به من رصد دقيق ومحكم لواقع اجتماعي يقوم على السّيطرة والظّلم والتّهميش وانعدام تكافئ الفرص والحرمان ..وهي تأخذنا في دوران حول الرّاهن في اضاءةىسردية حكائية ممتعة .. والمتأمّل في أعماله القصصية يلاحظ عدم انفصالها عن الواقع وقدرتهاعلى مرافقة أبطالها وشخوصها بممارسة الصّدق وتكريس واقعهم دون تزييف ولا تنميق بما يجعلهم قريبين منّا كقرّاء... الشخصيّات والأبطال في قصص مبدعنا تحتلّ كلّ الإهنمام من بداية القصّة الى منتهاها ..فهي بهذا المفهوم مدار الأحداث...لها خصائصها الحقيقية ونمطها الخّاص وأفعالها وسلوكها كأنساق اجتماعية تحدد طرق السلوك البشري ضمن القيّم والأعراف المتوارثة ..و ما حدّد سماتها الشّخصية هي الحريّة التي منحها اياها القاصّ تجاه نفسها بما يشعر المتلقي أنّها تمتلك زمنها ومدركاتها وهو ما نآى بمنجزاته القصصية عن افتعال الأحداث عكس البعض من كتاب القصص القصيرة .. يقول أحدهم أنّ القصة فعل أبداعي خلاّق مبتكر ، فهي وأن كانت تستمد ّالنّسغ من الواقع الاجتماعي والثّقافي وتحولات الراهن ، فأنها أقدر على تركيب عالم سرديّ خيالي يتجاوز الممكن ليستشرف حدود الغريب والمحال والغامض ... ومميزات المتن السّردي لدى القاص عبد القادر بن الحاج نصر يوفّر بشكل جيّدا منذ بدايته ترسيخا للبعد الواقعي الوصفي لأبطاله وهو ما يحفّز همة المتلقي لأستيعاب الشّخصيّة المتحدّث عنها ..فمن سيمات الشّخصيات أنّها مثيرة بما يتفاعل في نفسها وذهنها من خواطر وتقاليد وطباع نكاد ننصت لخلجاتها ونبضاتها ونتملك أسرارها من خلال السّياق السّردي ومعطياته. الذي يقيم تواصلا مباشرا بينها وبين كاتبها والمتلقي...والشخصيات في قصص مبدعنا فواعل actant بمعنى مؤثّرة وفاعلة في المسار السردي وعلى بقية الشخصيات الأخرى .. ومتانة الأسلوب السّردي لدى المبدع عبد القادر تتسم بقدرته اللّافتة على منح شخصياته رغم ثقل العيش أحيانا ومعاناتهم الوجدانية في مجتمعات تقليدية محافظة التمرّد والرّفض والتّوق نحو الإنعتاق والتّحرّر ..وهو ما يجعلنا نقف على رحابة معرفته وتمكّنه من لغة السّرد وتقنياتها التي تختزن الدّلالة أكثر من الوصف المباشر ...فجلّ قصصه مكتوبة برهافة حسّ ..وفكر متحرّر متطوّر يقوم على حبكة لمواقف متباينة تبلغ أحيانا حدّ المواجهة لتولّد صراعات مع حالات نفسية تتحرّك بنا في فضاءات القصّة ...فنقف على انفلات القيّم في "النبيذ" ..إمرأة تعاقر الخمر ...لتفلت من الأغلال وسطوة الزّوج وغطرسته في بحث عن مشروعيتها وكينونتها من منظور شخصيّ ذاتيّ بحت تعتبر فيه "هي" أنّ ما أتته هو تكسير لمجرى حياتها قد ينتهي بها الى الخروج من اللإنسداد الذي تعيشه .. ولابدّ من الإشارة الى أنّ منجزات القصصية و الرّوائية التي أصدرها مبدعنا بعد الثورة التونسية والعربية وما يطلق عليها بربيع الثورات العربية قد أبانت عن حدسه لخصوصية العصر ورغبة الإنسان في نزعاته الفردية الى صدمات وزلزلة تقلب المفاهيم ...فحالات التّشظي الأخلاقي والإجتماعي بصفة عامّة قد تخلق حالات "إبداع للذّات"...قد يبدو للقارئ أنّها اختراق سافر للقيّم ولكنها في حقيقتها استحضار لما يمكن تغييبه وطمسه عن النظر ... والقارئ لقصص عبد القادر بن الحاج نصر يحسّ أنّها بحث في مكامن النّفس ..وهذه النّفس البشريّة هي قوّة ابداعه...يتعاطى مع المحتجب فيها ليجعله متمثّلا للإدراك من خلال أبطال قصصه ... ثمّ أنّ اللّغة ونخوتها في قصصه ترتقي بمتلقيها الى عوالم شعريّة تحتفي ببلاغة الصّورة وترفها ..فشعريّة اللّغة في قصصه متعددة الدّلالات ...تظلّ طاقاتها في اتّساع تثبت جلاء خصائصها في استكمال وتوظيف غير مسبوق لمقوّمات الكتابة ففي قصّته القصيرة "رذاذ" يقول الغيوم تتجمع فوق رأسها ...تتكدّس تتلبد وكأنها تحتفي بها ..حلت شعرها فانسدل على الكتفين والظهر وعليه تناثر الرذاذ كأنه الهباء المنثور .....تحولت سنابل الشعر الى غيمات سوداء تنز رذاذا...." فقصصه تنتسب الى الشعربصلات بيذنة وظاهرة تتدفّق فيها الصورة وتتكثّف بالايحاءات والإستعارات والمجازات .. وعموما وفي رصد متواضع توفر لي من خلال قراءة أولية في أعماله القصصيةّ القيّمة فإنه من نافلة القول أنّ ما يشكّل المسار القصصيّ لدى مبدعنا الكبير والقدير هو تحدّي الأبطال ورفض المعيقات والمكبلات والقطع معها في فضاء قصصي يحتفي بتحولات ومعطيات متناغمة مع رؤى وتأملات باطنية متحررة متوثبة نحو الأفضل.. فهنيئا للسّاحة الإبداعية بهذه المنجزات القصصيّة الممتعة ونحو مزيد من العطاء والتّألّق للمبدع الروائي والقاصّ عبد القادر بن الحاج نصر
 منوبية الغضباني .القصرين

التعليقات

سياسة التعليقات على موقع الثقافية التونسية.
1. يرجى الالتزام بالتعليق على الخبر أو التقرير أو المقال نفسه ، والابتعاد عن كتابة تعليقات بعيدة عن موضوع الخبر أو التقرير أو المقال.
2.يرجى الامتناع نهائيا عن كتابة أي عبارات مسيئة أو مهينة أو أي كلمات تخدش الحياء أو تحمل سبا وقذفا في أي شخص أو جهة أو تحوي معان مسيئة دينيا أو طائفيا أو عنصريا

أحدث أقدم

إعلانات

إعلانات