مقامة الأكتاف: بقلم كمال الشطي

 مقامة الأكتاف: بقلم كمال الشطي




حدثنا أحدهم وكان أصدقهم قال :تداعت على أبي الفتح التونسي خطوب السنين… فافتقد كل قرين… وعضه الإفلاس… واحتقره الناس… وخوي البطن من شدة الجوع… بعد أن أفلس دكانه وانعدمت البيوع ...
قال أبو الفتح مخاطبا نفسه :
بحر خِضمٌ يلطمُ... دهر عبوس أسحمُ
ليلي طويل قائمُ ... فجري نذيرٌ يُقسمُ
عيشي سواد فاحم....حظي عديم سَقمُ
رِفقًا بِنا لو تعلموا...رِفْقًا بِنا جسمي دمُ
ثم بات ليلة وليلتين وقد طوي… والبطن خوى… فقرر بعد أن أيقن بالهلاك …والوقوع في الشراك …البحث عن حيلة توفر له الغذاء… وتنجيه من الفناء ..فاختار من أسماله .. ما خطر بباله …وامتطى صهوة الحمار… وقد عزم على الإفطار… وهجر الأطمار ... ولِم ...لا .. ممارسة الكُدية والخداع والقمار.
وأسرى إثر الغروب… يتتبع مع حماره الروائح الشهية في الأزقة والدروب ..عازما على التخلص من الغبن والكروب.
تصاعدت من أحد الأزقة رائحة شواء تزكم الأنفاق… وتكهرب الأشداق …فاقتفى أبو الفتح وحماره أثرها.. متتبعا انتشارها..إلى أن واجهته بوابة ذهبية تكسوها مسامير مدققة.. وحِلق مُعلقة .
استأذن أبو الفتح لنفسه وحماره.. فطردته أطماره ...فانتحى جانبا وملأ صرة بالتراب ..ورقّصها أمام البَوّاب.مُدّعيا أنها ملئت بالذهب الوهاج. فانفتح الباب.. وزال الحِجاب ..وسارع صاحبنا إلى الحمار يستودعه... والى الشواء يستنشقه...واستوى على مائدة فاخرة.. مُلئت أطباقا ساحرة ..وما درى أنها تتبعها الداحرة ...
تذوّق أبو الفتح الحساء ...واتبعه بلقمة شواء.. ولاك قطعة كبد.. غمسها في الزبد.. ثم تسللت بين الأضراس والأسنان.. لقمة فلفل حمراء كشقائق النعمان .. فألهبت اللسان ..الذي أمسى يتلوى كالجان ..ودمعت المقلتان... وعطس الأنف وارتجفت الأذنان.
فانبرى أبو الفتح يبتلع المرطبات ...ويتجرع السكريات..وداهم معدته المغص ..ومصا رينه المقص.. فانزوى في ركن من الأركان يتلوى من شدة الوجع.. وقد تملكه الهلع.. إلى حد سقط معه الإزار... وانفلتت الأزرار... فهوت الصُرة وتناثر التراب فانكشفت الحيلة.... وأيقن صاحب المطعم بدجل الصرة... فانبرى يصفع أبا الفتح الكَرّة بعد الكَرّة..وشد ذراعه إلى حِلقْ.. وقدميه إلى الفلق.. وطفق يجلد اليدين والقدمين.... وأبو الفتح يتألم ويتأوه ويعض كتفيه مُولولا صارخا.... يبكي وينوح.. ولسان حاله يبوح... قائلا: لولا الاستخفاف... بهذه الأكتاف الضعاف ...ما داهمني الرعاف في وطن افتقد العدل والعفاف .
أحدث أقدم