قصة ملعون أبو العملاء. بقلم الكاتب الكبير عبد القادر بن الحاج نصر

 قصة

ملعون أبو العملاء.
(مهداة إلى الفلسطينيّة التّائهة
أمّ الصبيّ)
بقلم الكاتب الكبير



عبد القادر بن الحاج نصر

صالون فخم.. جدّا.. حرير من الهند ولوح من غابات بولونيا في الفضاء الواسع انتشرت رائحة عطور باريسيّة، أضواء شعشاعة وأخرى تهمس راحة وسعادة.
ثلاث سحنات.. وجوه مشرقة على سواد داخليّ. لكلّ واحد مخدّة من ريش النّعام، لكلّ نارجيلة يمصّها حين تشتدّ شهوة المصّ لديه، وينفثها دخانا شبيها بالضّباب دوائر فوق الرّؤوس كدوائر الماء حين يلقى فيه حجر. حين يختنق بالدّخان الأبيض المتصاعد تنتفخ أوداجه وتحمرّ.
-فراخ! ملاعين حرّموا علينا العيش.
يرفع الذي بجانبه الأيمن رأسه فتتجلّى كومة من الشّعر الأبيض تغطّي أسفل رقبته.. يعضّ شفته، يمسح بكفّه مبسم النّارجيلة، ينفخ الذي على اليسار في الجمر، يدير بصره في الأرجاء، يحكّ وجنته بظاهر يده.
رياش، حرير، خشب من غابات بولونيا، ورائحة العطور الباريسية.
****
شاهد الصّبي دخانا أسود فنزل من السّطح يدور حول نفسه كدوّارة الرّيح، فتح الباب وركض في الفضاء الخارجي. صبيّ كدوّارة ريح، كوردة الجوريّ، لم يتجاوز الثّالثة عشرة، قطع النّهج، دار حول نفسه، التقط حجرا باليمنى وحجرا باليسرى، ارتمى في أحضان "حي الجرّاح" .. وردة الجوريّ تتفتّح بتلاتها وتواجه الإعصار.
****
بحثت الأمّ في أركان البيت، تسلّقت السلّم الحديديّ وصعدت إلى السّطح، حدّقت في فضاء الأنهج والسّاحات والمنازل والاسفلت والتّراب والأغصان والأشجار والحاويات وأكداس الفضلات.
《كعادته.. دوّارة ريح تجري مع الرّياح الجارية.》
عادت الأمّ أدراجها تنقّل الخطو برتابة في اتّجاه السلّم الحديديّ، دخلت غرفة نومه.. المحفظة والأدوات المدرسية والملابس مبعثرة هنا وهناك.
《آه منك يا وردة الجوري.. بين حين وآخر تتحوّل إلى دواة ريح.. ماذا أفعل.. أنت الآن تواجه ااشيطان.. ترى ماذا سيفعل بك الشيطان يا ولدي؟》
****
على شاشة التّلفاز تابع الثّلاثة الأحداث الملتهبة.. يتمطّط الوقت ويشتد الكرّ والفرّ ..ككلّ يوم، ككلّ ساعة يتحوّل المشهد لديهم إلى مقابلة رياضية حامية، مغرية ومسلية.
-أرأيتم ذلك الشقيّ لقد أصابوه في القدم.
تمايل على الأريكة، رفع ساقيه ومدّدهما إلى الطّاولة.
-نحن لسنا عملاء.. إنّنا أكثر وطنيّة منهم، ومن أولئك الذين خلّفوهم.. الوطن ليس انتفاضة أطفال، ليس حجرا.. إنه حكمة وتدبير وانحناء حين يقتضي الأمر.
-ملعون أبوهم.. أشقياء.. يحجبون نور الشمس عن الأرض والعباد.
****
قفز الصبيّ كالغزال، حجرا إثر حجر، وابل من حجارة، لم تصب أحد الشياطين في وجهه لتجعله يرتجف، أزّت فوق رأس الصبيّ رصاصة، ذبابة.. متى خاف الصبيّ طنين الذباب.. ذات يوم منذ عام أصابت أخاه ذبابة في الرأس تدحرج على الأرض، ابتسم وأغمض عينيه إلى الأبد.
****
أسندت المرأة كتفها على حاشية الباب.. الكبد ترتجف والنبض يتسارع، كيف راودها الصبيّ وخرج، إنه يفعلها ككلّ مرة ويعيدها مرّات.. من أجل من! أولئك العملاء! أولئك القذارة! تسلّقت السّلم وجرت من حاشية السّطح إلى الحاشية، مدّت نظرها.. الدّخان يعلو طبقات فوق المباني.. يا ابني، يا فلذة الكبد، ترتمي يوما بعد يوم في المحرقة، وهم أولئك القذارة، يملؤون جيوبهم ويختبئون كالجرذان، يأكلون ويتغوّطون.. لا تحرق كبد أمك مثل أخيك.. أصابوه فانهار على الأرض أمامي، خرّ على التراب، ومن التراب إلى التراب.
****
شاهدت وهي تتلوّى في الطّريق خيولا وكلابا وقبّعات وهراوات وجرّافات.. جدار يتهاوى، أثاث مكدّس على الرّصيف، صدور عارية وصياح وأيد متشنّجة وسواعد ورؤوس وأقدام حافية.. سقف ينقضّ، سيّدة تحتضن حجرا، ترتمي على حجر، تتوسّد حجرا.. ماذا فعل بنا هؤلاء العملاء! سأمسك بك من شعرك يا ابني وأعيدك إلى البيت، سأربطك بالحبال على السّرير، منذ عام اقتطعوا شطر رئتي فلن أسمح لهم بأن يقتطعوا الشّطر الباقي.
****
- ملعون أبو أبوهم، ملعون الجدّ والأمّ والأصل والفصل.. أفهمناهم ولم يفهموا، يتراكضون كالثّعالب في كل الاتّجاهات، أبالحجر يا ناس! بالحجر، بالعري، بالوقاحة والصياح! أفهمناهم.. أصمتوا وسنأتي لكم بالدّنيا زاحفة على ركبتيها.. سنأتيكم بالخير والسّعادة والطمأنينة.
- صحيح لقد كدت أنسى ما حال الأبناء؟
-الحمد لله.. يتسوّحون فأمريكا واسعة وعريضة أوسع من الأرض والبحر والسّماء، أبوابها أكثر من أبواب الجنّة.. بالمناسبة كم عدد أبواب الجنّة؟
ارتجف ضحكا ثم، تباعا، انفجر الآخران ضحكا وقهقهة، اغرورقت العيون بالدموع.
- أبواب الجنّة!
-أنت تصلح زعيما بحق.. أبواب الجنّة! كلامك أحلى من العسل يا زعيم.. هل هناك جنّة ولها أبواب غير جنّة ماما وأبوابها.
- آه حين أشاهد هؤلاء الصّبية الأشقياء يتلاحقون كالثّعالب يعرّون صدورهم ويواجهون الكلاب الشّرسة وخراطيم المياه العادمة وقنابل الغاز والرّصاص الحيّ ثم نراهم يخرّون كالعجول على حواشي الأرصفة وعلى صدور أمّهاتهم وشفاههم ترتجف ابتسامات غبية.. أفهمناهم فلم يفهموا.
-أنا عميل! أنا وأنتما! يرموننا بالعمالة! والله لنكون عليهم أشدّ من سنابك الخيل وخراطيم المياه العادمة وقنابل الغاز والرّصاص الحي.
****
خذني إلى حيّ سلوان، ارمي بي إلى حيّ الجرّاح.. سأسدّ بجسدي باب المسجد فلا تقتحمه القاذورات.. تلوّى الصبيّ كظل شجرة في مهبّ العاصفة.. تململ بين الأقدام كدوّارة ريح لاهية لاعبة.. التقط حجر أبابيل من الرّصيف، رمى بحجر أبابيل.. حوافر الخيول تحفر الاسفلت.. الكلاب ورائحة المياه العادمة.. لن تتوقّف دوّارة الرّيح.. يدور الصّبي حول نفسه ويدور حول الموجودات من حوله.
****
سأخرجك من الزّحام يا ولدي، لن تفلت منّي هذه المرّة، سأجرّك ورائي.. ما تجنيه يا ولدي والعرق يتصبّب من جبينك، حبيبات كقطرات المطر يلهفه العملاء، مدخّنو النّارجيلة، المتفرّجون.. تلوّت الأمّ وسط السّيل، موجة تلقي بها إلى أخرى.. هل رأيتم صبيّا أشقر نحيفا مشرقا كالهلال، جميلا كوردة الجوريّ؟ غالبت الموج منقّلة بصرها بين الصّدور العارية والأقدام الحافية.. إنها تشمّ رائحة أنفاسه، يلتقط سمعها حركة قدميه.
ابني حبيبي.
***
اغبرّ الصالون الملكي بالدّخان.. ثلاثة رجال وثلاث نارجيلات.. عملاء! لا أبدا.. إنهم في الخدمة لا أكثر ولا أقل.. على الشّاشة تتلاحق الصّور.. نار ودخان وخراطيم تدفع بالمياه العادمة وكلاب تكشّر عن أنيابها وخيول مطهّمة تحمحم ودماء على الأرصفة والعاصفة تشتدّ.
-اسقني.. سأغمض عينيّ قليلا حتى لا أرى هذه الشرذمة من الأطفال الذين أفسدوا علينا حلاوة الدنيا.. أفهمناهم، وعدناهم، أعطيناهم ممّا أعطونا، وقفنا على أبواب بيوتهم نستجدي هدوءا يا أبنائي، اتركوا نور الشّمس تغمر فضاء البيوت، كلوا واشربوا لكن اصمتوا.
-ملعون أبوهم.
-لسنا عملاء.. ملعون أبو أبوهم.
مسح مبسم النّارجيلة وطوى الجبّاد.
-متى ستسافر إلى تلّ أبيب؟
-غدا.. مجبر أخاك لا بطل.. لا بدّ من الأعلاف للقطيع.. وأنت متى ستسافر إلى نيويورك؟
-لا أدري.. السّوق كاسدة هذه الأيّام.. للسّوق أحكام يا عزيزي.
- أنظر هناك.. لقد سقط على حاشية الرّصيف والكلب يجرّه من ذراعه وهو فاقد الحركة.
-أفهمناهم فلم يفهموا.. ملعون أبوهم، يلقون بأنفسهم في المحرقة ويرموننا بالعمالة.
-أغلق التّلفاز أرجوك.
-ملعون أبو التلفاز.. ملعون أبو أبوه وأبو هؤلاء الأشقياء.
-أفهمناهم.. قلنا لهم لن تستطيعوا شيئا فلم يفهموا.. ذئاب منفردة تتجمّع وتتحوّل إلى قطعان يثيرون الغبار في كلّ مكان فيحجبون عنا الشّمس.. حين يصاب أحدهم يصيحون في وجوهنا بصوت واحد.. عملاء، قذارة.
-أفهمناهم فلم يفهموا.
-غدا سأسافر إلى تلّ أبيب.. ماذا أفعل إذا لم أسافر.. يجب أن تستمر الحياة.
****
جثت الأمّ على ركبتيها، ركبة على حاشية الرّصيف والأخرى على الاسفلت.. على الصّدر انتفضت بتلات وردة الجوريّ، اهتزّ شطر الكبد، على القميص دم أحمر قان.. على صدرها وعلى حواشي الفستان الذي تمزّق مزقا، على الرّقبة والقدمين دم أحمر قان.
《ملعون أبو العملاء》
احتضنته، ضمّته إلى صدرها وسارت متمهلة خطوة وراء أخرى.. من أيّ باب سأدخل إلى المسجد.. كل الأبواب مفتّحة لكنّي أراها مغلقة، كلّ الأبواب مغلقة لكني أراها مفتّحة، سأضعه على عتبة المحراب وليأتي إليه من كلّ الأبواب يصلّون عليه.. لن تتوقف حمّى الجسد، لن تمسح العرق حتى تدرك الباب، لن تتنهّد حتى تضع الشطر الثاني من الرئة على عتبة المحراب.
《ملعون أبو العملاء 》
مشاركة
أحدث أقدم