شارع الثورة.قصة قصيرة بقلم الكاتب الكبير عبد القادر بن الحاج نصر



هذا أنا.. ذلك الشقيّ.
توكّأ على عكّازه ومشى حتى أدرك، عند منتهى شارع الثورة، ساحة المستشفى.. لم ير شيئا سوى الباب المفتوح على مصراعيه والرّواق المؤدّي إلى منعطفين مظلمين ودرج يتعلّى بين حائطين مجلّلين بالسّواد وامرأة مرتدية لباسا أزرق تبدّت، اقتربت ثمّ ابتعدت وعادت تدفع بمكنسة طويلة أمامها.. ألقت على الرّجل وهو متّكئ على عكّازه نظرة حزينة وانحنت ترفع النفايات لتبتعد من جديد وتغيب عن نظره.
بعد ذلك لاح طيف رجل نازلا الدّرج، ثمّ سار في الرّواق متثاقلا وقد أحاط نفسه بلباس أبيض عليه بقع صفراء وحمراء وزرقاء.
ها أنا ذلك الشقيّ أرحت كامل جسدي على العكّاز الذي سوّيته من خشب الزيتون.
نظر حواليه، عند حاشية الباب.. كتل من نفايات وقطّة ترضع جراءها داخل صندوق من الكرتون مهترئ بلا لون.. مواء الجراء يصل إلى الباب كأنغام موسيقى متداخلة.
وقف الرّجل في لباس أبيض بين دفّتي باب المستشفى ولوى ذراعيه وراء ظهره.
هذا أنا أمامه، وهذا هو أمامي بكلّ رتابة، بكلّ وقاحة، بكلّ لامبالاة، بكلّ معاني الحزن الذي لا معنى له.
- ما حال ابني طلال ؟
- لم أسمع بهذا الاسم من قبل.
- أتيت به أمس إلى المستشفى، سلّمته إلى النقّالة ورأيت النقّالة تتلوّى في الرّواق مبتعدة.. كنت واقفا منحنيا على العكّاز وقد فقدت القدرة على التركيز.. بدت لي النقّالة شبيهة بسيّارة الموتى، نظري أضعفته المشاهد الحزينة.
- ما الاسم واللّقب ؟
- اسمي أنا ؟
- ابنك.
- طلال، طلال يا سيّدي.
أخرج من جيبه قائمة، نظر فيها وحرّك رأسه يمينا ويسارا بينما شفتاه ترتعشان دون توقّف.. طويلة القائمة على قدر الطّريق التي قطعها من محطّة الحافلات العموميّة إلى المدينة فإلى شارع الثورة فإلى المستشفى.
- ابنك ليس في هذا الجناح.
- أليس هذا جناح مرضى الكورونا ؟
- نعم.
- حدّق الممرّض طويلا في القائمة ثمّ أعاد السّؤال.
- ما اسم أبنك بالتدقيق، هل أنت متأكّد من أنّه طلال ؟
- ابني يا رجل ! من صلبي إذا ما صدقت أمّه.
- لكأنّي رأيتك منذ يومين أو ثلاث أو أربع.
- أنا أيضا كأنّي رأيتك، بل إنّي رأيتك دون شكّ.
- ألست أنت الذي حملت إلينا زوجتك.. نعم كأنّي أتذكّر أن اسمها زينة.
- زينة انا.. أنا زوجها.. تلك التي جاءت دون حذاء وكان شعرها مبعثرا وهي تنتفض كالدّيك المذبوح، فمها مفتوح، تحاول أن تلتقط الهواء، شفتاها زرقاوان في لون السّماء.
- أتذكّر أنّها غرزت أظفارها في ذراعي.. أتذكّر أنّ ساعتها لم تكن لدينا قوارير التنفّس الاصطناعي.. أتذكّر انّها كانت تلهج باسم طلال.
- نعم هي زوجتي.. زينة رفيقة العمر.
- وطلال هو ابنك ؟
- إذا ما صدقت زينة.
- خسارة لو لم تمت لاستطعت أن تسألها لتتأكّد من أنّ طلال هو ابنك من صلبك.
- ماذا أفعل.. قضاء وقدر.. المجرم الكلب الخبيث الغادر الكزفيد ابن الكورونا.
ها أنا ذلك الشقيّ واقف في باب المستشفى، وهاهو نفس الممرّض او الطبيب أو الحارس لا أدري، واقف أمامي.. أنا انظر في الرّواق وراءه وهو ينظر في ساحة المستشفى ورائي.. كتل من السيّارات والنفايات والملامح البشريّة.
- سيّدي إنّك لم تخبرني عن حال طلال ؟
وضع كفّه على فمه وتنهّد.
- أظنّه، إذا لم تخني الذّاكرة، مازال على قيد الحياة.. ذكّرني وهو ينتفض كالدّيك المذبوح بانتفاضة أمّه.. حرام، يا للخسارة لو أنّها لم تمت.
- نعم لقد دفنتها أوّل أمس.
- إذا لم تخنّي الذّاكرة فإنّ طلال رغم فقدان قوارير التنفّس الاصطناعي كان ينتفض بشجاعة الأبطال.. أتذكّر أنّ له نظرات رجل ولسوف يكون له بلا أدنى شكّ مستقبل زاهر.
- أريد أن أره من وراء البلّور.
- لحظة فقد تذكّرت شيئا.
ها أنا ذلك الشقيّ واقف عند باب المستشفى في آخر شارع الثورة.
أحنى الرّجل المرتد الأبيض رأسه نحو القائمة حتى لامس أنفه الورقة.
- المعذرة، سامحني، هل أنت متأكّد من أنّ طلال هو ابنك، وأنّ أمّه زينة.
- نعم إنّني أعرف زينة جيّدا وأعلم أنّها ماتت هنا واعلم أنّها أخلص امراة على وجه الأرض.
- المعذرة سيّدي لقد تذكّرت والآن أكّدت لي القائمة بأنّ طلال الصغير الذي لا يتجاوز الخمس سنوات قد مات فعلا.
- مات ! يعني أنّه مازال حيّا؟
- المعذرة.. سيّدي افسح لي المجال كي أتذكّر.. أحيانا تغيب ذاكرتي بفعل تراكم المشاهد الحزينة.. لعنة الله على فرخ الكوفيد.. أين طلال.. لا أدري في أيّ غرفة وضعوه.. آه تذكّرت.. افسح لي المجال، أرجوك لا تغادر المكان سأعود إليك بعد لحظات.. قد أكون مخطئا.. لا أظنّ أنّه مات فعلا.. أنا على يقين من انّهم حشروه في قائمة الأموات خطأ.. سآتيك بالخبر الصحيح حالا.
اجتاز الممرض الرواق، صعد الدّرج بعد أن دسّ القائمة في جيبه.
ها أنا ذلك الشقيّ عند الباب أمام الرّواق أنتظر الخبر اليقين عن ابني طلال..أين ذهبت تلك المنظّفة، كانت منذ قليل تسترق إليّ النظر تارة وإلى الممرّض تارة أخرى وهي ترفع القاذورات ولفائف القطن الملوّث وأعقاب السجائر وأشياء أخرى، وأخرى وأخرى.. الله هاهي قادمة تدفع أمامها بالمكنسة الطويلة.
- سيّدتي.
- سيّدي.
- أما رأيت ابني طلال؟
تلفّظت بكلمات مقتضبة وهي تنظر نحو الصناديق الكرتونيّة الملقاة عند حاشية الحائط.
- طلال مات.
- يعني أنّه مازال حيّا.. لكن أين أجده ؟
حدّقت في مجموعة الصناديق الكرتونيّة.
- ابحث عن طلال هناك.. أظنّني رأيته يلفّونه جيّدا ويحشرونه في أحد الصناديق الكرتونيّة بعناية فائقة.
رمى العكّاز وسقط على ركبتيه.. نبش بأظفاره.. تفرّس في الوجوه المحنّطة حتى لامست أصابعه المرتعشة خدّي طلال.
نظر طويلا في الجسد المحشور في الصندوق الكرتونيّ.. إنّه فعلا طلال.. طلال بالشامة على خدّه، بأنفه الدقيق وبشعره الأشقر.. تكاد شفتاه ترتجفان.. مرحبا يا أبي انا طلال ابنك من صلبك.
حمل الصندوق الكرتونيّ على كتفه وغادر المستشفى.
ها أنا ذلك الشقيّ على حاشية المقبرة عند قبر زينة.. زينة التي لم تخنّي أبدا.. ها أنا أبحث عن أحد الحفارين.. أظنّ انّهم تعبوا من الحفر والرّدم.. أليس من حقّهم أن يستريحوا قليلا.. ساتوسّد الليلة قبر زينة محتضنا ابني طلال، طلال الذي هم من صلبي.. من صلبي أنا.
انتهت القصّة
عبد القادر بن الحاج نصر
أحدث أقدم