ذات الأصابع العارية قصة قصيرة بقلم الدكتور عبد القادر بن الحاج نصر

 ذات الأصابع العارية

قصة قصيرة بقلم الدكتور عبد القادر بن الحاج نصر



بسطت أوراقي على الطاولة الصّغيرة جدّا، المدورة جدّا، الكئيبة جدّا.
لم تشرق الشّمس بعد.. بعض الغيوم تزحف في اتّجاه المقهى وتبتعد.. جلست منذ نصف ساعة على مقعد مصنوع من أعواد القصب وسعف النخيل، مهترئ قليلا. كل الدكاكين المواجهة للمقهى والتي على جانبيها لم تفتح أبوابها بعد.
انقبضت نفسي. الشّمس مختفية في أعماق المدى، تحت سابع أرض، تحت مياه البحر، هكذا يبدو لي.. فقط المصباح الكهربائي الوحيد يلقي بنوره الكئيب على الأوراق المبعثرة والنفايات، حتى المرأة لم تأتي، تلك التي تقبل كل يوم لتلتقط بأصابعها العارية كل المخلفات وتضعها في الكيس الأزرق، تلقيه على الأرض حين تنحني، وتعيده فوق كتفها حين تستوي واقفة.
مازال الظلام منتشرا.. عامل المقهى يدب دبيبا في الداخل.. سوف يوافيني بالقهوة بين حين وآخر لكنه يتباطأ متعمدا مثلما تتباطأ الشمس عن الشروق، مثلما تتباطأ المرأة ذات الأصابع العارية عن الوصول إلى الساحة حيث المصباح يلقي بضوئه الكئيب.
في الداخل.. في أعماق القلب، تمطط حزن ثقيل فأحسست بالرغبة في التقيؤ.. الحزن الحبيس في الأعماق يأبى أن يبلغ التراقي وينفلت لأتنفس الصعداء.
ما تزال الدكاكين اللعينة مغلقة.
ما يزال عامل المقهى يدور في مكانه في الفضاء الداخلي يحرك الأواني فتحدث أصواتا كأصوات ارتطام دنان الحليب الفارغة.
ها أنا أرى شاحنة توزيع الحليب قادمة، أزت عجلاتها ثم توقفت، أنزل السائق البلورة وحدق في واجهة المقهى ثم حدق فيّ طويلا، بادلته النظر، أشاح بوجهه وغادر الشاحنة، أنزل دنا كبيرا ألقى به عند باب المقهى وعاد إلى مقعده وراء المقود.
الحزن يشرح قلبي لمصيبة قد تأتي وقد لا تأتي. لو أني استطعت فقط أن أطلق العنان لدموعي! أن ترجني شهقة قاتلة تفجر شرايين حلقي فألقي ما في جوفي بين قدمي.
بعض النفايات هنا وهناك .. دفعت بها الريح من أماكنها إلى أماكن أخرى، تخففت أكداس وتكدست أخرى فتكثفت.. الزمن يمر ولا يمر.. الشمس تتلكأ والمرأة ذات الأصابع العارية! ما لها! خذلتها الحافلة العمومية!
توسط عامل المقهى العتبة، باعد بين ساقيه ولوى يديه وراء ظهره ولم يحرك لسانه بكلمة.
ماتزال الدكاكين مغلقة.
أحسست بوجع، ألم تسلقني، سرى بين الضلوع صعودا وأستقر في أسفل رقبتي.. كدت أن أصرخ لما وضع أمامي العامل فنجانا مملوءا جدا، متخثرا جدا، مقززا جدا.
تذوقت القهوة بطرف لساني مرة علقما.
رميت في القهوة ملعقة سكر أولى وثانية، وضعت شفتي على حافة الفنجان، مرة كالعلقم، أضفت لها كل السكر، مددت طرف لساني وتقززت.. سقط الوجع من أعلى إلى أسفل كإبرة تسللت من أسفل الرقبة إلى أسفل الضلوع.
كرهت القهوة والمكان، لو بامكاني أن أتنفس هواء ذلك النهر، أضع كل أملاحه في القهوة وأشربها، متلذذا جرعة بعد أخرى.. لو تقشعت الغيوم وأطلت الشمس فسأرتمي في أحضانها وأغادر المكان لأنزل هناك كالطائر المجروح، ألعق جراحي، أملأ قلبي و عيني بهيبة التماثيل المنتصبة في تلك الساحة، أخرج الوجع من داخلي وأتهيأ لموت مشرف, لو أن بامكاني أن أطرد الوجع، لو أن بامكاني أن أمنح القهوة طعم تلك التي شربتها ذات يوم في الحي اللاتيني قريبا من نهر السان.
جاءت أخيرا.. رأيتها قادمة تنتفض، تنحني، تنتقي من بين النفايات نفايات.. إنها ذات الأصابع العارية.
أتلمس عبر الظلام بعض ملامحها فلا أرى غير كتلة تقفز هنا وهناك، تسابق عقارب الساعة التي توقفت عن الدوران.
كل الدكاكين مغلقة والسواد يتمطط على حواشيها.. رأيتها تلتفت يمينا ويسارا، تنحني، تخطو خطوتين أو أكثر ثم تنحني، مدت يديها، رسمت خطوطا متكسرة ونصف دوائر، التقطت من النفايات نفايات.
وقفت ممتعضة، جرت الكيس وراءها على إسفلت النهج، تمهلت عند بعض النفايات ولم تلتقطها، عضت شفتها السفلى امتعاضا، هكذا تخيلتها.. استدارت، هرعت من رصيف إلى آخر وأخيرا وضعت الكيس على الأرض، ركزت نظرها على باب المقهى.
الظلام هنا وهناك.. بقع سوداء يخترقها ضوء المصباح الكئيب .. مرت شاحنة الحليب مسرعة عائدة من حيث جاءت، خففت من السرعة عند نور المصباح الكئيب، بدا شطر وجه السائق أبيض في لون الحليب والشطر الآخر أسود في لون الظلام وبينهما امتد الأنف ثم انحنى كمنقار طائر البوم.
شاهدت الكيس ولم أشاهد صاحبته.
شاهدت تاجر المواد الغذائية يتلمس قفل باب الدكان.. لكن كأنما تذكر شيئا، كأنما وخزه وجع تصاعد عبر الضلوع إلى الرقبة.. وضع المفتاح في جيبه وانصرف.
توقفت صاحبة الأصابع العارية تحت المصباح الكئيب، مررت أحمر الشفاه على شفتيها، فتحت زر قميصها، اتجهت نحو الكيس الجاثم على حاشية الرصيف.. شاهدت زرقة تعلو الأفق لعل الشمس تراود المدى، تتمرد على طبقات الظلام.. سمعت عامل المقهى يداعب أوانيه في الفضاء الداخلي.
التقطت صاحبة الأصابع العارية الكيس وقلبته على رأسه، أفرغت منه كل النفايات وبعثرتها على حاشية الرصيف.. وألقت به فارغا.. فتحت زرا ثانيا من أزرار قميصها، داست على النفايات.. تفو ثم تفو ثم تفو.
تأملت القهوة السوداء المرة، شعرت بالإشمئزاز، زحزحت الفنجان بعيدا عني، دفعته نحو حاشية الطاولة فسقط وانكسر.. جرت القهوة على الرصيف ماء أسود متخثرا كماء المجاري.
أقبلت صاحبة الأصابع العارية، ركزت نظرها على السائل الأسود المتخثر الممتد خطا متكسرا من الأرض صعودا إلى حاشية الطاولة.. وجهت إلي نظرة فارغة.. حدقت في مدخل المقهى، أقفلت زر القميص الذي يكشف عن رقبتها وفتحت زرا ثالثا.. في غمرة الظلام تهيأ لي أني رأيت بشرة صدرها و الخط الفاصل بين نهديها والمتواصل حتى أعلى البطن.
انصرفت ولم تلتفت.
طويت أوراقي، وضعت النقود على حاشية الطاولة، سرت خطوات ثم التفت.. عامل المقهى يغلق الباب متثاقلا.
ضربت في ساحة المدينة مشمئزا متضايقا أبحث عن شيء غير محدد في خاطري مثل امرأة جميلة وفية، مثل مكان تشرق فيه شمس دافئة، مثل موت مشرف.
أحدث أقدم