لماذا على الاستعمار أن يعتذر للشعوب المظلومة؟ بقلم الدكتور احمد القديدي

 


لماذا على الاستعمار أن يعتذر للشعوب المظلومة؟  

  د.أحمد القديدي



في أخر حديث صحفي للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون لمجلة (لوبوان) الفرنسية الأسبوع الماضي أعلن أنه لن يترشح لعهدة قادمة بل سيترك المجال للشباب الجزائري يدخل معترك السلطة وهذه علامة نيرة للحكمة السياسية التي افتقدها سلفه بوتفليقة و جاراه الزعيم الحبيب بورقيبة ثم زين العابدين بن علي و تبين للرجل الحكيم عبد المجيد تبون أنه من الضلال و سوء التقدير التخطيط للتأبيد في السلطة و توريث الأبناء في نظام جمهوري! أما الحقيقة الثانية التي صرح بها الرئيس الجزائري فهي أن تركيا حلت محل فرنسا لأول مرة منذ استقلال الجزائر في تصدر الدول التي ترتبط بالجزائر بالمبادلات الاقتصادية و العلاقات الصناعية و التجارية و التعاون العسكري حيث بلغ رقم المعاملات التركية الجزائرية مستوى ال5 مليارات دولار بينما لم يزد هذا الرقم الفرنسي الجزائري عن 3 مليارات دولار و كانت فرنسا في المركز الأول نظرا للعلاقات التاريخية و الجغرافية بين البلدين و الروابط الاجتماعية حيث أن الجالية الجزائرية في فرنسا هي أكبر الجاليات على جميع الأصعدة و خصص الرئيس الجزائري الجزء الثاني من حديثه لمطالبة الدولة الفرنسية بالإعتذار عما ارتكبه الإستعمار من فظائع في الجزائر يبلغ بعضها مستوى الإبادة الجماعية مثل مصرع 45000 مواطن جزائري في مدينة سطيف يوم 8 مايو 1945 مباشرة بعد تحرير فرنسا من الإحتلال النازي الألماني! أو محرقة قبائل أولاد رياح عام 1846حين التجأ 5000 مواطنا مسلما الى جبل بالأطفال و النساء هربا من إرهاب الجيش الفرنسي فأمر الجنرال (بيليسييه) بإضرام النار في الجبل بمن فيه و أطلق الجنود النيران على كل من ينجو من الحريق! ثم طالب الرئيس الجزائري كذلك باعتذار فرنسا عن المليون و نصف ضحية و شهيد أثناء الحرب التحريرية من 56 الى 62 ثم تعويض ضحايا التجارب الذرية الفرنسية في الصحراء الجزائرية منذ 58 الى 61 حين استعمل الجيش الفرنسي مواطنين جزائريين كفئران تجارب لتأثير قنابلهم الذرية و مات من مات منهم و بقيت تشويهات العديد منهم الى اليوم. مع التأكيد أن هذا الجيل الفرنسي ومنهم ماكرون ليسوا مسؤولين عما ارتكبه أجدادهم لكن الدولة حسب القانون الدولي و البند 37 من ميثاق الأمم المتحدة تظل مسؤولة عبر الأجيال عما ارتكب باسمها و تحت رايتها. ثم إذا قارنا الصمت الفرنسي بالمبادرة الألمانية الجريئة نجد فرقا شاسعا بين موقفين لدولتين أوروبيتين حيث سجلنا موقف الحكومة الألمانية من تاريخ ألمانيا الاستعماري الأسود نجد أن المستشارة ميركل إعترفت بالإبادة الجماعية لسكان ناميبيا ما بين عامي 1904 و 1905 حيث اعترفت ألمانيا الجمعة 28 مايو 2021 للمرة الأولى في تاريخه بارتكابها "إبادة جماعية" ضدّ ناميبيا خلال استعمارها قبل أكثر من قرن من الزمن متعهّدة بتقديم مساعدات تنموية للدولة الإفريقية تزيد قيمتها على مليار يورو و قال وزير الخارجية الألماني (هايكو ماس) في بيان نقلاً عن وكالة الأنباء الفرنسية إنّه "اعتباراً من اليوم سنصنِّف رسمياً هذه الحوادث بما هي عليه في منظور اليوم: أي أنها كانت إبادة جماعية و أضاف الوزير الألماني إنّه "في ضوء المسؤولية التاريخية والأخلاقية لألمانيا سنطلب الصفح من ناميبيا ومن أحفاد الضحايا" على "الفظائع" التي ارتكبت بحقّهم مضيفاً أنّه في "بادرة اعتراف بالمعاناة الهائلة التي لحقت بالضحايا" فإنّ ألمانيا ستدعم "إعادة الإعمار والتنمية" في ناميبيا عبر برنامج مالي قيمته 1.1 مليار يورو. و من جهة أخرى أمر الرئيس (ماكرون) بعض الباحثين أن يحرروا له تقريرا عن مسؤولية الدولة الفرنسية في إبادة قبيلة التوتسي في رواندا على أيدي قبيلة الهوتو و فعلا صدر التقرير سحمل إدانة موثقة للدور الفرنسي فيها حين لم يتدخل الجيش الفرنسي و ترك المذابح ترتكب (ضحايا الإبادة نصف مليون رواندي عام 94) و في الولايات المتحدة هذه الأيام أذن الرئيس بايدن أن يسن الكنغرس قانونا يسمح بتعويض الأمريكان السود عن المجازر المرتكبة في الماضي بحق أسلافهم أثناء قرون العبودية فقامت السيدة (شايلا جاكسون) رئيسة لجنة الشؤون القضائية بالكنغرس صحبة السيناتور الديمقراطي (جويس بيتي) بإعداد قانون تعويضات بأكثر من ملياري دولار عن جرائم البيض الأوروبيين ضد مواطنيهم من الأصول الإفريقية باستعبادهم الطويل. كل هذه الأمثلة السياسية الأخلاقية تدل على وعي عالمي متنام بضرورة إعادة النظر في الذاكرة الجماعية و حتمية المصالحة بين الشعوب بإقرار العدل و تعويض أحفاد و ورثة المضطهدين.


أحدث أقدم