قراءة في تاريخية جدلية العلاقة بين المثقف و السلطة و واقع الزعامات العربية بقلم ياسين فرحاتي

 

بحوث ودراسات



  قراءة في تاريخية جدلية العلاقة بين المثقف و السلطة و واقع الزعامات العربية 

                   بقلم ياسين فرحاتي - كاتب من تونس  ( البريد الإلكتروني : yfarhati482@gamail.com )

إن جوهر مقالنا يتناول في جانب نظري منه تطور مفهوم القيادة او الزعامة عبر التاريخ و ارتباطاته بالفكر الفلسفي و بعلم الادارة من خلال مجموعة من المقاربات و القراءات الاكثر شهرة لدى المثقف و الباحث العربي و في الحقيقة هناك تجديد في الدراسات بحسب تطور الحياة السياسية و الاقتصادية  لدى الغرب و ظهور ازمات غير متوقعة او لنقل مباغتة في التوقيت و في المكان في كلا المجالين،  مما يستدعى ضرورة التفكير  خارج الصندوق كما يقال و تطوير الحاسة السادسة لمعرفة  اسباب الخلل و استنباط حلول للتوقي قد تكون جاهزة بصفة استباقية.
إن القائد الحقيقي  يختلف الحكم  عليه من وضع إلى آخر، فليس هو نفسه  في فترة الرخاء و السلم كما في فترة الحرب و الشدة أو عند العضب أو الرضا استنادا الى المثل العربي القائل " عند الشدائد تظهر معادن الرجال " .
فعلى سبيل المثال لا الحصر،  كان رئيس الحكومة البريطانية الأسبق تشرشل  سياسيا ذكيا جدا و له سرعة بديهة و حاسة ساسة اكدتها بعض كتب التنمية البشرية الغربية . حيث كان يعرف "  المهارة السياسية بأنها المهارة في التوقع لما هو قادم بدءا باليوم و الاسبوع و الشهر حتى السنة. ". و هذا شغل العلماء و المفكرين، من مختلف مجالات البحث العلمي و حقول المعرفة، و قد أرست بعض الكليات في بلادنا  و منذ سنوات قليلة و دول غربية عديدة،  دراسات عليا متقدمة مثل شهادات الماجستير في  " ريادة الأعمال و الاستشراف " (  قسم علوم التصرف بكلية العلوم الاقتصادية و التصرف بصفاقس )، حيث تؤكد عديد الجهات و مراكز الابحاث أن  الوطن العربي، يشكو من نقص فادح في مجال  " علم المستقبليات " و هو  فرع من العلوم الإجتماعية، الا أنه لا يخلو من بعض الكفاءات التي كان لها حضور و انجاز دولي يعترف به الغرب قبل العرب انفسهم مثل المفكر المغربي الراحل المهدي المنجرة الذي عرف بحسن فهمه و ببعد نظره لقضايا معاصرة على غرار العولمة و مستقبلها  أو كما يقول بعض الكتاب و الاعلاميين العرب  انه كانت له وجهة نظر و رؤية لمستقبل أنظمة الحكم العربية التي عصفت ببعضها رياح التغيير عام 2011، و لكنه لم  يلق كل الاهتمام في بلده الأم.
تاريخيا، كان البعض من كبار الفلاسفة معلمين أو أساتذة لبعض أبناء رؤساء الممالك و الدول مثلما كان الحال مع القائد العسكري الإسكندر المقدوني الذي تتلمذ  عاى يد أرسطو  الذي كان يلقبه العرب القدامى ب"المعلم الأول ". و قد كان أفلاطون معلم أرسطو و تلميذ سقراط من أشد المنادين بأن يتولى الفلاسفة إدارة شؤون  الدول لإعتقاده أنهم الأجدر لممارسة  فن السياسة و إدارة دواليب الحكم ثم أن الديمقراطية و هي إغريقية الأصل تعرف كونها بنت الفلسف
و قد تواصل ذلك التأثير او التأثر بجهابذة الفكر متواصلا الى عهد قريب، حيث لا يوجد حاكم غربي  أو عربي  كانت له بصمة أو أثر ما  حتى الأكثر نزوعا الى قومية او عرق ما  إلا وله مرجعية فلسفية او فكرية كما الحال مع  القائد النازي الفوهرر المستشار  الألماني هتلر الذي عرف بتأثره الشديد   بفلسفة العنف و القوة و الانسان الأعلى لنيتشه.
بينما كان الزعيم الهندي غاندي من أكثر المؤمنين بفلسفة  " اللاعنف " ، و هو يكافح البريطانيين من أجل التحرر و نيل الاستقلال.
و كان الزعيم الإفريقي مانديلا في جنوب إفريقيا التي كانت تسودها سياسة الميز العنصري عقودا طويلة ، أرسى قواعد للتسامح و العيش المشترك و طوى صفحة من العداء بين البيض و السود.
من ناحيته، أكد  الفيلسوف التونسي فتحي التريكي في حوار تلفزي على الوطنية الاولى  بعد الثورة، أن فكرة " الإختلاف و التنوع" كانت جوهر سياسة حزب التجمع الدستوري الديمقراطي الذي سقط بعد 23 من الحكم الإستبدادي، وسط فرض لهيبة الدولة تحت  مطرقة قانون الحزب الواحد . و بالمناسبة، فإن مسألة مثيرة جدا للجدل وأضرب هنا مثالا على ذلك تعيين السيد كمال بن يونس رئيسا مديرا عاما جديدا على رأس وكالة تونس إفريقيا للأنباء، و عن عدم تمكنه من أداء مهامه بعد رفض جهات إعلامية و نقابية الشيء الذي إضطر تدخل قوات الامن بالقوة. الرجل في النهاية عرف قدره و قدم إستقالته قبل أن يبدأ . حجة الرافضين له هو  أن تعيينه لغاية  سياسية أي لخدمة أجندات حزبية و أقول هنا، متى كان الإعلام عندنا  مستقلا عن السياسة و عن تدخل الأحزاب ! .
في الحقيقة  لا  يكاد يخلو عهد من خلاف حاد بين نخبة المثقفين و أرباب السلطة و هذا منذ قديم الزمان، مثلما حدث مع فيلسوف قرطبة إبن رشد الملقب ب" شارح أرسطو " الذي حرقت جل  مؤلفاته و اتهم بالزندقة أو ما لاقاه إبن خلدون لما كان وزيرا مستشارا إبان العهد الحفصي، و هو الذي خبر جدا السياسة و كانت له فيها معاطب و زلات، لعب خلالهما على حبال المتناقضات متنكرا بين حال و حال بحسب ما يقتضيه المقام أو غريزة البقاء. و قد  عد البعض منهم من المغضوب عليهم و من المتآمرين على نظام الحكم و في المقابل وجد عدد منهم كل الحظوة و العناية و الجاه و المناصب. إلا أن عظماء المفكرين بغض النظر عن دينهم أو مذهبهم أو لونهم أو جنسهم يتصفون بالموضوعية و بالكاريزما القوية و بدقة التشخيص و ذكاء الفهم فلقد رفض سارتر إحتلال فرنسا للجزائر و هو رمز الفلسفة الالحادية أو غير المؤمنة كما انه لم  يقبل  بإستلام جائزة نوبل في الآداب التي منحت له. كما  رأى الفيلسوف فوكو في معرض حديثه عن علاقة السلطة بالمعرفة أنه يجب عليه  أن يكون حرا و  مستقلا عن السلطة و ليس بالضرورة أن يبدي تماهيا معها أو مع برامجها و أفكارها .  و قد كان تشومسكي ماركسيا ناقدا لاذعا و باستمرار و بكل جرأة للسياسة الخارجية الامريكية، رغم كونه يهوديا غير مرحب به أيضا في اسرائيل. و لا يمكن أن نمر مرور  الكرام دون أن نتوقف و لو قليلا عند ماركس  " فيلسوف الثورة و التغيير "، كما يوصف و من أكثر الفلاسفة تأثيرا منذ مئتي عام،  و هو  الذي عاش غريبا عن وطنه ألمانيا،  تحت ضباب سماء مدينة لندن، و ظل رفيق دربه أنجلس داعما ماديا و معنويا و فكريا له حتى توفي هنالك . كانت كتاباته توجه كل سهام نقدها للنظام الرأسمالي و تدافع عن الطبقة الشغيلة و هو ما جعل فلسفته حية و متوثبة إلى حد الساعة و تلهب مشاعر الجماهير التواقة الى التحرر و الإنعتاق. ذلك هو  "المثقف الكوني " كما سماه أستاذه هيجل،  الذي يظل مدافعا عن القيم الكونية في ظل غطرسة إقتصاد السوق المعولم و الرأسمالية المتوحشة و غياب العدالة الاجتماعية.
اليوم، يتجدد  طرح موضوع الزعامة بقوة و بإلحاح  في حياة الناس العاديين و الأكادميين و يبدو الزعيم  أشبه بعملة نادرة،  أو هي رحلة بحث  متواصلة عن ذلك العصفور النادر في وقت، كثر فيه الحديث على أكثر من صعيد رغم التطور الحضاري في وجهه التكنولوجي الهائل عن إنحطاط القيم و تنامي الشعبوية  و الانتهازية و معاداة الأقليات حتى داخل أمريكا، نفسها بموت  ذلك الشاب الأسود  المسمى جورج فلويد على يد شرطي في أواخر فترة حكم الرئيس  غريب الأطوار و غير المؤسوف عليه دونالد ترامب. و قد وصف  أحد الفلاسفة الكنديين هذا الزمن،  في حوار معه  نشر منذ أشهر قليلة بصحيفة القدس العربي اللندنية  بأنه  "عصر التفاهة " و الرداءة . إن هذه النزعات ربما القومية إلى حد ما تكشف عن عودة خطابات الكراهية و إن لم تنقطع يوما ما،  التي تبثها منظومات حكم معين تذكرنا بالنازية أو بالفاشية سابقا و باليمين المتطرف في فرنسا، و طبعا بدولة جدار الفصل العنصري و أعني إسرائيل، المغتصبة للحقوق الفلسطينية و العربية و هو ما ينطق به صراحة أكبر داعميها الجدد و تحديدا إدارة جو بايدن. جزء كبير من حملات التشويه للآخر مرتبط بأجندات إنتخابية داخلية و بعضها يكشف عن حجم الحقد الأبدي لأديان و طوائف و ثقافات معينة .
و في الواقع، فقد  إقترنت  الزعامة منذ القدم في قاموس الخطاب الفلسفي  بالكاريزما أو الهبة اللدنية للشخص .  فالزعيم هو من له أنصار و أتباع يحيطون به و يتبنون أفكاره و تصوراته و معتقداته.
و في مراوحة بين الماضي الموغل في القدم و الماضي القريب نوعا ما، كان القائد القرطاجني حنبعل محبا للفلسفة و موثرا للتواضع و غير مسرف في الأكل و محبا لجنوده، و كان يتفقدهم ليلا  مما جعله يلقى حظوة كبيرة لديهم الشيء الذي خوله ليكون ملهما لهم و كانت خططه العسكرية تدرس في أرقى الجامعات الغربية. بدوره كان نابوليون ( بونابارت ) قائدا من الطراز الرفيع و قد إرتبط إسمه بالثورة الفرنسية و بفلاسفة عصر التنوير و بإنجازات في النعليم منها إمتحان شهادة التبريز ، و اثناء حملته العسكرية على مصر جلب معه مطبعة  و فريقا من العلماء إلا انه لا يخلو إستعمار ما لأي دولة من نوايا خبيثة للمحتل.
كما يحسب للزعيم التونسي الحبيب بورقيبة و الذي يثير حفيظة خصومه من بعض  الإسلاميين الشباب  خصوصا من أهل السياسة و الرأي ، ذكاءه و فصاحته و قدرتة على إستمالة الراي العام و هذا مرتبط بنضجه الفكري و زاده المعرفي و بقوة الشخصية، و هو الذي يروج له باستمرار أنه هو من أرسى ركائز التعليم في بلادنا.  و ثمة حدث تاريخي ، في خضم جملة  المتاعب التي يعيشها التونسي يوميا أثلج  صدورنا  و جعلنا لبرهة من الزمن نتنفس الصعداء و عاد  إلينا الامل من جديد عندما تمكنت مجموعة من خيرة شبابنا المتعلم من مهندسين صلب مؤسسة تلنات للتكنولوجيا بمعاضدة روسية من اطلاق أول قمر صناعي( بين دول المغرب العربي ) و قد كان صاحب المشروع المهندس المثابر محمد الفريخة كلما سنحت الفرصة يثني على  الزعيم بورقيبة لأنه يعتبر نفسه ثمرة و باكورة ذلك الجيل المتميز من رجال التربية و التعليم .و مما يحكى أيضا  عن بورقيبة  والذي وصفه المفكر الراحل محمد الطالبي ب " الذئب" في مقال معروف له عندما أعلن عن وفاته، قوله  " سياتي يوم ما يعجز فيه صاحب شهادة الدكتوراه عن الحصول عن  وظيفة أو شغل يحفظ له كرامته و إنسانيته " ( و قد روى لي صديق  ممن عرفتهم في إذاعة صفاقس العريقة، التي إنتميت إليها لفترة قصيرة،  أنني سمعته يخطب ذات مرة و هو في مدينة قفصة قائلا  سيأتي يوم  يصبح فيه صاحب شهادة الدكتوراه بائعا للفحم )،   و هو ما نراه اليوم رأي العين من ازدراء لهم و تلاعب بمطالبهم المشروعة، و إستعمال للقوة ضدهم من قبل بعض رجال الأمن . إذ  الطريقة الوحيدة اليوم لكي تحصل على عمل قار  في تونس هو أن تحتج و بعنف و تغلق مقرات عمل مثلا، او تضرب عن الطعام و قد تصل الى الموت أو " تفارق البلاد" لمن تيسر له ذلك من كفاءات علمية . أضعف الايمان أن ندرج معايير واضحة و شفافة و عادلة للإنتداب، و أن نعجل بتطبيقها و أن يتوقف أرباب الحكم عن الوعود الزائفة من ذلك تطبيق الفصل 38 لإنتداب من لهم فترة  بطالة  عشر سنوات  فما فوق، و كذلك إنتداب ثلاثة آلاف دكتور، ألف منهم هذا العام و قالت وزارة الإشراف أن الأمر سيتم البت فيه مباشرة بعد المصادقةعلى  الميزانية التكميلية لسنة 2020. إن  عدم الإتزام بالوعود يفقد الحكومة  كثيرا من المصداقية و الثقة و التعاطف من بقية فئات الشعب التونسي فكم من شاب ضاع عمره وهو يعيش على الأحلام و يمني نفسة بغد افضل، ليتذكر فقط ساسة اليوم انهم انما اتوا الى الحكم بقدرة قادر و لا يمكن لنزاهة الانتخابات، و لا  شرعية الصندوق ان تمنحهم صكا على بياض و ان  تضمن لهم راحة بال او ضمير   على حساب من يكتوون بنار القهر و الاحساس بالظلم و التهميش و الغبن.
الزعيم الوطني، هو من يحمل هموم شعبه و يدافع عن مكتسباته و يضحي بالغالي و النفيس من اجله و هو قبل كل  شيء و الاهم الذي لا يخادعه و لا يكذب عليه و يكون صدى لاحلام المواطنين و طموحاتهم  لا صخرة تتحطم عليها كل الاماني و تنكسر عندها النفوس و تقنط القلوب او يصيبها الهم و الغم.
النتيجة اليوم ،  أننا نعيش أزمة  مقبولية لقادتنا  السياسيين الحاليين  و علاوة على ما ذكرت بسبب :  ضعف المردودية و الأداء و النجاعة لثلاثتهم. و هو أمر يثير إمتعاض غالبية الشعب و بلا إستثناء. الرأي العام الوطني  ساخط و يبدي رفضه لأسلوب  إدارة الدولة و وهو أمر أوجده نظام إنتخابي أقل ما يقال فيه إنه معتل و أزمة فاقمتها عدم إرساء المحكمة الدستورية التي تعرف صراعا على صلاحياتها بين مكونات الأحزاب السياسية النافذة  وثمة من القضاة من يتحدث عن أن الرئيس يقود نحو تأزيم الوضع برمته. هذا علاوة على الصراع الحزبي العنيف بين بعض مكونات مجلس نواب الشعب  تحت قبة البرلمان، بين الدساترة و الإسلاميين بسبب ما يعرف بقضية هيئة علماء المسلمين التي يراسها الدكتور يوسف القرضاوي و اعتقد أن المسألة أشبة بزوبعة في فنحان و أمر مفتعل لا غير  لأنني أحتفظ في ذاكرتي بمواقف و عبارات للشيخ القرضاوي لا تفيد البتة أنه يقف إلى جانب الإرهابين أو يدعمهم مثلما يقول خصومه : مثلا بعد سنوات من إحتلال العراق سنة 2003، قال في تصريح لقناة الجزيرة القطرية : " أن المحافظين الجدد متطرفون فنشأ تيار ديني إسلامي متطرف مثلهم " هو تنظيم القاعدة و من بينهم الزرقاوي. كما هو نفسه أدان هجمات الحادي عشر من سبتمبر سنة 2001. و قال أيضا بخصوص العمليات الإستشهادية في فلسطين المحتلة، أنه بصناعة صواريخ محلية لم تعد الحاجة ملحة إلى ذلك النوع من العمليات. كما انه ترحم على روح رئيسة الباكستان بينازير بوتو في تفجير غامض و تأسف لموتها. كما أن الرجل صافح الرئيس الأسرائيلي الراحل شيمون بيريز  الذي كان يروج لنفسه كرجل سلام من خلال مركز بيريز للسلام. و عندما سئل ذات مرة أنك صافحت الشيخة موزة عقيلة أمير قطر السابق قال أنها  "لها فضل علي"  كونه يعتبر ﻻجئا في بلدها.  و له شيء يشبه الفتوى بخصوص مصافحة الرجل للمرأة و العهدة عليه طبعا  حيث قال في برنامج " الشريعة و الحياة " منذ سنوات مضت " أن النبي  صلى الله عليه و سلم يظل ممسكا بيد إمرأة من الأنصار و لا يتركها حتى يقضي لها حاجتها بينما تقول السيدة عائشة رضي الله عنها  " أن النبي عليه الصلاة و السلام لم يصافح في حياته إمرأة ".
أما بخصوص عبارة  الإسلام السياسي فقد  ذكر رئيس الدولة  بأننا كلنا مسلمون و أنها بدعة مبتكرة من قبل بعض الساسة لإثارة الخلاف و الإنقسام في ما بينا. كل هذا الوضع المتأزم و المتعفن   مدعاة  للسخرية و الإستهزاء كثيرا،  لأنه  أضر إلى حد بعيد  بمصلحة المواطن العادي الذي لا يهمه الا قوت يومه، في ظل أزمة صحية متفاقمة  و وضع إقتصادي هش جدا بسبب  معركة محتدمة لتنازع صلاحيات بين رئيس الجمهورية و رئيس مجلس نواب الشعب  و شبه قطيعة سياسية  بين مكونات اركان الحكم و إصطفاف أطراف ضد أطراف (  رئيس الدولة  قيس سعيد في مواجهة ما يسميه هو تنكر من  رئيس الحكومة هشام المشيشي و إنجذابه و تحالفه مع  رئيس السلطة التشريعية راشد الغنوشي ) .  ما يفرق بين رأسي السلطة التنفيذية ليته كان  إختلافا في الرؤى و الأفكار و التوجهات حول مشاكل البلاد،  فهذا افضل و قد يكون منطقيا و أسلم لكن المشكل العميق أن كل واحد  منهم يرى نفسه الأصلح و الأجدر و الأفضل و حتى الاقوى الذي يجب أن يطاع وليس أدل على ذلك خطاب الرئيس بمناسبة الإحتفال بعيد قوات الأمن الوطني (  الأصح كلمة ذكرى ) منذ أيام، و رسائله التي فيها وعد و وعيد و في نبرة حادة جدا و كعادته تجاه خصومه  عندما قال أنا القائد الأعلى للقوات المسلحة و المدنية. و هو خطاب لم يرق لرئيس الحكومة و كذلك البعض من الراي العام التونسي الذي قل  إهتمامه بالشأن السياسي  مع بداية شهر الصيام و لكنه رغم ذلك يتابع التطورات المتعلقة خصوصا بفيروس كورونا الخطيرة جدا ببلادنا و في العالم.  البعض من  الساسة عند تدخلهم في وسائل  الإعلام  أرجعوا أسباب ما يجري  إلى  " تضخم الأنا ".  كما تشهد الساحة السياسية منذ أشهر، معارك مستعرة في الكواليس و لا أحد يمكن ان يتنبأ بصفة دقيقة بمآلات الأمور، و ارى أن من واجب الإعلام ان يتحلى بشئ من الموضوعية و التعقل و المسؤولية و عدم الإصطفاف وراء تيار ضد تيار بهدف تأجيج الأوضاع و المضي بها نحو الاسوأ وسط حديث متصاعد و متواصل عن انقلابات كادت تعصف بالمسار الديمقرطي المتعثر بالبلاد  بحسب تصريحات لنواب على اعمدة بعض الصحف ( جريدة الشروق منذ أكثر من شهر على الأقل ) . و هي لغة  كثيرا ما تحدث بها رئيس الجمهورية في اكثر من مناسبة في اطار نظرية المآمرة و ارتباط مصالح بعضهم بالخارج و كاننا حققنا فعلا استقلالنا التام او اننا تحققنا من بناء نظام ديمقراطي متين ثم ان المشكل هو في الفهم الاعرج لمفهوم الديمقراطية التي يشرحها لنا بكل وضوح و يسر  عميد الادب العربي الدكتور طه حسين  في كتابه  "مستقبل الثقافة في مصر" ،  و الذي نقتبس منه بعض المقتطفات الهامة جدا و التي يمكن ان تنطبق على وضعنا هذه الايام،  مفاده ان "  الديمقراطية يجب ان تكفل لأبناء الشعب جميعا الحياة و الحرية و السلم. و ما أظنها تستطيع أن تكفل غرضا من هذه  الأغراض للشعب اذا قصرت في تعميم التعليم الاولي و اخذ الناس جميعا به طوعا او كرها. يجب ان تضمن الديمقراطية للناس ما يقيم اودهم، و يعصمهم من عادية الجوع. و لكن يجب ان تضمن لهم القدرة على ان يصلحوا امرهم، و يتجاوزوا ما يقيم الأود الى ما يتيح الإستمتاع بما اباح الله للناس من لذة و نعيم في هذه الحياة
و ليس ينبغي أن يطلب إلى الديمقراطية أن توزع على الناس أقواتهم، و تشيع فيهم اللذة و النعيم و هم هادؤون مطمينون . فهذا شيء لن يتاح لنظام انساني، و انما موعد الناس به الجنة التي وعد الله بها عباده الصالحين انما الذي يطلب الى الديمقراطية و يفرض عليها ان تمنح افراد الشعب وسايل الكسب التي يسعون بها في الارض، و يلتمسون بها الرزق، و ان تزيل من طريقهم ما قد يقوم فيها من العقبات، التي تنشا من الظلم و الجور، و عن التحكم و الاستبداد، و عن مقاومة الطبيعة نفسها لتصرف الانسان. " .
و يظل الكاتب مؤكدا في أكثر من مناسبة متعرضا فيها لقضية التعليم أنه هو " الذي يمكن الفرد من ان يعرف نفسه، و بيئته الطبيعية و الوطنية و الإنسانية، و ان يتزيد من هذه المعرفة، و ان يلائم بين حاجته و طاقته و ما يحيط به من البيئات و الظروف . كما انه الوسيلة الوحيدة في يد الدولة لتمكن الامة من البقاء و الاستمرار. " .
إنه حتى و إن إلتجا بعض من تولوا الحكم في تونس إلى بعض الكفاءات العلمية و الفكرية المرموقة فإن الامر يكون على مضض و مدفوعين الى ذلك دفعا غير راغبين فيهم عن حسن نية و ذلك لغاية في نفس يعقوب كما يقال .  قد يكون لمجرد الاستهلاك الإعلامي أو تضليل الرأي العام أو إستمالة البعض منهم و لكن و كما يقول صاحب  "كتاب الأمير"  ، المفكر السياسي ميكافيلي " الشعب أذكى من حاكمه ".   و بودي ان أوجه رسالة إلى الرئيس و إلى مدير المعهد التونسي للدراسات الإستراتيجية أن هذه  المؤسسة التي تتبع رئاسة الجمهورية  من غير المعقول أن يبقى نشاطها او الباحثون بها هم من اتباع الرئيس و حاشيته لأنها مؤسسة بحثية يجب أن تخدم الصالح العام كما أنه و هذا الأخطر  كيف يتقدم نخبة من كبار أساتذتنا و باحثينا من بينهم الدكتورة كريمة بوزغندة من كلية العلوم الإقتصادية و التصرف بصفاقس بطلب إلى إدارة المعهد بهدف القيام بزيارة  للمعهد و هذا منذ أشهر ، بينما تتجاهله مؤسسة  الرئاسة. الغريب في الأمر أن الأستاذ قيس سعيد يعتبر زميلا لهم و رغم ذلك لم يتفاعل على جناح السرعة معهم و لم يستجب لمطلبهم. و ليكن في علم حكامنا أن دواليب الدولة لن تسير بدون خبرة و تجربة و معرفة  هؤلاء و غيرهم و بدون الإصغاء إلى حكمة بعضهم وهم ليسوا بسياسيين هم يتعاطون نشر المعرفة و يودون تقاسمها مع رجال الدولة خدمة للصالح العام . و هو ما يلخص في الواقع أن تجربة البعض من مفكرينا  ونخبنا المثقفة في المناصب السياسية، ليست غاية في الفرادة بإستثناء  بعص الأسماء التي عرفت نجاحا نسبيا مثل  رجل التعليم و الفكر الراحل محمد الشرفي الذي تولى  وازة التربية في السنوات الاولى لحكم الرئيس الراحل زين العابدين بن علي خلال التسعينيات و قد مثل تيار اليسار في تونس  أو تجربة المفكر الاسلامي أبو يعرب المرزوقي مع حركة النهضة اثناء فترة  حكم الترويكا الذي شغل منصب وزير مستشار مكلف بالشؤون الثقافية و التربوية لرئيس الحكومة أنذاك حمادي الجبالي و لكنه لم يمكث طويلا، بل غادر المنصب و هو نادم على ما اقترفه عندما اقترب  من حقل الألغام و الدسائس و آثر التفرغ للبحث العلمي و الكتابة في المواقع الالكترونية ( موقع تدوينات ).  لكن تبقى التجربة الأكثر شهرة و تفردا هي  للأديب الكبير و الأستاذ المبرز في اللغة و الآداب العربية محمود المسعدي في عهد الحبيب بورقيبة، لما تولى رئاسة مجلس النواب و يجدر بي التذكير أن البروفيسور شكري عبد الناظر أحد الأساتذة الكبار و المرموقين في الإقتصاد  في تونس، كان على حق عندما تساءل مستغربا لماذا لم يحصل  الأستاذ المسعدي على جائزة نوبل للآداب ؟!و مصداقا لقوله فقد نظمت بيت الحكمة بتونس بعد الثورة ندوة دولية حول أدب و فكر المسعدي و كانت فيها وجه مقارنة بينه و بين نجيب محفوظ الحائز على جائزة نوبل للآداب نظرا لتقاربهما فكريا و ووجوديا.
> لكن لفتت إنتباهي بعض الأمور، وهو  أن  البعض من كبار مثقفينا يعانون في ما بينهم خصومات و إصطفافات حزبية و  إيديولوجية بحيث يهاجمون بعضهم البعض، على غرار موقف البروفيسور أبو يعرب من موقع " مؤمنون بلا حدود" ( الموقع كان  مقره بالمغرب ثم  تم غلقه ) ، و قال :  " أنهم يتلقون الأموال من المخابرات الإماراتية و شكك حتى في قدرات بعضهم المعرفية.
و لكن ثمة بصيص من الأمل و كما يقول المثل العربي " ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل "، حيث إشتغلت  لمدة عدة  اسابيع ماكينة رئاسة الجمهورية بمعية الإتحاد العام التونسي للشغل و حركة الشعب حسب علمي من جهة و احزاب الائتلاف الحاكم للإعداد لحوار قد ينعقد خلال شهر ماي القادم، و شخصيا ارى ان  الحوار السياسي الدائم و مزيد التشاور أمر ضروري و لا مهرب منه لكن ليس الحوار لمجرد الحوار ، نمضي فيه وقتا طويلا من أجل انتاج حكومة جديدة ثم تمضي بضعة اشهر لنعود من جديد الى نفس مربع الأزمة. ما ينقصنا هو التشخيص الدقيق لأزمة الحكم من وجهة نظر علمية بحتة، تكون في ورقة بحثية يقوم بها مختصون من عدة مجالات لهم "حياد حزبي " و يتحلون بشيء من النزاهة  و الموضوعية و عمق الفهم و  على إلتصاق بالواقع اليومي التونسي و ليسوا من نفس مكونات المنظومة الحاكمة،  تماما مثلما تعمل مراكز الإستشارات السياسية أو  الإقتصادية أو الإعلامية أو القانونية  في الغرب، اذا أردنا فعلا ان نتدرب على التفكير و المارسة السياسية على أصولها و قواعدها، و ايضا حتى يرى المواطن بمختلف شرائحه و مكوناته أننا دولة تحترم نفسها و تجل نخبها العلمية و الفكرية،و تلجأ إليها عند المحن. كما اريد ان اعرج ولو قليلا في ذات السياق، عن نية الدولة تشريك الشباب في ورشات الحوار السياسي المرتقب لأقول أننا في حاجة إلى حكمة الشيوخ و إلى حماس و طموح الشباب. لما كان الوزير الأسبق ناجي جلول مديرا للمعهد التونسي للدراسات الإستراتيجية أشرف ما سماه ندوة لتكوين " 100 قائد شاب " و لكن الامر كان مجرد دعاية إعلامية لاغير لأننا لم نر شيأ مما إدعاه فقد تفكك نداء تونس و  تبخرت برامجه.
إنه في إعتقادي يجب العمل على نشر ثقافة التغيير و التجديد لصناعة قادة جدد و أرى ضرورة  تعميم تدريس " نظرية التركيب " في جامعاتنا،  كأحد المقاربات العلمية التي يأمل منها الكثير اليوم،  حيث يرى الكاتب  " أساما بويس " أنها تنخرط في إطار " الثورة الصناعية الرابعة " و التعود على التفكير غير الخطي  للوصول إلى حلول عملية لمشاكلنا العويصة. و من المفيد التعريف ببعض مبادئ هذه النظرية التي يعد عالم الإجتماع و المفكر الفرنسي إدغار موران رائدها و قد قدم وصفة من عشر خطوات لقيادة التغيير متضمنة في كتابه " L'Apollo de la complexité " نورد بعضها مترجمة بتصرف  في خمسة مبادئ كالآتي :
-المبدأ الأول : يتلخص في فضيلتين إن شئت و هما الإستعداد للتغير و فهم الطبيعة؛
-المبدأ الثاني : الربط، و هي الكلمة المفتاح و تحيلنا على الأصل الإغريقي لكلمة التركيب و التي تفيد ما : " نسج داخل مجموعة ". و بذلك نفهم أن التفكير المركب يعتمد على ضرورة ربط وجهات النظر و مستويات التحاليل و الأفكار. و خذا المبدأ معروف لدى تيار البنائية مثل جان لوي لوموانيو Jean-Louis Lemoigne. و يعتمد المبدأ الثاني على حركة مزدوجة : الأولى فيزيائية و هي الإقتراب من الآخر و الثانية بسيكولوجية : أن تضع نفسك مكانه، حتى تدخل في عالمه مما يعني نفي رفض الآخر.و هي تقترب إلى حد ما من الجدلية الهيجلية.
> > > > > > > - المبدأ الثالث : تطبيق عدم التجزئة أو اللاإختصار، حيث يتطلب فهم الآخر عدم حصره في مجرد أفعال أو كلمات و فيه إحالة إلى " التفكير المجرد " في فلسفة هيجل .
- المبدأ الرابع : لمواجهة التناقض، وجب التفكير في نفس الوقت على محاور التناقض و التكامل، و ذلك بفهم رؤية الآخر أو الطرف المقابل وفق منطق تشاركي، يقود إلى حل يكون مقبولا  لدى الجميع، و متوافق عليه و ليس مفروضا بطريقة أحاد
- المبدأ الخامس : تجاوز الجدل القائم بين الفاعل / البيئة بإعتماد l'hologrammatique و ينطلق من فرضية الفرد / المجتمع و يطرح سؤال من قبيل هذا الفرد هو  يكون المجتمع أو المجتمع يصنع الفرد ؟. في هذا الإطار، يتدخل إدغار موران و يقدم كحل لذلك مبدأ hologrammatique و هو في الحقيقة مستوحى من علم الفيزياء من فكرة أن كل نقطة من الصورة تمثل الصورة كاملة، و بذلك يكون المجتمع مجسدا في كل فرد منه و الفرد مجسد بدوره في المجتمع. لنخلص إلى أن الجزء في الكل و الكل في الجزء، أي أن الفرد و المجتمع يكملان بعضهما البعض لأن كل واحد منهما يحتوي الآخر . و قد رغبت في الإشارة إلى بعض تفاصيل هذه النظرية ﻹعتقادي أن ما يجري في بلادنا و في الإقليم العربي و نحن جزء منه و في العالم، فيه شيء من التركيب و الغموض و يصعب التنبؤ به مما يستوجب العودة و التعود و الإستئناس بهذا النوع من التفكير غير الخطي.
إن حاضر  الزعامات العربية هو نتيجة حتمية لذلك الماضي القريب، عقب إنجلاء المستعمر الأجنبي بإستثناء فلسطين التي لا تزال ترزح تحت نير الإحتلال الإسرائيلي، فغالبية من تولوا حكم بلدانهم إما أنهم أتوا عبر إنقلابات عسكرية مثلما هو حال مصر عبد الناصر مع مجموعة الضباط الأحرار و ثورة يوليو 1952 للإطاحة بالنظام الملكي أو ليبيا القذافي و ثورة الفاتح و الإطاحة بالملك السنوسي، أو هم ورثة حكم ملكي و هو حال دول الخليج و الأردن و المغرب الأقصى: يذهب الملك أو الأمير فينصب إبنه مكانه، ما عدا أمير قطر فإنه خلع والده من الحكم لإتهامه إياه بالفساد. و في سوريا نصب حافظ الأسد إبنه بشار رئيسا مكانه و في الواقع ليس ثمة فرق كبير بين نظام ملكي عربي و آخر جمهوري . ربما النظام الخليجي الوحيد الذي يعرف إلى حد ما ممارسة سياسية ديمقراطية هي دولة الكويت، أما بقية الأنظمة الخليجية فإنها لا تعترف بالأحزاب أصلا و تعبرها لعنة و  حتى منافية للدين. مشكلها الأكبر هو جماعة الإخوان المسلمين المصرية التي أزيحت من الحكم في مصر بعد ما عرف بأحداث رابعة.ثمة بعض الأشياء الإيجابية في دولة مثل الكويت هو إستثمارها الجيد في قطاع الثقافة و المطبوعات الثقافية المميزة جدا على غرار عالم المعرفة و غيرها من المجلات الهادفة، أو دولة صغيرة جدا مثل قطر إستثمرت جدا في قطاع الإعلام المرئي و في مراكز الأبحاث و الدراسات. و قياسا على ذلك إذا كان هيرودوت " أب التاريخ " يقول بأن " مصر هبة النيل "، فإن قطر هي هبة الجزيرة و لا أبالغ في ذلك. أما  اليمن فأنه كان تحت حكم عبد الله صالح لعقود منذ توحيد اليمن الجنوبي و اليمن الشمالي،  قبل أن ينقلب عليه الحوثيون عندما إندلعت إنتفاضة شعبية سنة 2011 في ما كان يسمى باليمن السعيد،  الذي حاله يرثى له اليوم و بكل أسف و قتلوه ميتة سوء.  الجزائر بدورها عرفت حقبة من الممارسة السياسية الديمقراطية في عهد الشاذلي بن جديد قبل أن تدخل البلاد في مرحلة خطيرة من العنف و الإغتيالات فيما عرف ب" سنوات الجمر" خلال التسعينيات،  و بالكاد إنتهت من نظام حزب الواحد  المدعوم من العسكر بعد تنحي بوتفليقة عن الحكم  و مجيئ بن تبون إلا أن مطالب شعبية بالتغيير لا تزال متواصلة إلى الآن. و لا يزال للجزائريين حنين إلى حكم هواري بومدين و إعتزاز بشخصيته.
العراق رغم ما ألم به من خطوب و مأسي بسبب إحتلاله في سنة 2003، في غزو أمريكي- بريطاني ظالم و جائر ضد قوانين الشرعية الدولية و بعد تبين كذب أسطوانة نشر الديمقراطية و الحرية  و فساد الحكام الجدد الذين يدينون بولاءهم لإيران، لا يزال شبح الرئيس الراحل صدام حسين يذكر بأمجاد دولة كانت تعد الأولى في الشرق الأوسط من حيث جودة التعليم و الرعاية الصحية لمواطنيها. حيث إنتشرت الطائفية بالبلاد و أريقت دماء الآلاف من السنة الذين  شردوا و هدمت ممتلكاتهم و أقصوا من تولي المناصب في الدولة  بدعوى إنتماءهم لحزب البعث الذي تم إجتثاثه بأمر من الحاكم بول بريمر و أغتيل العلماء و الأكاديميون و الباحثون و الخبراء و من أسعفهم الحظ  غادروا البلاد و إنتشرت البطالة و الأوبئة و الأمراض و الفقر و الجوع و التهميش. في عراق، مابعد صدام تحرق المستشفيات و فيها مرضى  مصابون بوباء كورونا و يموت العشرات من دون إرتكاب ذنب و المأساة التي بدأها الغزاة الامريكيون و عملاءهم لم تنته بعد. دكتاتورية صدام يتمنى الآلاف من العراقيين لو يعيشون يوما منها آخر بدل هذا الإحتلال المدمر الذي أعاد بلاد الرافدين إلى ما يشبه غزو المغول و هولاكو خلال القرن الثالث عشر.
في الواقع، إن دكتاتورية معظم الأنظمة العربية من عبد الناصر إلى صدام قد أنجبت رغم ذلك نخبا مثقفة من مفكرين و أدباء و كتاب و شعراء و صحافيين و لنضرب مثالا على ذلك على سبيل الذكر لا الحصر حيث سطع نجم محمد حسين هيكل كأحسن كاتب صحفي عربي خلال القرن العشرين على الإطلاق: هيكل أو الجورنالجي كما يحلو له دائما غادر الحياة سنة 2016، و لكنه ترك بصمة في الحياة الفكرية و السياسية المصرية و العربية على إمتداد أكثر من سبعين عاما، جعل من صحيفة الأهرام واحدة من كبريات الصحف  في العالم و في حوار أجراه معه اﻹذاعي الكبير صالح جغام على موجات الإذاعة الوطنية كان يقول : " عندما كنت أدير الأهرام كأنما أدير دولة بأكملها ". و قد كان الرئيس عبد الناصر لا يستمع إلا لنصائح هيكل. و قد قال جمال لمحمد حسنين ليتني منت في مكانك أي كاتبا صحفيا.
كما أن الرئيس الفلسطيني الشهيد ياسر عرفات كان في إعتقادي زعيما وطنيا بأتم معنى الكلمة كرس حياته للنضال من أجل الإستقلال و الحرية، كان محاطا بعقول مفكرة سواء في لبنان أو تونس أو فلسطين المحتلة بعد توقيع إتفاق أوسلو على غرار المفكر الإسلامي المعروف  منير شفيق أو الشاعر الكبير محمود درويش رئيس تحرير جريدة الكرمل.  و من الجدير التذكير بالدور المركزي الذي لعبه  واحد من جهابذة الصحافة في الوطن العربي الأستاذ عبد الباري عطوان في الدفاع عن القضية الفلسطينية و غيرها حيث لم حاول الرئيس الأمريكي بيل كلينتون فرض حل بالقوة على الرئيس عرفات في مفاوضات واي ريفر ( أو بلانتيشن ) في الولايات المتحدة الأمريكية قال الختيار عرفات لكبير المفاوضين المتوفى بسبب كورونا صائب عريقات : " قل لعبد الباري فزع العرب! ". و عندما سئل عبد الباري في نشرة الأخبار الرئيسية الليلية على قناة الجزيرة من قبل المذيع الفلسطيني القدير جمال ريان : " لو كنت مستشارا لفتح أو حماس ماذا ستفعل.." ردا قائلا : " لن أقبل أن أكون مستشارا لا لفتح و لحماس " .ذلك هو عبد الباري عطوان " شيخ الصحافة العربية " على لسان  أحد الناطقين بإسم الجيش الإسرائيلي، أعتقد أنه افيخاي أدرعي وصف عطوان ب" شيخ الصحافة العربية ".
إن شعوبنا من حقها أن تحلم بدول الرفاه و العدل و المساواة و حقوق الإنسان و بزعامات جديرة بالإحترام لكن ذلك  مرتبط أساسا بإختيارات المواطن العربي إذا كان النظام ديمقراطيا مثلما هو حال تونس، الذي من واجبه أن يكون واعيا تمام الوعي بالعملية الإنتخابية، ضرورة أن يكون الحاكم أو القائد " حكيما " و هو شرط صعب التحقيق و للأسف الشديد! و يكاد يكون الأمر ضربا من المثالية و الخيال.
شخصيا، أرى أنه في تونس علينا أن نغير من العقلية و نتخلص من بعض الأوهام و الأحكام البالية و أن نصلح.من ذات بيننا و أن نقبل بالحوار في ما بيننا بعيدا عن الإقصاء ﻻانه يبدو أن جوهر الخلاف يتعلق بإتهامات بتوظيف الدين  في السياسة لانه ليست لدينا مشاكل طائفية أو إثنية كلنا عرب و مسلمون، ثم إن نظامنا جمهوري فالنهضة نفسها أكدت في أكثر من مرة أنها حزب مدني  فما الذي يمنع التفاهم بدل الإختلاف و الوحدة  بدل التشتت. هدوء العاصفة و نزع فتيل التوتر يتطلب وقتا أرجو أن لا يطول أكثر من الﻻزم و مزيد الصبر و الثقة بالنفس أمران ضروريان.
الواقع، يؤكد أن  الخوف من العودة إلى نظام الحزب الواحد لا يزال يخيم على عقلية عديد الأحزاب في الحكم منها النهضة التي حذرت من الإنقلاب على الديمقراطية و مبادئ الحربة مثلما صرح بذلك زعيم الحركة الغنوشي في لقاء إعلامي  منذ أيام قليلة، و دعا إلى ضرورة الحوار بين رئيس الجمهورية و رئيس الحكومة  المنهمك في إجراء لقاءات و حوارات من بيت الحكمة حول الإقلاع الإقتصادي و للمؤسسة أكثر من  إشارة رمزية على أمل  أن  تحل قضية الوزراء الذين يرفض سعيد أداءهم لليمين بتهم قضايا فساد كان  يفترض أن يبت فيها القضاء.
أما في بقية دول اﻹقليم العربي المتحرك و المتوتر، فإن حال بشار ليس على أحسن على ما يرام رغم أنه يرشح نفسه ﻹنتخابات خلال الأشهر القليلة المقبلة، و  سوريا مفتتة و الشعب ينزف دما. أما مصر في عهد عبد الفتاح السيسي فهي على وشك أن تفقد حصتها من الماء الإعتيادية في سد النهضة و أثيوبيا تحاول فرض سياستها بكل ثقة في النفس و تحدي أيضا للقيادة المصرية التي ليس أمامها من حل إلا إثبات شخصيتها و مقدرتها السياسية و النظام يحاول تعويض الديمقراطية  الغائبة و حقوق الإنسان المهدورة ( بعد تواصل سياسة الإعدامات ) بعدد من الإنجازات الﻹقتصادية أو العمرانية.  السودان الذي فقد نصفه الجنوبي، أزاح الفريق عمر البشير من الحكم بواسطة العسكر نفسه الذي برم إتفاقيات صلح و تطبيع مع إسرائيل، مقابل إخراجه من قائمة الدول الراعية للﻹرهاب التي أقرتها الولايات المتحدة الأمريكية. و يبدو أن خطة التطبيع مع دولة الإحتلال الإسرائيلي هي المصدر الأمثل لضمان البقاء في السلطة لدول بعينها خصوصا دول الخليج التي تربطها مصالح إستراتيجية مع الغرب، و هي دول تنام هلى ثروات نفطية و غازية هائلة و مستوردة كثيرا للأسلحة الأمريكية و الأوروبية و حتى الروسية و القاعدة هي المال مقابل البقاء في السلطة مهما كلف الأمر.
إن طريق الحرية لا يأتي غالبا إلا عبر أنهار من الدماء، و أملي أن لا يكون ذلك خيار شعوبنا التي من حقها العيش في كرامة  و لا قادتنا التي من واجبهم أن يفهموا أن الأيام دول تتداول بين الناس .

أحدث أقدم