الدكتور المنجي الكعبي يكتب للثقافية التونسية..تونس : أزمة تشريع بإجماع

 تونس : أزمة تشريع بإجماع



بقلم الدكتور المنجي الكعبي
نعيش في تونس منذ ما بعد ثورة ٢٠١١ أزمة تشريع بإجماع. لأن الآراء كانت مختلفة من الأول بين تطبيق الدستور القائم على علاته بأجراء انتخابات رئاسية سابقة لأوانها الى حين تعديل الدستور بآلياته المحددة كما حصل بعد تغيير السابع من نوفمبر 87، وبين إسقاط الدستور ووضع ما يسمى بدستور صغير لتنظيم فترة حكم انتقالي يقودنا الى انتخاب مجلس تأسيسي، لإنشاء دستور بديل يقوم على أصول وقواعد وطبيعة ديمقراطية تشاركية. فكان الرأي داخل الهيئة العليا المستقلة للإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي المعروفة بهيئة ابن عاشور هو الاتجاه في الاختيار الثاني، الذي وجدت فيه كل الأطراف المتصارعة يومها على استلام زمام السلطة بغيتها، من خلال إرساء نظام انتخابي قائم على النسبية لا على الأغلبية لتجد فيه معظم الأطراف نفسها داخل لعبة التحالفات، وفي سدة الحكم، على قاعدة التقاسم والمحاصصة.. ويغنم الحزب الاكثر شعبية ومقاعد بالبرلمان نصيب الأسد وأن تكون له اليد الطولى على بقية الأحزاب المدجنة بتركيز أولياء نعمته في مواقع القرار الكبرى وهي الحكومة والبرلمان ورئاسة الدولة.
فأفرخ هذا الوضع المشتت للأحزاب والافراد المستقلين في البرلمان ولادة قيصرية، بعد ثلاث سنوات لا سنة واحدة كما كان مقرراً في الدستور الصغير، لجنين دستوري فيه من أعوار الدساتير المتولدة عن أزمات وصراعات قاتلة ما فيه. وتَسمّى هذا الوليد المعاق بعلله التكوينية الأصلية دستوراً لم تلد البطون مثله، زائداً ما تلاه، في أحكامه الانتقالية، من هيئات دستورية كهيئة الانتخابات وهيئة المحكمة الدستورية من عوائق شتى، إما لتأسيسها وإما لضمان السير الطبيعي لعملها.
فقد تعذر كل تعديل مقترح لبعض أحكام هذا الدستور وعلى رأسه تنقيح الانتخابات باتجاه نظام الأغلبية فيه وتعذر كذلك أخيراً تتقيح قانون المحكمة الدستورية. والسبب قائم في علة الدستور نفسه العصيِّ على كل تصويت بأغلبية الثلثين في بعض أنواع القوانين، وحتى الأغلبية المطلقة في بعض النصوص الأخرى.
فكانت النتيجة الأولى لهذا الدستور الجديد انبثاق مجلس نيابي معيب بتلك الانتخابات المجراة على قاعدة النسبية، كسلفه التأسيسي، بحيث تعذر عليه انجاز محكمة دستورية في أجل عام من أول انتخابات تشريعية بعده. وكانت نتيجته الأخرى السلبية عدم اقتدار الحزب الأول الفائز بأغلبية المقاعد إلا بالتحالف مع حزب حركة النهضة الذي أُقصي بسبب تلك الانتخابات الى مرتبة الحزب الثاني. وقامت سريعاً لعبة التوافق بإشراكه في الحكم على قاعدة الترويكا السابقة التي كان يقودها في فترة الحكم الأولى ولكن في شكل رباعية يقودها حزب الرئيس قائد السبسي الذي ظفر بسبب هذا التحالف مع حزب النهضة الأغلبي السابق بكرسي الرئاسة إضافة الى رئاسة البرلمان ورئاسة الحكومة لعناصر من حزبه، حزب نداء تونس.
فهذا الوضع لتقاسم الحكم أو لتشتته بين أحزاب متضاربة أصلاً في مرجعياتها وتوجهاتها لم يولد استقراراً ولا محكمة دستورية كفيلة بفض النزاعات حول الخروقات الكثيرة التي كانت تتراشق بها السلطات القائمة والأحزاب المتنافرة بالمجلس.
فتفاقمت الأزمة بإدارة البلاد في ظل تنازع السلطات، وكلٌّ على رأس سلطة إلا ويخشى الإغارة على صلاحياته أو يرتاب في الآخر بتجاوز صلاحياته بل وحتى تعطيل صلاحيات خصمه السياسي، غيرة على شرعيته الانتخابية وما إلى ذلك من الاعتبارات الحزبية والشخصية.
وأصبح خرق الدستور هو القاعدة والاستثناء هو احترامه في غياب المحكمة الدستورية. وآخر فصل في هذه الازمة، دون توقع نهاية قريبة لها، هو رفض رئيس الجمهورية ختم قانون المحكمة الدستورية الذي صوت على تعديله المجلس النيابي أخيراً، كالتحدي بالمضي في التعجيل بإصداره لحل أزمة الحكم المستفحلة بينه، في شخص رئيسه ورئيس أغلبيته، وبين رئيس الجمهورية المتشبث برفض القانون المعروض عليه للختم، بمؤيدات قدمها في رده، وهي خرق آجال دستورية وإهمال قواعد قانونية فيه أصلا كالتتابع..
ومن غير المستبعد أن حركة النهضة والكتل المؤيدة لها في البرلمان تُزمع على المواجهة، لأنها لم تكن تتوقع غير هذا الموقف من الرئيس المتشبث الى حد الغضب للدفع بالخرق الدستوري ومخالفة القوانين بوجه كل متطاول على صلاحياته الدستورية، كختم القوانين وأداء القسم أمامه في كل التعيينات الحكومية.
قد تكون المعركة الأخيرة، ليُحسم الصراع بسقوط أضعف الموقفين وأقلهما شعبية ربما أو معقولية أو مقبولية من الرأي العام إذا سارت الأمور الى المواجهة. لأن برلماناً لا يشرّع هو برلمان فاقد لصلاحياته وحله أفضل من بقائه، ولكن لو تصورنا أن الكفة ترجح الى استغناء كل سلطة بنفسها لختم أعمالها في ظل غياب مبرر لمحكمة دستورية، بظروف انتقال ديمقراطي لم يمنع عدم قيامها من سيرورة الأمور حتى وإن لابستها خروقات دستورية أو شبهة خروقات، لأن ما يطلق عليه خرق دستور أو قوانين إنما مرجعه الى هيئات محكمة معتبرة لا اجتهادات فردية معزولة عن سياقها القضائي المقرر والمعتمد قانوناً ودستوراً.
ورئيس الجمهورية وإن نص الدستور على أنه الساهر عليه، فمعنى ذلك أنه يرعاه ويسهر عليه في ظل أليات معينة، ومنها المحكمة الدستورية، ولا يعني أن يتلخّص السهر على تقديره الفردي للخرق معزولاً عن كل هيئات تشريعية وقضائية. وبهذا الاعتبار فالمحكمة الدستورية تجُبّ ما قبلها كالإسلام، وليس العكس أي ما قبلها غير مجبوب بسبب عدم قيامها.
وختم القوانين والأوامر ونحوها من قرارات وتراتيب ونشرها في الجريدة الرسمية الغاية منه شهْرها أي حصول العلم بها وقيامها حجة على الجاهلين بها أو المتحدين لها، وعدم حصول الطعن فيها من الهيئات المعتبرة كاف لإمضائها وتنفيذها لأن حصول العلم بها لدى جهة الختم التقليدية تحقق بالرد عليها، وإن بردي سلبي ولكن ليس بطعن مؤيد من محكمة دستورية؛ ووسائل الإعلام الحديثة أوسع انتشاراً من جريدة رسمية كانت الوحيدة تقريباً بأيدي خاصة الناس لا عامتهم في الغالب.
والخروقات التي عددها رئيس الجمهورية على هذا القانون لا تخرج عن الخروقات السابقة عن قيام المحكمة الدستورية، ولذلك فالمتعين إحالة تلك الخروقات عليها بعد إيجادها، من باب إحالة المراسيم على المجلس النيابي الجديد أو بعد عطلته القسرية للنظر فيها، والتأسيس عليها كفقه قضاء جديد في المادة الدستورية.
ولو كانت الخروقات المدّعاة على الانتخابات السابقة والتي قبلها غير موجودة لكان المجلس التشريعي اليوم غير ما هو عليه من تنافر بين أحزابه وكتلته الى الحد الأقصى ولكانت الرئاسة غير ما هي عليه اليوم من تنافر بينها وبين أحزاب المجلس وكتلته وبينها وبين رئيسه.
ولكانت السلطات الثلاث في الدولة موحدة بوحدة الدولة ووحدة شعبها، ولكان هامش التشدد أو التطرف في المواقف محصور في دائرة ضيقة جداً منعاً للبلبلة والتنازع.
فنحن أمام ما يجوز للشارع عند الضرورة من أحكام كالتقصير في الصلاة أو التيمم عند تعذر الماء الطهور أو الضوء.
وهي أحكام تُجيزها الشريعة فما بالك بالأحكام التي تجيزها الثورة أو الانتقال الديمقراطي وما الى ذلك من أحكام تبيح المحظورات عند الضرورات.
ولَقوانين جائرة بقسوتها أرحم بالنفوس واحفظ للمكاسب من قوانين مدسترة كما تشاء الأنفس لا تقدم ولا تؤخر بل تزيد الطين بلة، ولا تقمع فتنة أو تطفئ نارا تأكل الثورة.
فنحن إزاء برلمان مشتت لشعب موحد دينا ودولة ورئيس منفرد يغرد خارج سرب حكومة مرتهنة للتجاذبات الحزبية الداخلية والضغوط الخارجية وثورة تلتقط أنفاسها مع كل انتخابات وأخرى ولا يستقر لها قرار على نظام يوفي بطموحاتها ويكرم شهداءها..
مجتمع سياسي بإزاء رئيس لم يتحزب يوماً.. ولا انتخب يوماً.. ولم يقم بحملة انتخابية للرئاسية بل بجولة تفسيرية، لم يقدم خلالها لا برامج ولا وعود ولا تعهدات بل طلب الاستماع الى مقترحات من الشباب والمحرومين لاستنباط قوانين لتطبيقها لفائدتهم إذا وصل الى السطلة… وردد أنه استغنى عن المال العمومي لتمويل جولته بالقليل من جيوب أنصاره من الفقراء والكادحين والبائسين. وما عرف عنه طوال سنوات الثورة الماضية إلا تصيد الخروقات في التشاريع الموضوعة على اختلاف أصنافها من أعلاها وهو الدستور الى أبسطها وهي القرارات والمناشير، وإحداث ثورة ثقافية على المصطلحات المتداولة بمفاهيمها البالية بنظره لتطويعها لثقافته الدستورية والأدبية المجددة والمتحدية.
فتونس اليوم ومنذ أكثر من عام إزاء برلمان خارق للدستور ورئيس خارق للعادة وهو نفسه خارق للعادات.. لا تنقضي يوماً عجائبه.. وآخرها اقتضاء القسم أمامه على طهارة من الشبهات لتولي المسؤوليات وختم القوانين البريئة وغير المسيسة حزبياً. والتلويح بإصدار تشريع للمصالحة الجزائية إذ لا حاجة له كما قال بأصحابها في السجن..
وفي كل ذلك الثورة تبحث عن نفسها. والرئاسة والبرلمان نظرُ بعضهم في نظر بعض شزراً وبامتعاض.
فإلى انفراج، لعله قريب لأنه كما يقال قد بلغ السيل الزُّبى.
تونس في ٢٤ شعبان ١٤٤٢ه‍‍ / ٧ أفريل ٢٠٢١م
أحدث أقدم