#خالتي حسنية،الوشم، ثنائية الحياة والموت بقلم وعدسة سوار عمائدية

#خالتي حسنية،الوشم، ثنائية الحياة والموت

بقلم وعدسة سوار عمائدية







عمادة الوساعية في معتمدية سبيطلة ولاية القصرين تمتد على مشارف جبل السمامة المكان الذي تتالت فيه احداث ومعاناة بعض الأهالي ، وفيها حكاية خالتي حسنية المرأة التي انقذتها دابتها التي تمتطيها من حادثة انفجار لغم. في زيارتنا للمركب الثقافي بجبل السمامة رجاء زينب وكاملة تحدثن على خالتي حسنية المغامرة الشجاعة التي تحدت الموت وعادت للجبل بعد الحادثة وفي سؤالنا عنها أشار حفيدها أنها هناك تبعنا إصبعه فلم نرى غير أفق بعيد لا تظهر فيه أية حركة . وبعد قطع مسافة طويلة وصلنا إلى خالتي حسنية التي استقبلتنا بوجه باسم ولم تتوقف عن جمع الحشيش وخلت انها لم ترنا ولكنها أردفت قائلة "انتم متاع الصحافة ديما اجوني وماعملولي شي" ثم همت بنزع ردائها لتفرشه على الأرض "اقعدي بنتي تراب اغبرلك دبشك" وبحركة سريعة أعدت الغطاء على رأسها "أنا من البادية كيفك خالتي حسنية خليني نقعد بحذاك نحبك تحكيلي" فصمتت وأخرجت من عمقها نفسا وهي ترسم خطوطا ودوائر على الأرض وقالت كان ذلك قبل خمس سنوات خلت ، قلت لها لم تنسي ذلك اليوم أجابت بسخرية وإن تذكرته ما الفائدة فأيامنا كلها مفاجآت منذ أن تحول الجبل إلى محضنة للأفاعي السامة. واسترسلت في نبش ذاكرتها "كان يوما رهيبا ومثل كل الصباحات التي "نعزم ونطلع الجبل نجيب عشاء ذريتي" ركبت الدابة وبعد توغلنا في الجبل وفي اللحظة التي دست فيها على اللغم اعتراني احساس غريب "لا دريتها لا حرورة لا وجيعة لا ضبطة في صدري وفي لحظة تشنترنا ودمايتنا تسيل" ركوب خالتي حسنية على الدابة كان المعجزة التي انقذتها من الموت "حليت عيني نلقى البهيمة شطرها رحل والزوز نسا مشو طروف ونا تضربت في رجليا البهيمة نقذتني" . وكلما صمتت خالتي حسنية كلما تسارعت حركة أصابعها بنبش التراب والنظر في أفق بعيد "ماعملولي شي بنتي جا الوالي والمعتمد والجيش وهبطت الطامة والعامة ، عطوني مليون ماكفتنيش دوا " ونزعت جوربيها حتى تؤكد لنا عمق معاناتها وجراحها . "الوجيعة في القلب أكثر يابنيتي عنا كان الجبل نسترزقو منو " ، "لكنك لم تخافي خالتي حسنية وعدتي للجبل بعد الحادثة هكذا سمعت ، فرشقتني بنصف نظرة وقالت "الخوف من ربي بنيتي وهاك العيلة منهو باش اوكلها يلزم يتعشو" .
وانا أهم بالوقوف سألتها عن الدابة فقالت "البهيمة بقت ملوحة في الجبل زحفت على كرشها ورجعت بعد أربعة أيام رضعت ولدها وماتت " ثقلت قدماي ولم اعرف وجعي على من في ذاك المكان المحاصر بالألم !
خالتي حسنية تخطت السبعين من عمرها ولكنها تملك من قوة الإرادة والإحساس بالمسؤولية مايجعلها تهزم. العمر كله بكل تفاصيله المحبطة ، تنظر إلى الأفق بثبات جعلها فوق مستوى التحدي لأن في بيتها بطونا خاوية وأبناء وأحفاد ينتظرون منها كل يوم مايسد الرمق ، فشراسة الوقت والمكان لم تثنها عن المضي قدما في رحلة جهادها . الاوغاد لم يغادروا المكان ولكنهم سيرحلون يوما وسيجرفهم الطوفان الاسود هكذا قالت خالتي حسنية وهي تنظر إلى قمم السمامة تغالب الوجع والألم وتشتاق إلى رحلة عبر مساربه الخضراء تستنشق عطر الشيح والعرعار . كان يجب أن نغادر المكان احتضنت خالتي حسنية بحرارة وكنت لا أحب أن أغادر فالحكاية هناك عذبة ومعذبة !
ابتعدت قليلا فسمعتها تنادي وصفوة الفضاء ترن بصوتها "ها بنيتي ماقلتليش آش سموك " قلت لها اسمي سوار ابتسمت "سوار متاع المسلسل التركي ههههه" ضحكت معها وتأكدت أن خالتي حسنية نموذج امرأة خبرت الحياة في تمازج حلوها ومرها ، امرأة احتضنت في داخلها مشاعر لا يعرفها الآخرون إلا إذا قتلوا عديد الاشياء في الداخل ..





أحدث أقدم