الموقف السياسي يكتبه عبد اللطيف الفراتي للخروج من النفق المظلم المقترحات العملية المؤسسة

 الموقف السياسي

يكتبه عبد اللطيف الفراتي
للخروج من النفق المظلم
المقترحات العملية المؤسسة



في قراءة للدستور وبالإعتماد على مختلف التأويلات المحتملة ، فإن الرئيس قيس سعيد يبدو مخطئا ، وقراءته للفصل 89 مجانبة للصواب ، فقبول التحوير الحكومي والتوقيع على الأمر الخاص به وكذلك قبول الوزراء الجدد لتأدية القسم ، مفروض عليه ، إلا أنه يمكن أن يخفف من ذلك هو أنه وباعتبار عدم وجود محكمة دستورية ، يجعله هو الجهة الوحيدة المنوط بعهدتها تأويل الدستور.
وبالتالي وهو وإن كان مخطئا دستوريا في الظاهر ، فإنه في العمق محق باعتبار عدم وجود محكمة دستورية ، و نظرا إلى أن الواجب عليه في هذه النواحي التي ذكرنا ، لا يخضع لميكانيكية واضحة ، وحتى لو كانت هناك محكمة دستورية، وفرضت عليه تسمية الوزراء الجدد وقبول أداء القسم من طرفهم ، فإن ما ينقص هنا هو تحديد الطريقة التي يمكن أن تجبر رئيس الدولة ، على إتيان فعل ليس مقتنعا به ، ويراه من جهته مخالف للدستور.
في بداية سنة 2014 عندما كنت أقبل الحضور في المناظرات التلفزيونية ، قبل أن أهجرها لتحولها إلى مناكفات لا فائدة من ورائها، شاركت في قناة المتوسط التي كان يرأسها الصحفي الوافد من قناة الجزيرة وما زال ،نور الدين العويدديي ، بتنشيط الصحفي اللامع والزميل السابق في الصباح صالح عطية ، وقلت وقتها إن هذا الدستور ، -ولا أدعي أني اختصاصي في القانون الدستوري - قلت إنه مليء بالفخاخ والمطبات ، وهو دستور أعرج ،ـويمكن أن يؤدي إلى مآزق دستورية وقانونية ، وخاصة سياسية ، وقد ثنى على كلامي وقتها الأستاذ مورو فيما كان المحلل السياسي الحبيب العجيلي متحمسا لذلك الدستور، وما جاء فيه .
أقول هذا ليس تبريرا لموقفي الحالي ، ولكن اعتقادي كان راسخا بأن دستورا أي دستور اليوم ، وبعد التعقيدات الحاصلة في العالم وفي قيادة الدول ، ، يحتاج إلى لجنة من الإختصاصيين لصياغته، لما أصاب عالم السياسة وقيادة الدول من تعقيدات تحتاج لمعرفة الخبراء ودرايتهم، وابتعادا عن الهواية وقلة المعرفة.
واليوم و قد حلت بيننا ،"وحلة المنجل في القلة "، ووجدنا أنفسنا نحن التونسيين في أسوإ المواقف والمواقع ، فالدستور أي دستور يعالج أمرين اثنين :
أولهما قضية الحريات والمرجعيات
وثانيهما كيفية تصريف شؤون الدولة.
وفي الحقلين سقط الدستور ( أحسن دستور في العالم ) في الأمرين ، فتناقضاته بين طبيعة الدولة المدنية والدينية لا يحتاج إلى برهان وكل يعود إلى فصول معينة متناقضة ، أما المؤسسات التي اقتضاها فهي من التداخل ، والنقص في التنبؤ بسيرها الطبيعي السلس ، بدأت منذ العام 2015 فاضحة ، فهو يخلط بين الأدوار ، فلا هو دستور الدولة البرلمانية ، ولا هو دستور الدولة الرئاسية مهما كان نظامها.
ومن هنا جاءت بالذات المطبات والفخاخ التي تعيشها البلاد حاليا ، خصوصا في ظل عدم وجود محكمة دستورية ، حرصت النهضة على عدم إيجادها ، ما لم يكرس أعضاؤها وجهة النظر التي تعتمدها ، فيما المعروف أن المحاكم الدستورية ، تقوم عادة على وجود وجوه متشبعة بالقانون الدستوري ، وكان مفترضا أن يتولاها نيابة عن البرلمان مدرجات كليات الحقوق في تونس من اختصاصيي القانون الدستوري ومنعرجاته.
أساتذة كبار من أمثال سليم اللغماني والصادق بلعيد والدكتور الحرشاني وأمين محفوظ ، وغيرهم كثيرون ممن تعج بهم ، أو حكماء لهم باع طويل في التجربة السياسية وطنيا عربيا أو دوليا ، ما أكسبهم حكمة لا تتوفر في غالب من رأيناهم من بين المترشحين عن البرلمان.
**
الأزمة الحالية هي أزمة مغالبة وعناد ، بينما رئيس للجمهورية يحز في نفسه ، قلة الصلاحيات التي منحها له دستور كليل ، ورئيس مجلس للنواب ، يعتقد أنه محط الإرادة الشعبية ، الموكولة عبره لرئيس الحكومة ، وبين هذا وذاك ضاعت بوصلة المشيشي الذي أتى به سعيد ، فسقط في حضن الغنوشي ، في حالة من الانتهازية ، ظن معها أنه وجد مرفأ آمنا .
وليس من حل اليوم بعيدا عن المكابرة سوى :
1/ استقالة رئيس مجلس النواب من موقعه لسببين يتمثلان في أنه لم يحسن التأليف بين القلوب ، بين أعضاء المجلس النيابي ولم يكن لا على شاكلة لا مصطفى بن جعفر ولا محمد الناصر ولا الشيخ مورو الذي ترأس البرلمان في فترة فراغ السلطة الرئاسية ، بعد وفاة الباجي قائد السبسي ، بحيث أصبح كل المشكلة ولا حتى جزء من الحل ، واختيار خلف له مجمع من بين النواب المستقلين بات ضروريا للتجاوز،، المستقلين فعلا ممن لم يدخلوا لا في مهاترات التهضة ولا قلب تونس ولا إئتلاف الكرامة ولا الدستوري الحر ولا الكتلة الديمقراطية.
2/ استقالة الحكومة بمن فيها رئيسها ، وتعيين رئيس حكومة بالوفاق لا بإيكال ذلك للرئيس قيس سعيد ، الذي تولى تعيين رئيسين للحكومة فشل في اختياره لكليهما ، ولعله يحسن اللجوء إلى محمد الناصر حكيم الحكماء في هذه البلاد فهو على قدرة كبيرة على التجميع ، تعاضده باقة من كبار الكفاءات التونسية متحزبة أو لا ، حكومة من 10 أو 15 وزيرا ، يترك بعضهم انتسابه الحزبي القديم أو الجديد وراء ظهره .
3/ انكباب مجلس النواب تحت رئاسة قوية ومحايدة وبالتحول إلى مجلس مؤسس فرعي يعلن عن نفسه بتلك الصفة ، إلى:
** تعديل دستوري في العمق باختيار أحد أمرين إما نظام برلماني صرف ، ويكون رئيس الجمهورية في تلك الحال منبثقا من مجمع انتخابي سنتعرض له لاحقا . ، أو نظام رئاسي بنائب رئيس على الشاكلة الأمريكية مع ضمان ديمقراطيه. ويكون في هذه الحالة منتخبا بالاقتراع العام.
** إنشاء المحكمة الدستورية وفقا لمتطلبات القانون الدستوري ، لا المغالبة السياسية بين أحزاب تفتك من بعضها البعض.
** حل معضلة التناقضات الدستورية وإبراز طبيعة الدولة المدنية وفقا للنواميس العالمية السائدة.
** تشكيل بقية المؤسسات الدستورية وخاصة العودة لمجلس اقتصادي اجتماعي افتقدته البلاد في خضم فوضى السنوات العشر الماضية ، التي فقدت فيها البلاد 30 في المائة من ناتجها الخام ونصف قيمة عملتها وارتفعت مديونيتها مرتين ونصفا.
** يتشكل المجمع الانتخابي من مجلس النواب الذي ينبغي إنزال عدد النواب فيه إلى 120 نائبا بمعدل نائب عن كل مائة ألف ساكن والمجلس الاقتصادي والاجتماعي الذي يكون عدد أعضائه 60 عضوا والمؤسسات الدستورية الست التي جاء بها دستور 2014 أي 54 عضوا ، ويلتئم هذا المجمع لانتخاب رئيس للدولة إذا تم التوجه إلى نظام برلماني ، فمن غير المنطقي أن تكون هناك شرعيتان شرعية انتخابية رئاسية وشرعية انتخابية برلمانية كلاهما بالاقتراع العام.
** إجراء انتخابات عامة إما رئاسية وتشريعية في نفس الوقت أو تشريعية فقط وفقا لمجال الاختيار بين الرئاسي والبرلماني
وفي هذا المجال ما زالت عناصر كثيرة أخرى يمكن أن يبدع فيها أساتذتنا الكبار في القانون الدستوري .
fouratiab@gmail.com

أحدث أقدم