إربعاء الغوغاء في واشنطن! د.أحمد القديدي

 




شاهد العالم مباشرة على كل الفضائيات عمليات اقتحام الاف من أنصار الرئيس ترامب لحرم الكونغرس وهو مبنى الكابيتول الرمز والمنارة للديمقراطية الأمريكية منذ 270 عاما و تابع الناس في القارات الخمسة ما لم يتوقعوه و ما لم يحدث في الولايات المتحدة في التاريخ الحديث. أربعة مواطنين في الجرد الأولي للضحايا قتلوا في هذه العمليات و قد أطلقت عليها الصحفية الأمريكية (جين كوفليه) من وكالة (بلومبيرغ) نعت (إربعاء الغوغاء) تمثلا و استحضارا لأشهر قصائد الشاعر (ت. س. إليوت) بعنوان (إربعاء الرماد) و فعلا هناك تماثل بين الإربعاء الشعرية و الإربعاء الترمبية لكونهما يعلنان نهاية الديمقراطية الدستورية المؤسساتية و تدشين عهد الغوغاء إلى درجة أنه في نفس اليوم الرهيب طالبت نائبة رئيسة الكونغرس السيدة (كاترين كلارك) و معها نواب أخرون من بينهم المسلمة (إلهان عمر) بالتصويت الفوري على عزل ترامب الأن و دون انتظار يوم العشرين من يناير الحالي لأنه حسب هؤلاء يهدد لا العمل التشريعي العادي فحسب و ليس الديمقراطية الدستورية فحسب بل يهدد الأمن العام و السلام الاجتماعي في الولايات المتحدة بأسرها! يمكن تصديق هذه الأصوات إذا ما قرأنا الخطب التي ألقاها ترامب على أنصاره و التي شحنها باستعادة النشيد القومي المتطرف القادم من الحرب الأهلية الأمريكية أواسط القرن الثامن عشر بل و رفع رايتها و التي كانت تقاوم (ابراهم لنكولن) قبل أن تغتاله لأنه سعى إلى تحرير العبيد و هذه النبرة اليمينية العنصرية في خطاب ترامب هي التي حسب علماء الاجتماع و السياسة نفضت رماد الزمن عن الغرائز العنصرية لدى شريحة أقلية نشيطة من الأمريكان و زكاها ترامب نفسه و أجج لهيبها حين لم يكن حازما إزاء الجرائم العنصرية التي هزت المجتمع و التي قتل فيها بدم بارد بعض العنصريين من الشرطة الفيدرالية مواطنيهم السود! إلى درجة أن إدارة تويتر منعت عشية الإربعاء بث تغريدات ترامب وغلق حسابه مدة 12 ساعة لأنها تدعو للعنف وتشرع للقتل وتدعو الى تقسيم المجتمع الى (واسب) والى الأخرين! وعبارة (الواسب) هي المتداولة وتشير الى تفوق العنصر الأبيض والمتدين بالبروتستانتية على غيرهم من المواطنين درجة ثانية أي من عداهم من أصول إفريقية ومكسيكية (لا تينوس) ومن طوائف يسميها العنصريون بالهنود الحمر بينما هم لا هنود ولا حمر بل سكان القارة الأمريكية قبل كريستوف كولمب واجتياح الأوروبيين للقارة التي سموها جديدة وهي أعرق من أوروبا نفسها وممارسة الإبادة الجماعية الموثقة والمعروفة للسكان الأصليين لإنتزاعهم من أراضيهم واستعمارها بالغزاة! الذي جرى يوم الإربعاء في الكابيتول هو عملية وصفتها السيدة (نانسي بيلوسي) رئيسة المجلس التشريعي أمس بالهمجية وحين تدخل الرئيس المنتخب جو بايدن على الشاشات أمس قال ناصحا ترامب:"أنت أقسمت يوم تنصيبك على صيانة الدستور ودستورنا لا ينص عل تعويض مؤسسات الدولة بالفوضى وأذكرك بأن بضعة ألاف من أنصارك الخارجين عن القانون لن يغيروا ذرة من إرادة مئات الملايين من الناخبين الذين يضمنون بأصواتهم حسن سير مؤسساتنا الدستورية التي لم تتزعزع بهذا الشكل منذ 270 عاما!" وبتأخير كبير تكلم ترامب على عجل ليأمر "قواته" بالتراجع والعودة الى بيوتهم واحترام الكونغرس وبالفعل انسحبت هذه الغوغاء وأكمل المشرعون عملهم في النظر والبت في بعض الإعتراضات على النتائج بهذه الولاية أو تلك ولكن بعد سقوط أربعة ضحايا المعلن عنهم الى حد هذه الساعة وإصابة 16 عون أمن بجراح متفاوتة الخطورة في عمليات التصادم بين الفوضويين ورجال الأمن داخل قاعات الكابيتول! إنه يوم سيبقى في ذاكرة الأجيال القادمة وأعتقد أن الدستور يضم بنودا تدين هذه الممارسات وتسمح للمشرعين بإحالة المتسببين في الفوضى على أنظار القضاء وهذه المرة بعد سقوط قتلى! لعل أغلب المحللين والمراقبين على حق حين أجمعوا تقريبا في الحوارات التلفزيونية عشية الإربعاء على أن شخصية دونالد ترامب هي التي كانت المحرك الأساسي للغوغاء لأنها شخصية حسب رأي المحلل النفسي (بيل أندرسون) من جامعة ماريلاند متقلبة وغير واثقة من نفسها وتختلق حولها مؤامرات وهمية بداية من أقرب المقربين منه في الحاشية الحاكمة من 2016 الى 2020!  


أحدث أقدم