أي موقع للمثقف العربي في ظل التحولات التي يشهدها الوطن العربي ؟

 


                                                          حسن ابراهيمي   

                                                                المغرب


 


    


 



 

في تعريف المثقفين ,والثقافة
المثقفون هم مجموعة من العاملين بالكلمة بشتى أشكالها ,المنطوقة ,أو المكتوبة ,أو المصورة ,أو المغناة ,المؤثرين بها على وعي الناس . 1
أما الثقافة فهي الوجه اللامادي للحضارة 2 ,ولقد عرفها أنوار عبد المالك بكونها كل ما يصور تجارب الإنسان شعرا ,ونثرا ,ولونا ,ونغمة ,وشكلا ,وصورة . 3
من هذا المنطلق نود أن نؤكد أن لصراع الإنسان مع الطبيعة أول تأثير على مشاعره ,وكان من بين نتائج ذلك ظهور مجموعة من الأشكال الثقافية ,الفنية ,والأدبية صنفت في إطار أعمال مختلفة منها الخرافة ,الشعر ,القصة ,المسرح ,وغيرها ,ولعل ما يميز هذه الأعمال هو أنها تحمل تناقضات مختلفة تبدت في أغلب الأعمال التي تصور الخوف من بعض مكونات الطبيعة كالبرق ,النار,الرعد ,وغيرها .
كما أن لجمال الطبيعة ,والاستمتاع بها التأثير المهم في ظهور أعمال ثقافية فنية صورت الطبيعة بمختلف تمظهراتها الجمالية . 4
في نفس السياق لابد من التذكير بان للصراع الطبقي الدور البارز في إنتاج مجموعة من النصوص , حيث ساهم في إنتاج تصورات ,أفكار ,ومواقف تم التعبير عنها في إطار نصوص ثقافية فنية حملتها بعض القصائد الشعرية ,نصوص مسرحية ,قصص انضافت إلى غيرها من النصوص التي صورت الواقع في تناقضاته الاجتماعية والثقافية من قبل .
معنى هذا أن مفهوم الثقافة خضع للعديد من المتغيرات ,هذه الأخيرة كانت نتاج التطور التاريخي للمجتمعات ذات الصلة ,وعليه مس هذا التطور كل الميادين ,ومستويات الإنتاج بما في ذلك المستوى الثقافي .
ولهذا يقر البعض أن للثقافة أكثر من مائة وخمسين تعريفا ,كما أن هذه التعاريف لا تفي بالغرض أي أنها ليست تعار يف جامعة مانعة .5
ومن هذه التعاريف ما يراه بعض الانتربولوجيين ذلك أن الثقافة " تتألف من مجموعة من القيم ,والدوافع ,والقواعد الأخلاقية ,والمعاني التي تعد جزءا من نسق اجتماعي معين " ,في حين يقر البعض الأخر بان الثقافة لا تحوي القيم ,والأفكار فقط ,ولكن تتضمن مجموعة كلية متكاملة من النظم التي يعيش بها البشر". 6
وفي إطار النقاش الدائر بين المثقفين حول راهنية الثقافة العربية نتبنى موقف فيصل الدراج من حيث تقسيم المثقفين إلى قسمين : قسم يرى ضرورة الرجوع إلى الماضي من أجل استعادته ,واستعارة أسئلته ,في ظل سياق عربي يختلف تمام الاختلاف عما كان عليه الأمر سابقا .
وقسم ينطلق من الحاضر بأسئلة جديدة تجابه الواقع في مختلف مستوياته , بما في ذلك المستوى الثقافي ,ويعتقد هذا الفريق الذي ندعمه أن التأسيس للمستقبل لن يتأتى إلا بالانطلاق من الحاضر لتجاوز الركود الذي تعاني منه الثقافة بمختلف أشكالها ومستوياتها .7
في نفس السياق وتأسيا على ذلك نعتقد أن أزمة الثقافة تتجلى في عدم القدرة على التأسيس لمشروع ثقافي تاريخي ,في إطار العلاقة بين الثقافي ,والسياسي ,ومن هذا المنطلق تعيش هذه الثقافة أزمة تتجلى في عدم قدرتها على التعبير على هذا المشروع بناءا على كونها تؤسس له ,ولذلك تظل الأسئلة التي تطرحها تنصب حول نقاش مواضيع بأفق محدود .
هكذا تبدو وظيفتها تحمل أزمة غياب هذا المشروع التاريخي ,الذي يفصل بين الثقافي ,والسياسي ,من منطلق التضليل الإيديولوجي الذي تمارسه بعض الإجابات عن أسئلة تستهدف التأثير على الوعي الجمعي العربي, في إطار الرغبة في الحفاظ على نفس الأسئلة التي طرحت من قبل .والعودة إليها من منطلق اعتبار كونها هي الأسئلة التي ينبغي أن تتجدد ,وتتجدر في وعي هذه المجتمعات ,مما يفيد أن أزمة هذه الثقافة تأتي من منطلق
كونها أزمة عدم القدرة على التأسيس لمشروع ثقافي تاريخي يستقصي تغيير البنية الثقافية في إطار مشروع ثقافي بديل .
هكذا إذن تتجلى أزمة الثقافة العربية في عدم قدرتها على النظر إلى الواقع الثقافي في صراعيته , ومن ثم غابت الأسئلة المؤسسة لهذا المشروع التاريخي العربي الراهن ,المشروع الذي لا يفصل بين الكاتب ,والقارئ ,المشروع الذي ينظر إلى الكاتب ,والقارئ على أساس أنهما لا ينفصلان عن بنية لا تقبل إعادة إنتاج الماضي إلا في إطار مساءلته مساءلة نقدية .
ومن هذا المنطلق ينبغي النظر إلى الثقافة العربية من منظور الأسئلة التي تقدم لها أجوبة من منظور نقدي ,ومن ثم الاعتراف بالأخر في إطار التأسيس لمشروع ثقافي ديمقراطي يعترف بالأخر ويختبر أسئلته , ومشروعه من أجل تجاوز الأزمة ,ومن منطلق رفض النتائج المطلقة ,واعتبار كل الحقائق الثقافية نسبية ,8 وفي إطار أيضا الاستقلالية النسبية ,و إن أحيانا يتعذر العمل من هذا المنطلق على اعتبار أن هذه الاستقلالية تتم من منظور استقلال سياسي ,واقتصادي .
بناءا عليه يترتب على هذه الأزمة ما يلي
ارتباط المثقف بالسلطة
إن المثقف في كثير من الأحيان بكل الدول العربية مرتبط بالسلطة باعتبار كونه موظفا ,ويترتب على ذلك عدم قدرته على تقديم سلطته الثقافية ,ومنتوجه الثقافي من منظور نقدي للسلطة نفسها بسبب كونه غير مستقل من حيث ظرفه الاجتماعية ,والاقتصادية ,ولعل في ذلك ما يفيد التأثير على القارئ من حيث طبيعة الثقافة التي يقدمها له .اذ لا تخرج في الكثير من الأحيان على مغازلة السلطة من اجل ضمان وظيفته .9
إن خطورة هذا الوضع تكمن في التضليل الذي يمارسه هذا المثقف على القارئ ,بل على المجتمع نفسه من منطلق احتوائه , من قبل السلطة ,ودفعه للقيام بدور التضليل الإيديولوجي من خلال علاقته بالمؤسسة التي ينتمي اليها ,ومن حيث علاقته بالجماهير سواء كان ذلك مؤسسة إعلامية ,أو غيرها . ذلك أن الدولة بهذه المجتمعات العربية تنفق على هذه المؤسسات ما يمكنها من إعادة إنتاج ثقافة تسعى من خلالها الى الحفاظ على العلاقات السائدة بهذه المجتمعات ,خلافا لما كان عليه الأمر في عصر التنوير بأوربا وإن لا مجال للمقارنة بين بنيتين باختلاف الشروط التي تحكمهما , حيث كان التغيير الذي شهدته أوربا لم يتم إلا بفضل تدخل المثقفين , وانخراطهم في الصراع بوعي ضد الإقطاع في البداية ,وضد الرأسمالية فيما بعد ,الإقطاع الذي يسعى إلى تدجين المجتمعات الأوربية ,والفصل بين العمل اليدوي ,والذهني في إطار مجتمعات طبقية كان الهدف منها هو الحفاظ على نفس العلاقات السائدة داخلها .
ومن جهة أخرى وفيما يتعلق بالدول العربية فإن خطورة الوضع بها يكمن في اشتغال الرأسمال العالمي على إستراتيجية استكمال ربط هذه الدول بالامبريالية ,وهيمنتها على الشعوب العربية , حيث تشتغل هذه الأخيرة على مشروع تقسيمها من أجل ضرب المقاومة الشعبية بها لضمان نهب خيراتها ,وضرب مختلف الإشكال الثقافية بها .
مخاطر هيمنة ثقافة الرأسمال على الشعوب العربية .
تتميز المرحلة الراهنة بتدخل المركز من أجل فرض ثقافته بسبب احتكاره للرأسمال بهدف طمس خصوصيات الشعوب العربية ,ومن ثم تدمير قيم هذه الشعوب ,وتغيير قيمها بقيم المركز ,ومن ثم فالهدف هو التحكم في هذه الشعوب ,واستبدال التفكير في مشكلاته بالتفكير في مشكلات فرضتها العولمة في إطار هيمنة ثقافة المركز على الهامش ومن ثم الاشتغال على إلغاء الخصوصيات ,وإلغاء قيم ثم إنتاجها في إطار السيرورة التاريخية لثقافات الشعوب العربية ونضالها من اجل الحرية والمساواة .
في ظل هذا الشرط التاريخي تتبدى الثقافة العربية عاجزة عن الدخول في صراع ,والاصطدام مع ما ينتجه النظام الرأسمالي من قيم ومواقف تستهدف إفراغ عقول التنشئة ,
وإفراغ الشخصية الوطنية العربية من هويتها ,بهدف استبدال هذه الهوية بهوية يتحكم فيها الرأسمال .باللجوء إلى التكنولوجيا أي تكنولو جيا الاتصال ,وما تمرره بعض وسائل الإعلام من مواقف في إطار برامج تلفزيونية وغيرها . على أن اللجوء إلى طمس هذه الشخصية الوطنية العربية سيهدد تكريس التبعية الثقافية للمركز . حيث يتم ذلك بتمويل من الشركات الكبيرة , التي لها نفوذ وفي ذلك يقول د سالم المعوش " وهذه التكنولوجيا تديرها الشركات الكبيرة ,وتسيطر عليها ,وتتحكم بتوزيع العمل ,والإنتاج في العالم ما ديا ومعنويا " 10
دور المثقفين ,ووظيفة الثقافة العربية
من خلال رصد مختلف المعطيات السابقة نعتقد انه من اجل أن تستعيد الثقافة العربية عافيتها لابد للمثقفين من الاحتماء في تجمعات ,تكتلات بل جبهة عربية على الرغم من الاختلافات السائدة فيما بينهم من أجل تأسيس سلطة ثقافية قادرة على الضغط على الحكومات , و كل المؤسسات من اجل توسيع هامش الحريات في إطار التأثير على المجتمعات ,وضمان ممارسة الحريات ,والحقوق في إطار مشروع ثقافي يتبنى النقد لكل مشروع ثقافي ,ويعترف بالأخر ,ويتعامل معه من منظور الإيمان بالاختلاف . 11
كل ذلك في إطار العمل من اجل خلق سلطة ثقافية فاعلة في كل مجتمع يناضل ضد الجهل ,والأمية ,ولا يحتكم اليهما في إطار ممارسات تضر بالمؤسسات نفسها ,وما تديره من ممارسات ثقافية ,وبالتالي ينبغي الاحتكام إلى العقل بخصوص تدبير الشأن الثقافي , ومن ثم الاشتغال من أجل خلق مشروع مجتمعي يحسم مع الجهل والأمية , ويتبنى العقل في عملية التفكير ,والخلق ,والإبداع بدل التقليد الذي طبع سلوكيات بعض المؤسسات والذي كان سببا من بين أسباب تخلفها.
إن دور المثقف لا ينحصر في التنوير ,والنقد فقط ,بقدر ما يتجاوزه إلى الانخراط الفعلي في عملية الصراع الثقافي من أجل المساهمة في التثقيف ,وتربية التنشئة ,كل ذلك في إطار اتخاذ الثقافة وسيلة للمقاومة ,وعليه ينبغي اللجوء إلى كافة حقول المعرفة وتوظيفها لمواجهة الهيمنة الثقافية للرأسمال العالمي .
من هذا المنطلق ينبغي اللجوء إلى كل التعابير الثقافية وتوظيفها كوسائل لمواجهة هذه الهيمنة التي تمررها بعض المؤسسات الرأسمالية الأجنبية .
وعليه ينبغي اللجوء الى المسرح ,الموسيقى ,الشعر وكل التعابير الثقافية الأخرى التي تتيح للمثقفين الاشتغال من أجل مواجهة الغزو الثقافي للرأسمال الأجنبي للشعوب العربية .
في نفس السياق يقول ادوارد سعيد " ومن المهام المنوطة بالمثقف والمفكر أن يحاول تحطيم قوالب الأنماط الثابتة ,والتعميمات الاختزالية التي تفرض قيودا شديدة على الفكر الإنساني وعلى التواصل بين البشر " 12
كل ذلك في إطار التفاعل مع جمهور القراء ,بهدف التأثير عليهم من أجل تشكيل رأي عام ,وسلطة ثقافية تمكن المثقفين من القيام بدورهم في هذه المجتمعات .
إن مهام المثقفين تتجلى الى جانب ذلك في القدرة على تفكيك الخطابات الثقافية التي يتضمنها كل منتوج ثقافي ,وتحليل كل خطاب ,وإعادة تركيبه بالشكل الذي يوضح الطابع الإيديولوجي الذي يتضمنه كل خطاب ,وبالتالي من أجل تنوير المجتمعات بالحقائق العلمية ,والمعرفية في إطار مهام النقد الذي ينبغي أن يصدر عن كل مثقف ملتزم بقضايا شعبه .
كل ذلك من موقع الناقد الذي يرصد الواقع في تناقضاته ,وتحولاته ,وليس في سكونه , ثباته وبالتالي الإقدام على تفسير الميكانيزمات المتحكمة في التحولات التي تشهدها كل مرحلة ,على أساس النقد الموضوعي لكل ظاهرة ,والوقوف عند شروطها التاريخية التي تتحكم فيها .
ان المثقف العضوي بهذا المعنى هو من يتمكن من رصد الظواهر من أجل الكشف عن القوانين التي تتحكم فيها لا باعتبارها ظواهر مألوفة ,ولكن باعتبارها ظواهر خضعت في بنائها لقوانين أفضت إلى ظهورها ,وتطورها بالشكل الذي هي عليه ,إنه بهذا المعنى لا شيء محكوم بالثبات ,كل الأشياء وإن ظلت لوقت طويل غير قابلة للتغيير فانها بعد ذلك سوف تتغير وفقا للسيرورة التاريخية التي تتحكم فيها .
على ضوء هذه الأرضية ينبغي على المثقفين أن يتوجهوا للجمهور من أجل تنويره بأن كل ظاهرة ينبغي أن تكون موضوع بحث ,وبهذا سينتج المثقفين خطابات لها معان للإسهام في بناء سياسات ثقافية ,والتوجه بواسطتها للجمهور على أساس أن تشمل التنشئة لدعمها في اكتساب آليات التحليل ,والنقد ,وعدم الركون لأي حقيقة ثقافية مطلقة معطاة سلفا .
كل ذلك من أجل المساهمة في تطور هذه المجتمعات ,وتقدمها ,وعليه ينبغي إعادة الاعتبار للثقافة الشعبية , بمختلف مكوناتها لإعطائها مكانتها من خلال تخصيص اعتماد مشرف لها من أجل تدوينها ,وبرمجة تدريسها ضمن البرامج الدراسية ,ودعم الكتاب ومساعدة الكاتب والقارئ على القيام بدورهما من خلال تحسين اوضاعما الاجتماعية ,والاقتصادية .
أيضا ينبغي تخصيص دعم مشرف للبحث العلمي لتمكين الجامعات من أجل أن تقود التطور المرغوب فيه بهذه الدول أيضا ينبغي العمل على تأسيس ,وتمكين مراكز البحث العلمي لاستشراف المستقبل وعمل هذه الحكومات بنتائج أبحاثها .
ولعل ذلك لن يتأتى إلا بتأسيس تجمعات للمثقفين من أجل الضغط عل حكوماتهم بهدف الربط بين المعرفة ,ووجهات النظر الصادرة عن الجمهور ,أي من خلال التدخل لجعل ا لمعرفة وسيلة للتفكير ,أي جعلها وسيلة لاتخاذ الموقف المناسب تجاه أي ظاهرة من الظواهر التي يفرزها المجتمع ,بهذا الشكل ينبغي على المثقفين التدخل من اجل تبسيط الآراء ذات الصلة ببعض النظريات ,وجعلها أسسا في التفكير والفهم ,من أجل التمكن من التأسيس لطرق سليمة في التفكير,بدل إفساح المجال لمؤسسات الرأسمال الأجنبي من أجل التغلغل في المجتمعات العربية ,لإفساد الادواق بها ,وعدم احترام الشرط الإنساني بها .
1ينابيع الثقافة ودورها في الصراع الاجتماعي بوعلي ياسين ص 5
2نفسه ص 5
3دراسات في الثقافة الوطنية أنوار عبد المالك ص 201
1 4ينابيع الثقافة ودورها في الصراع الاجتماعي بوعلي ياسين ص 11
5 كراسات السجن انطونيو غرامشي ص 15
6 نفسه ص 15
7السياسة والثقافة فيصل الدراج ص 236
8 .نفسه ص 241
9نفسه ص 279
10عولمة الفقر ميشيل تشودو فيسكي ترجمة محمد مستجير مصطفى ص 63

11 الرهان الثقافي وهم القطيعة عبد الله حمودي ص 196
12المثقف والسلطة ادوارد سعيد ص 19

أحدث أقدم