الدكتورة لطيفة لبصير تكتب لكم ./اعلام فيروسي

                                    

                                                        لطيفة لبصير


لم أكن أعرف بأن شبح الوباء يمكن أن يتمظهر في أعراض مشابهة لأعراض الوباء ذاته، إلا حين بدأت صديقتي تعيد التحليل المخبري للفيروس مرات ومرات، ورغم محاولاتي اليائسة لإقناعها أنها مجرد أعراض نفسية تضخمت عن طريق محاكاة أعراض المرض، إلا أنها لا تصدق ذلك إلا حين تجري الاختبار وتصل إلى النتيجة السلبية.

يبدو أن لفظة إيجابية في تحليل الفيروس ليست إيجابية بإطلاق، فهي لفظة تنطوي على شيء من السلبية في الآن ذاته، ذلك لأنها تهوي بالشخص في متاهات العلاج المادي والمعنوي أيضا، فهو لا ينفك يتيه في منعرجات ما قد رآه وسمعه وقرأه وعلمه، حتى أنني أستعيد قول الطبيب النفسي ذات يوم وهو ينظر إلي ويعلق بهدوء: لو أن كل المرضى لا يفقهون شيئا في العلم، لارتاحت البشرية، فالكثير من المرضى الذين لا يطلعون على كل ما تتناقله وسائل الاعلام، يعالجون بسرعة أكثر من الناس المتابعين لكل ما يصدر من آراء وأقوال ومعارف ومعلومات وفيديوهات تتحدث عن الوباء.

يبدو أننا خاضعون اللحظة إلى خطرين محدقين بنا، فبينما يتنامى فيروس كوفيد وتصبح له تبعات وأرقام ووفيات مهولة، وهو فيروس بيولوجي مدمر، يتنامى معه أيضا فيروس إخباري يتفرع وينبت مثل جذمور لا نستطيع التخلص من قبضته، ويصير أشد فتكا من الفيروس ذاته، على الرغم من عدم وعينا بما يفعله فينا وفي أنفسنا وأجسادنا، وكأنه يمر عبر الهواء، فنستنشقه صباح مساء إلى حد تمكنه منا وسيطرته على عقولنا وأعصابنا وأحلامنا، فنصبح وكأننا حاملين للفيروس الإعلامي التاجي الذي في نظرتنا لكل ما يحيط بنا في هذا العالم المريض.

مرت أزمنة موغلة في التاريخ عاشت فيها البشرية هذا الرعب الداخلي من الأوبئة، لكن الرعب الذي يخالجنا اليوم مختلف تماما عما عرفته البشرية سابقا، وذلك بفعل سرعة انتشار الخبر واختلاقه في الكثير من الحالات، ولذا أصبحنا أشبه بمن تقيده هذه "الشبكات" الاجتماعية التي تتحرك في كل اتجاه وتقتنص كل الأشخاص ذكورا وإناثا شيبا وشبابا. إن الخبر حين يمر عبر قنوات عدة مثل الفايسبوك وتويتر والانستجرام وغيرها، سرعان ما يتحول إلى حقيقة مطلقة،  ذلك أن المصادقة عليه تأتي من هذا الانتشار السريع والواسع الذي يجعل منه خبرا لا يقبل النقاش، خاصة لو تعزز ذلك بالصور والفيديوهات وشهادات أشخاص وظيفتهم الأولى نشر الإشاعة، وهو ما ينتج عنه فقدان لفظ الحقيقة لأية قيمة، فيصل الأمر إلى أن تصبح الحقائق كلها منزوعة الرؤوس خاضعة للهوى .

أمام ما يحدث، نتساءل في كل يوم عن طرق التعامل مع هذه الأصوات الشبكية التي أخذت تصنع الرأي العام، والتي تلعب بالعقول كما يحلو لها، وتوظفها لخدمة مصالحها الذاتية والرفع من عدد متابعيها، وهي أصوات تنتشر مثل فيروسات لامرئية تفتك نفسيا بكل من اقترب منها أو احتك بها، مثل فتك الفيروس التاجي بأجساد ضحاياه الذين ترتفع أعدادهم يوميا، لدرجة ننسى معها أننا إزاء أجساد ذات أرواح تفارقنا مخلفة وراءها مآس إنسانية، ذلك لأن الأعداد والأرقام تقتل الإحساس وتحول الأرواح إلى مجرد أشياء.  

في حياتنا الآن، بفعل هذا الفيروس الإخباري، الكثير من الأعطاب، وربما كان من بينها توقف المشاريع الشخصية التي أنهاها الإحساس بالفناء الذي يقضي في كل اللحظات على رغبات كان الانسان يستثمرها في كل يوم كي يحقق وجوده الذاتي، ذلك لأن الرغبات لا تنتعش إلا في مناخ يغمره التفاؤل، بينما يغرقنا الفيروس بحصيلته الثقيلة عبر العالم وبتهديده للاقتصاد في حالة من التشاؤم التي تربك كل مخططاتنا. 

صديقتي ما زالت تبحث عن الفيروس بين الفينة والأخرى، ولن ترتاح إلا حين سيعلن لها التحليل المخبري أنها قد أضحت من ضحاياه، ربما آنذاك ستتحرر من الخوف من الإصابة منه، والتي هي أشد ثقلا من الإصابة ذاتها، صديقتي رغم الكثير من الكلام الذي نمقته لها عن النفس وما يجاورها من ارتباك، فهي لا تصدق ما أقول... ذلك أن الطمأنينة تأتي من الداخل، ولأنها كذلك ينبغي أن نعد للوباء ما استطعنا من قوة في النفس وسكينة في الروح وأمل في الغد واشتغال يومي عنيد على أنفسنا وذواتنا... ذلك لأن على هذه الأرض ما يستحق الحياة.


أحدث أقدم