اشكاليات الاراضي الاشتراكيه في تونس



بقلم  الاستاذ محمد الهادي الحاجي




نشأت الأراضي الاشتراكية في تونس منذ 1903، وقد دعّمها الاستعمار الفرنسي الذي أراد حصر البدو والرحل في مناطقهم حتى لا يكونوا عامل ضغط وقلق، الأمر الذي جعل العشر السنوات الأولى التي تلت احتلال فرنسا لتونس تسمى "استعمار الخواص"، ولتحقيق ذلك كان لابد من مبادرة السلطات الاستعمارية بالبلاد إلى سن قوانين وتشريعات جديدة من شأنها أن توفر للمستثمرين كل الضمانات ذلك كان لابد من وضع تشريعات متماشية مع نمط الاقتصاد الوافد لتمكين الرأسماليين الفرنسيين من شراء الأراضي التونسية في مأمن من كل أخطار النظام العقاري المحلي.

إن أبرز ما يميز الأراضي الاشتراكية أنها ذات صفة عقارية غامضة، فهي موجودة ماديا باعتبار أهلها يعيشون عليها ويحاولون استغلالها، ولكنها غير موجودة من الناحية القانونية، لأنها غير مسجلة وغير قابلة للتسجيل في الدفاتر العقارية للبلاد التونسية، وهو ما يجعلها غير قابلة للبيع أو الرهن أو الشراء، وتعتبر جهة النظر في النزاعات الخاصة بالأراضي الاشتراكية هي مجلس الوصاية ومن تحته مجلس التصرف، كما أن الأراضي الاشتراكية لا تعترف بالوثائق المكتوبة مثل العقود التي كانت تثبت الملكية أوالحوز من شخص إلى آخر، وفي حالات النزاع أو الصراع يكتفي مجلس التصرف بالشهود التي يجب أن يقدمها أطراف النزاع، وهي نقطة كثيرا ما يقع استغلالها في قانون الأراضي الاشتراكية، وهو ما جعل الكثير ينتصب عليها، فهم كما يقولون "داخلين في الربح خارجين من الخسارة" مشغلين طول مدة النزاع وفي النهاية يمكن أن يربحوا أرضا ليست ملكا لهم، والخاسر الوحيد هو المالك الحقيقي.

كان من مصلحة الاستعمار استغلال قانون التسجيل العقاري المستهدف للأوقاف العامة واستغلاله لبعض المنافذ الفقهية وتطويعها تمكينا للمعمرين منها، حيث مكن الفصل63 منه  صاحب "الإنزال" -المطالب فقهيا بدفع معلوم قار ومستمر كمستنزل- من يملك العقار وذلك بتعريف الفصل المشار إليه للإنزال بأنه "ملكية عقارية خاضعة لأداء دائم"  وقد صدر قانون 22 جانفي1905، الذي يعتبر شراء الإنزال لا يكون دفعة واحدة، وإنما بتسديده على عشرين قسط وهو تقسيط مريح. وصدر قانون 14 جانفي1901 الذي يعتبر الأراضي المستولى عليها ملكا للدولة، وليس لأهلها إلا حق الانتفاع الآني، وأردفته بقرار 13 أوت1905 الذي أصبحت بموجبه كل أراضي الفراشيش مثلا اشتراكية، مع الإشارة إلى أنه يوجد شكل آخر من نظم قانونية قديمة لحفظ أملاك الدولة العقارية من خلال الأمر الصادر سنة 1918 الذي أنشأ بموجبه لجاناً بعثت سنة1992 تبحث على ما عساه أن يرجع للدولة من عقارات، وهي نفس السنة التي أحدثت فيها وزارة أملاك الدولة والشؤون العقارية. ومن هذا المنطلق يمكن القول بأن القوانين الاستعمارية لم يقع إبطالها في ظل الدولة الوطنية، حيث وقع اعتمادها لتسيير الشؤون العقارية.

ما يزال ملف الأراضي الاشتراكية في ولاية سيدي بوزيد من الملفات الشائكة، التي تنتظر حلولا جذرية في جهة تشكو التهميش وغياب التنمية، ويشير عديد المختصين والمستثمرين والمسؤولين الجهويين بالجهة إلى أن التنمية في جهة سيدي بوزيد مقترنة وشديدة الارتباط بحل إشكال الأراضي الاشتراكية.

تمتد البلاد التونسية على قرابة 16,36 مليون هكتار من الأراضي منها 9 ملايين هكتار أراضي فلاحية ثلثها 3 ملايين هكتار ذات صبغة اشتراكية. ويعرف قانون عدد 28 لسنة 1964 الأراضي الاشتراكية على أنها عقار غير قابل للحجز والتفويت فيه ولسقوط الحق بمرور الزمن وهي راجعة إلى الإشراف الإداري للدولة وإلى المجموعة التي تتصرف فيها حسب الشروط المضبوطة، وتوجد أهم هذه الأراضي بالجنوب التونسي (ولاية تطاوين 700 ألف هك) ، وهي مساحة شاسعة تم حل جزء ضئيل منها، وتبلغ نسبة الأراضي الاشتراكية في سيدي بوزيد 46,65% من المساحة الجملية للولاية، وتتجاوز مساحة الأراضي الدولية 30% من المساحة الجملية لهذه الجهة، منها 14,5% أراضي فلاحية فيما تمثل أراضي الأحباس 17,41% من المساحة الجملية . وقد تخلّى عديد الباعثين والمستثمرين عن فكرة الانتصاب بالجهة نتيجة الصعوبات وتعقيد عملية تغيير صبغة هذه الأراضي التي تعيق تطوير الأنشطة الفلاحية إذ يعجز الفلاحون عن الحصول على قروض فلاحية أو رهن الأراضي المشغلة بسبب عدم امتلاكهم لشهادات الملكية التي تعتبر شرطا أساسيا للتمتع بتلك القروض.

هذه الإشارة للتدليل على عمق الصراع حول الأراضي في الذاكرة الجماعية المحلية.

يرى بعض المختصين أنه لتجاوز الصعوبات العقارية لابد من الحلول التالية: 

  • تطوير المؤسسات المتدخلة في المحافظة على الرصيد العقاري وتصفية الأوضاع العقارية كالمحكمة العقارية التي هي في حاجة للدعم المادي والبشري، حتى تقوم بدورها في نطاق المسح وتحيين الرسوم العقارية، وإعادة هيكلة الملكية العقارية بما يتماشى مع ضرورة حفظ الحقوق بسبل إجرائية أسهل وأنجع.

  • تدعيم تدخل وزارة أملاك الدولة التي يعود لها حفظ أملاك الدولة في مجال الرصيد العقاري من وزارة أملاك الدولة إلى إصلاح المنظومة العقارية ليصبح اسمها وزارة أملاك الدولة والإصلاح العقاري، إضافة إلى ضرورة الربط بين جميع الإدارات المتدخلة في عملية الإصلاح، الوزارة والمحكمة العقارية وإدارة الملكية العقارية وقيس الأراضي، ووزارة التجهيز ووزارة الفلاحة…

  • إعادة صياغة النصوص القانونية كإطار تشريعي ليكون أكثر مرونة وجدوى، فقد ظل الإطار القانوني بطيئا ولم يواكب سرعة التطور الاجتماعي والاقتصادي الذي طرأ. كما يمكن مراجعة القانون الحالي الضابط للنظام الأساسي للأراضي الاشتراكية (قانون عدد 28 سنة 1964)، بما يمكن من رفع الصيغة الاشتراكية عن العقارات والمساحات التي تمت بها عملية التحديد والتحكيم.

  • الهياكل المهتمة بعمليات التصرف والتصفية العقارية:

  • مجلس التصرف: يجتمع هذا المجلس للنظر في الوثائق الخاصة بكل قطعة أرض معروضة للإسناد على وجه التحويز، ويقع انتخاب أعضاء هذا المجلس وعددهم 5 أفراد أحدهم رئيس المجلس، ويشترط في المترشح لهذه العضوية أن لا يقل عمره عن 30 سنة وأن لا يكون صاحب سوابق عدلية، وينتخبون لمدة 5 سنوات، يستند هذا المجلس في عمله على خبير في الشؤون العقارية كما يقع استدعاء جيران كل قطعة مطروحة على الإسناد. كما أن من مهام مجالس التصرف مسك حسابات مختصرة للعمليات المالية للمجموعة.

  • مجلس الوصاية المحلي: وهو عبارة عن همزة وصل بين مجلس التصرف ومجلس الوصاية الجهوي، ويتكون المجلس المحلي من المعتمد كرئيس وأعضائهم:

  • حاكم يعينه رئيس المحكمة الابتدائية، وممثل عن وزارة الفلاحة وممثل عن اتحاد الفلاحين وممثل عن مجالس التصرف بالمجموعات.

  • مجلس الوصاية الجهوي: نص القانون العقاري المؤرخ في 1964 على تشكيل هيكل يرأسه الوالي، وهو مجلس الوصاية الجهوي، ويضم ممثلين عن وزارة العدل والمالية والفلاحة واتحاد الفلاحين. ويضم ممثلين عن مجلس التصرف المحلي الذي تخصه عملية التحديد والإسناد يعينها الوالي باقتراح من المعتمد.

إذا كان هناك نزاع او صراع بحدود أراضي مشتركة يعلم مجلس الوصاية الأطراف المتنازعة عن طريق العمدة بتاريخ توجيهه إلى مكان النزاع للقيام بالأبحاث، ويعرض الصلح وإذا استحال ذلك فإنه يضبط الحدود بنفسه، ويرسم المهندس من ديوان قيس الأراضي حدود الأرض حسب ما ضبطها المجلس، كما يمكن لرئيس هذا المجلس استدعاء من يراه مناسبا وذا فائدة في حضوره وله وظائف:

  • التنسيق في أنشطة مجال التصرف المحلية وضبط برامج إحياء الأراضي الاشتراكية بالتنسيق مع الهياكل الفلاحية التابعة لوزارة الفلاحة وترسيم الحدود للأراضي الاشتراكية والنظر في الصراع القائم بسببها ومراقبة التصرف المالي لمجالس التصرف.

يشرف على هذه الأراضي وزير الفلاحة والوالي ومجلس الوصاية الجهوي ومجلس الوصاية المحلي ومجلس التصرف.

يمكن الإشارة في هذا السياق إلى أن الأراضي الاشتراكية في سيدي بوزيد تمثل نسبة 46.65٪ من المساحة الجملية للولاية أي قرابة نصف أراضي الجهة اشتراكية، وهو ما يجعل شهادات الحوز تسند في جزء منها باسم أفراد أو مجموعات عروشية (أبناء فلان وورثة فلان…) وينسب الأجوار في الغالب إلى العشائر والقبائل وليس لأسماء العائلات. 

يمكن في هذا السياق الإشارة إلى أنه رغم إخفاء الصفة الإدارية والفنية على مجالس التصرف ومجالس الوصاية، إلا أن التمثيلية القبلية والعروشية لا تزال قائمة، ويكتسي رأي ممثلي العرش أهمية بالغة في توجيه الوضعية العقارية وفض النزاع، رغم مبدأ الانتخاب والقوانين المنقحة فإن عملية فرز ممثلي مجالس التصرف لا يزال محددا بارزا في الواقع الاجتماعي .فالأعيان والوجهاء في العرش والدوار هم الأكثر حظوظا من غيرهم لفك العضوية في مجالس التصرف والوصاية، وهي مكانة تستند لمؤشرات مازالت ذات قيمة اجتماعية كالسن والنسب العائلي والتاريخ الاجتماعي والوضع المادي والاقتصادي، وهي متغيرات لم تختف من المشهد الاجتماعي، فهناك أفراد لهم القبول بما أنهم على قرب من السلطة والعمل الإداري، ولهم قدرة على الحوار والكلام ومتسيسون لما فيه مصلحة الجماعة، دون الاهتمام بالجانب التعليمي أو المستوى الثقافي كمحدد من محددات الترشح، وهو ما يعني استمرارية العوامل التقليدية كمقاييس.

و في الإشارة إلى مجالس التصرف ومكوناتها يذكرنا ذلك بمجلس "الميعاد" الذي يجسد تمثيل القبيلة في المجال السياسي والأمني. فالدارس لجهة سيدي بوزيد، يقر بوجود تحولات مهمة لمنطقة من مناطق الوسط الغربي ورقعة من التراب الوطني التونسي، ذلك من خلال الاندماج الوطني وتطور العلاقات الثانوية.

إن التعلق بالأرض هو القيمة الكبرى في حياة الفلاح في الريف، وهي تمثل أصله  وهويته وجذوره وحياته ورزقه ويريد الموت فيها أيضا فهي رمزية ارتفعت للتقديس، فكلما نقول أرض بالتوازي نقول فلاح فهما متلازمان، متكاملان لا يقبلان التفرقة أو التجزئة فهو بدونها يعتبر فقيرا، وبها وإن كانت جرداء ذا معنى وقيمة، فهي مصدر رزقه ومنبع عولته، ومكان بيته المتوارث عن الأجداد. أمام هذه الدلالة والمعنى للأرض نفهم إذا حساسية الصراعات أو الخلافات حول الأرض، حتى الأقرباء في الدم، بين الإخوة وأبناء العم وأفراد العائلة الواحدة، إذ كثيرا ما تنشب خصومات تؤدي حتى للقتل، حول ملكية الأرض وحدودها، وهو ما يمكّننا من القول بأن الأرض هي قيمة اجتماعية ذات معنى ودلالة، فهي التاريخ والهوية والذات في نفس الوقت لأنها تختزل الحياة بالنسبة للفلاح، الذي لا يمكن اجتثاثه منها فحتى أمام الآلة الميكانيكية الجبارة لا يتزحزح، وكم من حادثة يدهس فيها فلاح دفاعا عن حدود أرضه أو ملكيتها، واقعا أمام خصمه.

فالأرض ليست ثمارا لغراسات وخضر فقط بل هي مقوم من مقومات تشكل الذاكرة الجماعية والشعبية، تمثل مصدر إلهام اجتماعي وتعكس نظرة الفلاح للحياة عندما يستمد منها أشعاره وأمثاله ومخزونه الثقافي والنفسي فهو يقول عن الأرض بأنها "كالعِرض".

"وما أغلى من العِرض كان الأرض" و"اللي باع أرضو ضاع عرضو" و"ارحل عن الأرض ولا تبيعها"، وهذه الأمثال تعكس مدى الحضور القيمي للأرض، رمز العطاء والخصب والطموح والأمل والمستقبل فهي دليل الفلاح، وقد قال لي أحد الفلاحين حرفيا أنه يستنشق منها "ريحة الجدود يوميا"، ويمكن القول في هذا السياق أن حالة الأرض في خصوبتها أو جفافها كثيرا ما ترتبط بأحاسيس الفلاح وفرحه أو حزنه، فهو ينتظر الأمطار مستبشر بمواسم واعدة خاصة الذي لا يمتلك البئر وأرضه بعلية. وهذه القيمة للأرض ليست نفسها لدى أهل المدينة، إذ يعتبرها البعض رمزا للتعب والفقر، والبعض يعتبرها مصدر رزق تكميلي، ويعتبرها البعض الآخر رمزا للعمل الفلاحي اليدوي غير المنتج وهم خاصة الموظفون، ونجد من سكان المدينة من باع أرضه في الريف لاقتناء أخرى للسكن في الحضر، وكثيرا ما يقع خلاف أو خصام بين أحد أفراد العائلة وأخوته نتيجة إعلانه بيع منابه أو نصيبه من "أرض الأجداد".

محمد الهادي حاجي – باحث في علم الاجتماع






D:\Bureau\haji\photos haji\103622475_271587017377370_9104771759705062916_n.jpg
أحدث أقدم