استراحة ثقافية/ في معنى قول . اذا قالت حذام


إِذَا قَالَتْ حَذَامِ فَصَدِقُوهَا

إعداد - د. محمد سبيل

الثقافة بمعناها الواسع، تشمل كل تجليات التعبير المشترك كالحِكَم والأمثال الشعبية وكل الموروثات. إنها وليدة تفاعل الناس ومتطلبات حياتهم، ليتم تناقل المنجز جيلاً بعد جيل ضمن منظومة الهوية. هنا نتلمس عروق الذهب الذي بلورته التجارب حتى انتهى إلينا عبر اللغة بما يلخص قصة عناق طويل مع الحياة.

يشي المثل «إِذَا قَالَتْ حَذَامِ فَصَدِقُوهَا» بالقول الفصل الذي يكتسب مصداقيته من صاحبه الذي لا يعرف عنه الخطل ولا الزلل، ويمكننا أن نجريه في زماننا هذا على وكالات الأنباء التي تحترم مهنيتها فلا تورد أخباراً مغرضة أو غير مؤكدة.

وقد سميت حَذامِ بهذا الاسم لأن ضرتها حذمت يدها بشفرة، فصبت حذام عليها جمراً في المقابل، فبرشت الضرة، وسميت البرشاء «بمعنى أن في لونها نُقطاً مختلفة»، وأما صاحبة المثل فهي حذام بنت الريان بن خسر بن تميم.

وقد ذكر المؤرخون أن عاطس بن الجلاح الحميري صار إلى قومِها في جموعٍ فاقتتلوا، ثم رَجِعَ الحميري إلى معسكره وهرب قومُها، فساروا ليلتهم ويومهم إلى الغد، ونزلوا الليلة الثانية، فلما أصبح الحميري ورأى جلاءهم اتبعهم، فانتبه القطا من وقع دوابهم، فمرت على قوم حذامِ قِطَعاً قِطعاً، والعرب معروفة بالفطنة واستنباط الأخبار من تصرفات الحيوان، فخرجت حذامِ إلى قومها فقالت:

ألا يا قَومَنا ارتَحِلُوا وسِيرُوا فَلو تُرِكَ القَطَا لَيلاً لَنَامَا

فقال زوجها الشاعر لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل:

إِذَا قَالَتْ حَذَامِ فَصَدِّقُوهَا

فَإِنَّ القَولَ مَا قَالَتْ حَذَامِ

فارتحلوا حتى اعتصموا بالجبل، ويئس منهم أصحاب عاطس فرجعوا،

وهكذا أصبح اسم حَذامِ مضرب المثل في صدق القول، وصحة النقل، فمن الأمثال التي أوردها أبو عبيد القاسم بن سلام في كتابه: القول ما قالت حذام كما أورده غير واحد ممن جمع أمثال العرب.

ويقال لمن اعتمد قولُه في نقل الآراء العلمية: حذام المذهب... وقال صاحب المثل السائر عن أبي تمام: وكان قوله في البلاغة ما قالت حذامِ..

وقد تمثل بهذا المعنى كثير من الشعراء والأدباء والكتاب العرب تعزيزا لما يذهبون إليه من قول، فقال المعري:

إِذا ما جاءَني رَجُلٌ حُذامٌ

فَإِنَّ القَولَ ما قالَت حَذامِ

وقال آخر:

أندى يداً في الجودِ من حاتمٍ

أصدق في أقوالهِ من حَذامِ

واستشهد بالبيت غير واحد من النحاة على بناء الأعلام المؤنثة التي جاءت على وزان «فَعَالِ» على الكسر دوماً، فتقول: جاءت حذامِ، ورأيت حذامِ، ومررت بحذامِ، وذلك في لغة الحجازيين، وخالفهم بنو تميم فأعرب بعضهم هذه الأعلام بالضم رفعاً، وبالفتح نصباً وجرًا، وفصّل بعضهم بما تراه عند العلامة ابن هشام في أول القطر، واستشهد بهذا البيت قديماً 

المبرد في كتابه «الكامل».

-----------------------

نقلا عن جريدة البيان الاماراتية

أحدث أقدم