الاستشراق الجديد: مشروع هيمنة سياسّية وإقتصادّية وإيديولوجّية

                                       







 بقلم الاستاذه عفاف الغربي

سنعود بالتاريخ إلى الفترة التي برزت فيها ظاهرة اإلستشراق التي يصعب تحديد فترة ظهورها بالتدقيق لكن أغلب الدراسات المعالجة لها حددت الفترة بين القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر وصوال إلى الحقبة اآلنية المعاصرة، فهو مفهوم يتواصل ويتغير بتغيرات العصر والمجتمعات في تجاذب وأخذ ورد بين الغرب والشرق. وبدأت ظاهرة اإلستشراق في منحى ديني محمل بأبعاد سياسة، فبروز الدين المسيحي وتنامي قوته في تنافس مع إشعاع الدين اإلسالمي أنتج خالفا وعداوة كبيرة بين الغرب المسيحي والشرق اإلسالمي. ففي العصور الوسطى لم يكن للغرب أدني فكرة على الحضارة العربية اإلسالمية , لكن جراء كثرة الحمالت اإلستعمارية واإلستكشافية أصبح عند الغرب معرفة بدول المشرق وخصوصيات الدين اإلسالمي في كل تمظهراته. شهد الشرق تدفق العديد من الرحالة واألدباء والباحثين من دول الغرب لدراسة دول المشرق والغوص في خصوصيات عادتهم وظروف عيشهم, ولقد سمي ذلك بظاهرة "اإلستشراق"، عبر النبش في الخصوصيات العربية المشرقية حبا للمعرفة وبحثا عن المال ووصوال للرغبة في السيطرة واالحتالل. وظهر لفظ "اإلستشراق" بظهور اللفظة ألول مرة باإلنجليزية عام 1779ثم بالفرنسية عام 1799 ،وقبل تبني 1 األكاديمية الفرنسية لكلمة "إستشراق "في 1838 . وبالعودة إلى مفهوم "اإلستشراق" (Orientalisme ،(حسب المنظر األدبي الفلسطيني-األمريكي "إدوارد سعيد" ضمن كتابه "اإلستشراق" المنشور سنة 1978 ،هو: " قافّية لل ّشرق من ّ دراسة كافّة البنى الث لتدليل تقليد أو تصوير جانب وجهة نظر غربية. وتستخدم كلمة االستشراق أيضاً من الحضارات الشرقية لدى الرواة والفنانين في الغرب. المعنى األخير هو معنى مهمل ونادر استخدامه، واإلستخدام األغلب هو دراسة الشرق في العصر اإلستعماري ما بين القرن الثامن عشر والتاسع عشر. لذلك صارت كلمة اإلستشراق تدل على المفهوم السلبي وتنطوي على التفاسير المض ّرة والقديمة للحضارات 2 الشرقية والناس الشرقيين... 1978." فعاد الكاتب إلى المفهوم في ظاهره لكونه دراسة لتوجهات إجتماعية ثقافية للشرق واإلهتمام بها فكريا من نيا من خالل اللوحات التي تعكس الحياة المشرقية بوجهة نظر غربية خالل الكتابات والدراسات حولها, وفّ بحتة، مشيرا إلى النزعة الغربية القائمة على السلطة والتسلط وعلى أساسها ظهر اإلستشراق حيث كان في بداية األمر يحمل جانب اإلسكشاف لمظاهر مشرقية والمغامرة والبحث عن الجديد وسرعان ما تحول اإلستشراق إلى ظاهرة أسسها سياسية في أطر سميت بالحماية شكال ولكن بنزعة إستعمارية في مضمونها. وفي المعنى اإلصطالحي مفهوم اإلستشراق هو يعني "علم الشرق أو علم العالم الشرقي " و ّعرف البعض 3 حسب "عبدهللا محمد األمين" اإلستشراق أيضاً بأنه: "ذلك التيار الفكري الذي تمثل في الدراسات المختلفة " وأحياناً يقصد به: "أسلوب 4 عن الشرق اإلسالمي، والتي شملت حضارته وأديانه وآدابه ولغاته وثقافته للتفكير يرتكز على التمييز المعرفي والعرقي واأليدلوجي بين الشرق والغرب". ومرة يراد به: "ذلك العلم 5 الذي تناول المجتمعات الشرقية بالدراسة والتحليل من قبل علماء الغرب ." ووفد العديد من الغربيين إلكتشاف مظاهر عيش وعمارة ونمط غير مألوف عند الغرب, فكان نتاج هذه الرحالت العديد من المؤلفات والدراسات واللوحات الفنية التي أظهرت الطابع المشرقي بصورة حسية تنقل ما عايشوه إما بالحكاية أو بالتنقل على عين المكان لخوض تجربة اإلستشراق. لكن كما لإلستشراق جوانب مميزة تعكس الطابع اإلستكشافي ألطر مكانية وجغرافية جديدة وحضارات ومروث إنساني بعيد عن المالمح الغربية إال أنها ظاهرة تخفي ورائها جانب مظلم تختفي في طياته نزعة حب التملك والسيطرة التي يتصف بها الغرب. فكان اإلستشراق يعالج واقع إجتماعي خاضع لواقع سياسي ببعد فني عالجه العديد من الفنانون بتقنيات وآليات تشكيلية كالرسم والنحت الذي عكس حياة شعب وحضارة مشرقية متعمقا في موروثها الحضاري والثقافي وعاداتها وتقاليدها التي سحرت المغامرين والمستكشفين والرسامين وكان لمؤلفاتهم ولوحاتهم التي حاكت الشرق تأثير كبير على تطور الثقافة عند الغرب عبر التقيد بالتجارب اإلستشراقية ومحاولة النهل منها وحتى السيطرة على ثرواتها بسلطة جيوسياسية إيديولوجية. سيطرت القوى المادية بشكل كبير على العالم في الفترة الحديثة وصوال للفترة المعاصرة، فكان هو المدخل الذي تمكن الغرب من خالله في فرض الهيمنة على شعوب العالم خاصة المشرقي والعربي، فالعالم الغربي يمتلك حضارة قائمة على المادة فسهلت المد الغربي على العوالم العربية والمشرقية والمسلمة لضعفها المادي مقارنة بالغرب. فساهمت ظاهرة االستشراق ومحاكاة البيئة المشرقية بكل تمفصالتها اإلجتماعية والثقافية والفكرية واإليديولوجية من ظهور الفكر األوروبي اإلستعماري للبالد العربية والنهل من ثرواتها الفكرية الثقافية وزرع روح غربية ضمن حضارتها في إطار انفتاح وتفاعل بين الثقافتين، وخلق مناهج فكرية ومؤسسات تعليمية تتكون عبرها الفنون واإلبداعات. لكن إلى جانب التبادالت الثقافية قامت العالقة بين الغرب والعرب على صراعات وحروب على الفضاءات الجغرافية تحت غطاء الفن ليكون اإلستشراق مفهومه ومقصده األصلي خدمة لمصالح الهيمنة الغربية عبر النزعة اإلستعمارية واإلحتالل الجغرافي والجيوسياسي للعالم العربي. فمثل مصطلح "االستشراق" من أكثر المفاهيم والعبارات جدال على الصعيد الفني وحتى على الصعيد السياسي. وقسم اإلستشراق إلى مراحل هذا ما ذهب إليه الّدكتور "المبروك المنصوري" في كتابه "الّدراسات الّدينّية المعاصرة من المركزّية الغربّي قافّية: اإل ّ ة إلى الن ستشراق، القرآن، الهوّية والقيم الدّينّية"، إذ ق ّسم ّسبّية الث اإلستشراق إلى ثالث مراحل أساسّية هي: "اإلستشراق اإلستعماري (Orientalisme Colonial " ( و"اإلستشراق ما بعد اإلستعماري (Orientalisme Colonial Post " (ومرحلة "اإلستشراق الجديد " (Orientalism New(وهي مرحلة ظهرت مالمحها في بداية هذا القرن. 6" أما حسب "إدوارد سعيد" فاإلستشراق " رؤية سياسية للواقع، رؤية الفرق بين المألوف )أوروبا ليس إالّ وأمريكا: هم( والغريب )الشرق: نحن( والتمييز له ليس مسألة نفسية إلبداء الفروق الوصفية بل هو مسألة سياسية تدخل في نطاق التعليم والتربية والتبليغ اإلعالمي وضمن نطاق توجيه السياسة الخارجية لهذه البلدان." فكشف سعيد خفايا اإلستشراق ونوامصه وكيفية تحوله إلى ورقة رابحة للهيمنة في يد السلطة 7 السياسية، فيرى بأن اإلستشراق هو:" نمط من اإلسقاط الغربي على الشرق وإرادة السيطرة عليه" . بينما يرى د. رضوان السيد "أن اإلستشراق يتناثر ويدخل في تخصصات متباينة كالتاريخ والسوسيولوجيا واألنثروبولوجيا واإلقتصاد والسياسة، ولم يعد هناك عالم واحد إسمه اإلستشراق، بل هناك عوالم متباينة يحمل كل منها عنوان المجال الذي يهتم به، فإذا كانت مفاهيم الشرق والعالم الثالث والشرق االوسط متباينة 8 وغير علمية، فان مفهوم اإلستشراق صار اليوم كذلك. فرؤية "إدوارد سعيد" لـ "هم" أي يقصد الغربي المسيحي و "نحن" العربي اإلسالمي وتقسيمه لهذه التقسيمات ففي كتابه يتطرق إلى الرؤية السائدة على العربي اإلسالمي بكونه همجي متطرف يعجز عن التفكير ومتعصب، والغرب المختلف والمنفتح المتطور، فمثل اإلستشراق هدفا لفرض الهيمنة وغرس النزعة التسامحية التي تعتلي الدين المسيحي حسب فكر األوروبيين واإلنتفاع بالمنطقة الجغرافية التي تمثل كنزا ثمينا محمال بالحيوية تضخ الحياة وتنعش إقتصاد الدول االوروبية وتساهم في تسويق صناعتها وسلعها في رقعة جغرافية أوسع. فقدم "سعيد" نقدا الذعا للغرب في كتابه "اإلستشراق" بعودته على جانب المصلحة الذي طغى والرؤى اإلستعمارية اإلحتاللية القائمة على التحكم والهيمنة وبالتالي كشف إدوارد على خفايا زعزعت النظرة اللطيفة التي روجها الغرب على اإلستشراق, فمثلت كتاباته عنصر مهم في الفهم الصحيح ياً لظاهرة اإلستشراق وغاياته السياسية واإليديولوجية، والهيمنة الغربية على جميع األصعدة سياس وإجتماعياً ودينيا وفكريا والقيود التي فرضها الغرب على الفكر واإليديولجيا الشرقية
. 1 .االستشراق في أفق انسداده -د. سالم حميش -سلسلة الدراسات )
3 )منشورات المجلس القومي للثقافة العربية -ط .1991 / 
1 2 .إدوارد سعيد، اإلستشراق، المعرفة السلطة اإلنشاء، مؤسسة األبحاث العربية،2003 ،ترجمة كمال أبو ديب.
 3 .محمود حمدي زقزوق: اإلستشراق والخلفية الفكرية للصراع الحضاري، دار المعارف، القاهرة 1997 
4 .عبدهللا محمد األمين: االستشراق في السيرة النبوية، المعهد العالمي للفكر اإلسالمي، القاهرة، 1997 ،ص16 5 .ساسي سالم الحاج: نقد الخطاب اإلستشراقي، ج1 ،دار المدار اإلسالمي، بيروت، .20ص،، 2002 قافيّة: االستشراق، القرآن، ّ
 6 .المبروك المنصوري، الّدراسات الّدينيّة المعاصرة من المركزيّة الغربيّة إلى النّسبيّة الث للنّ 2010 .الهويّة والقيم الّدينيّة، تونس، الّدار المتوسّطيّة شر، 
7 .نفس المصدر 2 ص120 8 .رضوان السيد: مجلة الفكر العربي العدد: 31 ،ص9.


----------------------------------------------------------------

عفاف الغربي استاذة تربية تشكيلية بالمرحلة الاعدادية مقيمة في قطر وباحثة وطالبة دكتوراه في علوم وتقنيات الفنون اختصاص نظريات الفن بالمعهد العالي للفنون الجميلة بتونس


أحدث أقدم