الدكتور زهير بن احمد يكتب لكم..ذكريات امريكية








                                                                  الدكتور زهير بن حمد

حصل لي أن زرت الولايات المتحدة الأمريكية مرتين. الأولى عام 1981، سنة تخرجي من معهد الصحافة وعلوم الإخبار بتونس. تمّ اختياري للمشاركة في برنامج دولي للشباب رفقة زميلتي آنذاك، فاطمة الزهراء بن مبارك. ولمّا تعذر عليها السفر ، عوّضت بالزميلة زكية عازق التي صارت فيما بعد صحفية بإذاعة تونس الدولية.
 جاء اختيارنا بناء على معدلاتنا في مادة اللغة الإنجليزية وكانت مدام نفيسة بن رجب، الأستاذة الأنيقة، ممّن حبّبنا في تلك المادة وأخالها هي من كانت وراء الفرصة التي أتيحت لنا لركوب الطائرة لاول  مرة والسفر بعيدا. 
التقى المشاركون الذين جاؤوا من القارات الخمس في نيويورك، حيث تأخذ منك ناطحات السحاب عينيك لأول وهلة، ثم التقوا في واشنطن دي سي، مقر الكونغرس والبيت الأبيض والمتاحف الكثيرة ومن أشهرها متحف سميثيونيون للإنسانيات ومتحف الطيران والفضاء.
 بعد ذلك تمّ توزيعنا على عدد من الولايات فكان أن قضيت حوالي الشهرين في مدينة هاريسبورغ، العاصمة الإدارية لولاية بنسلفانيا حيث تحتدم المنافسة في هذه الساعات بين الجمهوريين والديمقراطيين على رئاسة البلاد.
 كانت جل إقامتي ببيت الفاضلين، لروحهما السلام، بوب باكيكنهام وزجته كارول. كان طبيبا عامّا، ممّن حظي بالمشاركة في الحرب العالمية الثانية والعمل بالجيش شرف لا يضاهيه شرف في الولايات المتحدة وكانت زوجته طبيبة نفسية، 
من بين أساليبها التي كنت شاهدا عليه، التنويم المغناطيسي.
 حللت على عائلات أخرى كثيرة، أربابها أعضاء في نادي روتاري، بينهم صاحب شركات تأمين، وصاحب محطة بنزين وصاحب مصنع للحليب وصاحب محلّ لتجهيز الموتى كذلك. المستر بوير الذي كان يعمل موظفا  بالمصالح الحكومية، 
رتب لي وأنا الطالب الضيف آنذاك ، مقابلة مع حاكم الولاية ديك ثورنبرغ. كان من الحزب الجمهوري وكان رونالد ريغن الرئيس الأربعين للولايات المتحدة. 
في نهاية إقامتي في تلك الصائفة من عام 1981 ، كان علي أن أقدم عرضا عن تونس بلدي، ففعلت ذلك وأنا أرتدي اللباس التقليدي. تحسنت إنجليزيتي بشكل مكنني من الإجابة عن أسئلة كثيرة منها ما تعلق بالعقيد معمر القذافي رحمه الله حيث ساءت علاقته بالأمريكان في الثمانينات وصولا إلى اعتداء 1986 .
 في المرة الثانية، كانت زيارة من ثلاثة أسابيع عام 1993 في إطار دورة موعودة لصحفيين عرب، نظمتها إذاعة صوت أمريكا الحكومية. حظيت آنذاك برفقة المغفور له، محمد علي الحباشي، رئيس التحرير بالإذاعة الوطنية وخليفة تريمش ، زميلي بإذاعة المنستير، متّعه الله بالصحة.
 بعد القيام بأعمال مشتركة في واشنطن، تنقلت وخليفة إلى مدينة أستن بولاية ماريلاند المجاورة لواشنطن دي سي للتعرف على ظروف العمل بإحدى المحطات الإذاعية التجارية، على ملك رجل يدعى جيم هاموند.
 فوجئنا آنذاك بالتعرف على المذيع المتكامل، ذاك الذي يعمل مذيعا وتقنيا ومبرمجا في آن. كان مالك الإذاعة رجلا في منتهى الكرم كونه رزق الأطفال بعد انتظارذام تسع سنوات كاملة. 
كان برفقتنا في أستن مترجم وإعلامي من العراق يدعى معين الجابري، غادر العراق معارضا لحكم صدام حسين غير أنه كان يعترف لصدام بالرجولة والشهامة. 
أثناء سفرتي الأولى، حصل أن دعيت إلى زيارة صحيفة باتريوت نيوز وهي كبرى الصحف التي كانت تصدر في هاريسبورغ فنشروا لي ملمحا، حرره جيم نيوكرك وهو صحفي زنجي. أذكر أني سألته عن أوضاع السود في أمريكا وحضورهم في المجال الصحفي فقال : " ألم تلاحظ أنني الصحفي الزنجي الوحيد في هذه الجريدة.. 
" أذكر ذلك جيدا لأنني في سفرتي الثانية، كنت طرحت سؤالا في إحدى جلسات النقاش عن إمكانية انتخاب امريكي زنجي لرئاسة البلد، فكانت الإجابة أن الأمر يتطلب بعض الوقت وأن انتخاب رئيس من أصل عربي احتمال تاريخي شبه معدوم.( أنداك ) 
تحدثت عن الولايات المتحدة، البلد الشاسع الضخم المتنوع في طبيعته ومكوناته البشرية، في سلسلة مقالات نشرتها لي جريدة الراي التونسية التي كنت محررا متدربا بها ثم أصبحت مراسلها في باريس في الفترة 1981 / 1985 ،
 ذلك ان حصولي على منحة لاستكمال الدراسة بالمعهد الفرنسي للصحافة جعلني أحوّل وجهتي إلى قدر آخر بالرغم من أن السيد بوير عرض علي الحصول على البطاقة الخضراء الشهيرة، تلك التي تخول الإقامة والدراسة والعمل بالولايات المتحدة،. 
ما أحتفظ به من كل هذا أن وراء الدول وانتخاباتها ورؤسائها ، هناك شعوب وهناك بشر يعملون ويتعبون، يضحكون ويبكون يصيبون ويخطئون .
 ما احتفظ به هو وجوه الناس. كثيرون منهم أكرموني ولكم أود أن ينجلي عنا هذا الوباء وان يحلوا ضيوفا عليّ وقد صارت تونس أجمل وأنظف، هي التي كانت في فترات كثيرة عنوان حضارة وتقدم. زهير بن حمد 4 نوفمبر 2020
أحدث أقدم