ضحايا العنف النفسي.. دوامة البحث عن الذات والهروب من قبضة الجلاد /تحقيق/




 /تحقيق درة بن عبد القادر/

 وانت تطأ وحدة انجاد التابعة لمستشفى" شارل نيكول" اين يتم استقبال النساء ضحايا العنف، تقبع هناك في إحدى أركان قاعة الإنتظار هدى (إسم مستعار)*. كانت تجلس على كرسي متجمدة دون حراك، تعلو محياها علامات الحزن والألم. 
 هدى شابة في الخامسة والثلاثين من عمرها ولكن قسمات وجهها المنهك المليئ بالتجاعيد تعكس ما قاسته من توتر وتشنج، فتوحي بأنها قد تجاوزت العقد الخامس من عمرها. "تعرفت على زوجي عندما باشرت عملي في إحدى الشركات بعد سنوات التحصيل الجامعي، تطورت زمالتنا وتُوّجت بالزواج في وقت وجيز، 
كنت أعلم أنه متقلب المزاج ولكن لم أعي أبدا خطورة الوضع"، هكذا تحدثت بعبارات متقطعة ونبرة حزينة. تصف هدى زوجها "بالإنسان العصبي، متقلب المزاج وسريع الغضب لأتفه الأسباب. سرعان ما يفقد هدوءه وينفعل في معاملاته مع محيطه ولكنه يتدارك الأمر بسلاسة لا أدري كيف يتصنعها ويسيطر على الوضع ويمتص غضبه"
. وتُتابع: "تظل عباراته المهينة ترن في أذني كامل اليوم ويرافقني صدى شجاره وصياحه الحاد والمرتفع في كل خطوة أخطوها"، ليصبح هذا الواقع عنوانا لحياتي اليومية. تتعدد أشكال العنف المسلط على المرأة في تونس رغم صدور القانون الأساسي عدد 58 لسنة 2017 المؤرخ في 11 أوت 2017 والمتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة.
 ولئن يسهل إثبات العنف الجسدي وتسليط العقاب على مُمارسه، فإن ذلك يصعب إذا تعلق الأمر بالعنف اللفظي والنفسي، مما يُعقّد حصول الضحية على حقوقها. وتعاني النساء ضحايا العنف من اضطرابات نفسية تؤثر على سير حياتهن العادية وتضطرّهن أحيانا إلى تناول الأدوية المهدئة.
 تعريف العنف المسلط على المرأة تُعرّف الأمم المتحدة، حسب موقع منظمة الصحة العالمية، العنف الممارس ضد المرأة بأنّه "أيّ فعل عنيف تدفع إليه عصبية الجنس ويترتب عليه، أو يُرجّح أن يترتب عليه، أذى أو معاناة للمرأة، سواء من الناحية الجسمانية أو الجنسية أو النفسية، بما في ذلك التهديد بأفعال من هذا القبيل أو القسر أو الحرمان التعسفي من الحرية، سواء حدث ذلك في الحياة العامة أو الخاصة." في حين يُعرّف قانون 58 العنف ضد المرأة بأنه " كل اعتداء مادي أو معنوي أو جنسي أو اقتصادي ضد المرأة أساسه التمييز بسبب الجنس والذي يتسبب في إيذاء أو ألم أو ضرر جسدي أو نفسي أو جنسي أو اقتصادي للمرأة ويشمل أيضا التهديد بهذا الإعتداء أو الضغط أو الحرمان من الحقوق والحريات، سواء في الحياة العامة أو الخاصة."
 وتبيّن "دراسة أجرتها منظمة الصحة العالمية على صحة المرأة والعنف المنزلي المُمارس ضدها عام 2005 أن العنف المسلط على المرأة له تداعيات على عدة مستويات من بينها "الأضرار على المستوى الصحي، كالإصابة بالاكتئاب واضطرابات الإجهاد اللاحقة للرضوخ ومشاكل في النوم واضطرابات في الأكل ومحن عاطفية ومحاولات انتحار".
 تلتقط هدى أنفاسها من شدة الإرهاق وتعلو محياها كآبة عميقة. وتقول "كل ما أفعله أو أقترحه من أفكار يصبح محل سخرية و تهكم من زوجي. لقد خارت قوايا ولم أعد قادرة على التفكير وبت عاجزة على برمجة أعمالي اليومية وقد أثّر ذلك على مردوديتي في العمل". وتُتابع "انعدمت ثقتي في نفسي، وأصبحت أتبنى أفكار زوجي وأرى الأمور بطريقته". ثم تطلق ضحكة هستيرية " وحتى مع ذلك، فإنه يجد مبررا ليظهر لي أني مخطئة ولست على صواب". 
 جراح تنزف وسط صمت مطبق تروي هدى تفاصيل حياتها الزوجية التي تصفها "بالجحيم"، حيث كانت "مليئة بالخلافات المتواترة منذ بداية العلاقة ". وتضيف " كنت أعتقد أن الأمر عادي باعتبار اختلاف الطباع بين الزوجين في أول الحياة الزوجية الى أن يتعود كل شخص على طباع الآخر فيكون الإنسجام والوئام. ولكن ما فتئت الأجواء تتعكر بيننا يوما بعد يوم". تتذكر المرأة الثلاثينية حين رُزقت بطفلها خلال السنة الأولى من الزواج وهي تُحاول أن تُقنع نفسها بأن الامور ستتغير إلى الأحسن، ولكن ما حصل هو العكس، حيث احتد الخصام وأصبحت محل انتقادات لاذعة ومتكررة من زوجها، 
"فقد كان ينتقد باستمرار طريقتي في الإعتناء بإبني ويُظهر امتعاضه وعدم رضاه ". وكنتيجة لذلك تغيرت معاملة هدى تجاه طفلها. "أصبحت قاسية معه وسريعة الإنفعال، أعاقبه لأتفه الأسباب وكأنني أقوم بعملية تعويض عما أعانيه من قسوة زوجي تجاهي واضطهاده لي". قصة هدى تشبه قصة أحلام (إسم مستعار)، وقد تجاوزت عتبة الأربعين، وهي المعلمة بإحدى المدارس الإبتدائية من ولاية أريانة، ظلت تحارب "جلادها"،
 طيلة سنوات زواجها به حتى تحررت من قيوده، بعد أن تواصل تعنيفه النفسي لها لمدة طويلة، قبل أن يتطور إلى تعنيف جسدي، ويجعلها ذلك رهينة شتى أنواع الأدوية التي تستنجد بها حتى تنعم بقسط من الراحة وتنسى ما يحصل لها. لكن ما كان يزيد في معاناة أحلام، هو عدم تضامن عائلتها معها وفهمها لما يحصل لها، حيث تقول في هذا الصدد: " كلما أردت الحديث عن أوجاعي التي أعيشها وجراحي التي تنزف داخلي، تواجهني علامات الإستغراب والعتاب من قبل أفراد عائلتي، خاصة وأن زوجي يتقن فن إخفاء الحقائق، حتى يظن الجميع أنني أهوّل الأمور وأفهم خطأ تصرفاته نحوي". التداعيات النفسية للعنف النفسي واللجوء إلى الأدوية أمام انعدام التفاعل والآذان الصاغية الذي عادة ما تواجه الضحية، تتعمق عزلة هذه الأخيرة لتنغمس أكثر في دوامة الإكتئاب مع "ذئب آدمي، همه الوحيد إشباع رغباته"، 
تُعلّق أحلام. تؤكد طبيبة علم النفس والمسؤولة على مركز الرعاية النفسية التابع لديوان الوطني للأسرة والعمران البشري، هالة ونيش، على مدى تأثر شخصية الضحية بالعنف النفسي الممارس عليها والذي يتضمن تلاعبا بمشاعرها، مما يجعلها تنعزل عن العالم الخارجي. "وإذا ما أرادت أن تبوح بمعاناتها، فلن تجد ما يمكن الحديث عنه سوى أفعال يتم تأويلها كل حسب طريقة تفكيره، خاصة إذا أقنع المُمارس للعنف فريسته بأنه من خلال معاملته القاسية وعتابه المتواصل لها، فهو يسعى للحفاظ على مصلحتها"،
 تُوضّح ونيش. وتضيف أنه بهذه الطريقة "تفقد الضحية ثقتها بنفسها تدريجيا، فتقتنع بأنها على خطأ دائم وتقبل انتقادات جلادها معتبرة إيّاها نصائح يوجهها لها لخدمة مصلحتها". في هذا الصدد، تستذكر الطبيبة حالة إمرأة نصحها زوجها بالإنتحار مؤكدا لها بأن الإنتحارأفضل لها من العيش. "بل إن هناك أزواجا يقترحون على زوجاتهن أنجع الطرق للقيام بذلك!"، تستنكر ونيش.في حديثها عن الأعراض النفسية التي تظهر على ضحية العنف،
 توضح الدكتورة عايدة النفاتي الأخصائية النفسية (بسيكولوج) والمسؤولة عن وحدة انجاد، أنه عادة ما تظهرعلى الضحية علامات الإنهيار اللاحقة للصدمة، وقد تدوم شهرا أو أكثر أو تصبح علامات مزمنة. ولكن توجد أعراض أخرى مثل الاكتئاب، الأفكار الإنتحارية، القلق النفسي الكبير، الإضطرابات في الأكل والنوم ورؤية الكوابيس، انعدام الثقة في النفس، القلق والحيرة، قلة التركيز وتقلب المزاج. لذلك، فإن معاينة الحالة النفسية للضحية في وحدة إنجاد تكون على مراحل، حيث يقع أولا تقييم حدة الأعراض، ثم تحديد نوع العلاج،
 وإن تطلب الأمر أكثر من ذلك، تتم إحالتها على طبيب نفسي والإستعانة ببعض الأدوية المضادة لحالات القلق والإكتئاب. تتنهد هدى طويلا وهي تمسك بين يديها حبات الأدوية التي تتناولها ومن بينها "ليكسوميل" (lexomil) وهو دواء ينتمي إلى عائلة "البينزوديازبين" التي لها تأثير مهدئ ومنوم وقد يُسبب استعماله لمدة طويلة، إدمانا. تأخذ هدى هذا الدواء حتى تستطيع أن تغمض جفنيها وتنعم بقسط من الراحة. "فليكايين" (flécaine) و"كردنسيال" (cardensiel) هي أيضا من الأدوية التي أصبحت هذه المرأة الثلاثينية تأخذها، وهي تندرج ضمن قائمة الأدوية المخصصة لعلاج الأمراض المزمنة، خاصة أمراض القلب والشرايين. والهدف من تناولها، في حالة هدى، هو تعديل دقات القلب المتسارع جراء نوبات الهلع التي تنتابها نتيجة حالات الضغط النفسي والقلق، في حين أنها لا تشكو من أي مرض مزمن.
 تؤكد هدى فاعلية هذه العقاقير التي تساعدها على تجاوز الفترات العصيبة التي تمر بها، ولكنها تقر بادمانها لها، حيث تقول بمرارة " أنا لا أستطيع النوم بدون حباتي المهدئة". كذلك فقد أثّر تناولها لهذه الأدوية على مردودها في العمل. "أصبحت أعاني من قلة التركيز وكثرة الأخطاء، بالإضافة إلى الغيابات المتكررة نظرا لحالات الإجهاد والتعب التي غالبا ما تنتابني". العنف النفسي المسلط على المرأة وصعوبة إثباته
 تشير الإحصائيات التي تضمنها التقرير الوطني الأول حول مقاومة العنف ضد المرأة، سنة 2018، بعد إصدار القانون الأساسي عدد 58 لسنة 2017، إلى تمكن الفريق العامل بالخط الأخضر 1899، وهو خط وضعته وزارة المرأة لتلقي شكاوى الضحايا وتقديم المساعدة لهن، من تأمين عملية الإنصات والتوجيه إلى أكثر من 6500 مكالمة، منذ سنة 2017. وقد ارتفع العنف النفسي والمعنوي من 93 بالمائة سنة 2017 الى 100 بالمائة سنة 2018. كما ارتفعت نسبة العنف اللفظي من 86 بالمائة سنة 2017 إلى 87 بالمائة سنة 2018. 
 ولئن كان من السهل إثبات العنف الجسدي بما أنه يترك آثارا واضحة، فإنه يصعب اثبات العنف النفسي واللفظي نظرا لغياب دليل، إلا في حالة قيام الضحية بتوفير تسجيل صوتي يُوثّق ممارسة الإهانة والمعاملة السيئة أو في حالة تدهور وضعها النفسي، فتتم معاينتها من قبل أخصائي نفسي وإثبات العلاقة المباشرة بين المعاملة السيئة التي تعرضت لها وسوء وضعها الصحي. ويُبين الدكتور الطيب الغضبان، طبيب نفسي،
 أن قانون مناهضة العنف ضد المرأة للضحية يأخذ بعين الإعتبار العنف النفسي ويعاقب عليه، إلا أن تطبيقه هو رهين إثبات الضرر. " إثبات العنف النفسي يبقى رهين اجتهاد القاضي الذي قد يطلب في هذه الحالة تسخير طبيب نفسي للقيام بمعاينة الضحية وتقديم تقرير مفصل حول وضعها العام". ولكن ذلك لا يحصل بشكل آلي. ويُعرّف القانون 58 لسنة 2017 المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة، في فصله 3 "العنف المعنوي على أنه كل اعتداء لفظي كالقذف والشتم أو الإكراه أو التهديد أو الإهمال أو الحرمان من الحقوق والحريات والإهانة والتجاهل والسخرية والتحقير وغيرها من الأفعال أو الأقوال التي تنال من الكرامة الإنسانية للمرأة أو ترمي إلى إخافتها أو التحكم فيها."
 ولئن كان القانون يعاقب مرتكب العنف النفسي، فإنه لا يُحدّد آليات إثبات الضرر. وقد جاء في الفصل 16 من قانون 58 أنه "يعاقب بالسجن من ستة أشهر إلى عام وبخطية قدرها ألف دينار كل اعتداء مكرر على القرين بالقول أو الإشارة أو الفعل من شأنه أن ينال من كرامة الضحية أو اعتبارها أو يؤثر على سلامتها النفسية أو البدنية".
 من هذا المنطلق، يدعو الدكتور غضبان إلى ضرورة تطوير المنظومة التشريعية ووضع بند واضح وصريح حتى يمثل مرجعية للقاضي تسمح له بالتدخل لتقييم الحالة النفسية للضحية. من جهتها، تؤكد المحامية والحقوقية بشرى بالحاج حميدة على صعوبة إثبات الضرر المعنوي والنفسي، حيث تجد الضحية نفسها مجبرة على تقديم أدلة تثبت تعرضها للإهانة، كأن "تّحاول القيام بتسجيل صوتي يوثق عبارات السب والشتم والإهانة التي تتعرض لها حتى يصبح لديها دليل مادي يُسهّل عملية التقاضي وتتبع المعتدي".
 وتضيف أن الإعتراف بالضرر المعنوي في قانون 58 هو مكسب، لكن لابد من تطوير آليات التطبيق ووسائل الإثبات. تتذكر أحلام بمرارة أنواع التعذيب النفسي التي تحملتها لسنوات في غياب جهة أو شخص تعترف له بمعاناتها الصامتة، فيصدقها ويوفر لها المساعدة اللازمة.
 وتقول "في كل مرة كنت أتعرض فيها إلى الإهانة ونظرات الاحتقار من زوجي، كنت أوجه تركيزي نحو ابني، الذي يزاول حاليا دراسته في الطب، وأضع نصب عيني مسؤولياتي نحوه وواجبي في حمايته من تداعيات العلاقة السامة التي أعيشها مع أبيه". رغم ذلك حاولت أحلام إيجاد مخرج قانوني لوضع حد لمعاناتها، عندما قررت استشارة محامي لإيجاد طريقة تُخلّصها من "جلادها" وتحفظ حقوقها وحقوق إبنها الذي لم يتخطى في ذلك الوقت الثلاث سنوات. "لكن إجابة المحامي كانت ضرورة إثبات ممارسة العنف النفسي عليّ عبر تقديم تسجيل يُوثّق ما كنت أعانيه من انتهاكات وتعنيف لفظي في ظل غياب تعنيف مادي ملموس".
 في هذا السياق، تؤكد المحامية لدى التعقيب، حياة الجزار والمختصة في متابعة قضايا العنف ضد المرأة، صعوبة إثبات تعرض المرأة للعنف النفسي لأن القانون عدد 58، لا يفرض على القاضي طلب عرض الضحية على مختص في الصحة النفسية. "وإن حصل ذلك، فإما يكون باجتهاد خاص من القاضي الذي يطلب تسخير طبيب نفسي، وذلك بالتنسيق مع وحدة إنجاد أو طبيب في أحد المستشفيات العمومية، أو بطلب من محامي الضحية لتقييم الضرر المعنوي الذي سُلّط عليها. 
وفي بعض الأحيان، تطلب الفرق المختصة في مقاومة العنف ضد المرأة، التي تم إحداثها في جميع مراكز الشرطة والحرس الوطني، عرض الضحية على مختص نفسي حتى تقدم ملفا كاملا إلى القاضي". وفي ظل انعدام الصبغة الإلزامية لعرض الضحية على مختص نفسي وغياب ركيزة قانونية يستند إليها القاضي لاثبات الضرر المعنوي، "فإنه غالبا ما تفقد الضحية حقها ويفلت جلادها من العقاب"، تضيف حياة الجزار بأسف.
 ولتسليط الضوء على هذه النقائص في تطبيق قانون 58 لمناهضة العنف ضد المرأة، تعتزم الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات قريبا نشر دراسة تقييمية حول مدى تطبيقه، عامين بعد دخوله حيز التنفيذ. ما أنقذ أحلام حقا كان السند المعنوي والنفسي الذي تحصلت عليه من قبل الجمعيات الناشطة في مجال الدفاع على حقوق المرأة، خاصة الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات التي وفّرت لها المرافقة النفسية والتوجيه، مما سمح لها أن تتغلّب على محنتها.
 في هذا السياق، أكدت السيدة شريفة التليلي، منسقة لجنة مقاومة العنف ضد المرأة بالجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات، أهمية التعهد بالنساء ضحايا العنف وتوفير الرعاية اللازمة لهن منذ الوهلة الأولى وذلك بالإنصات لهن ومحاولة تفهّم معاناتهن قصد تقديم المساعدة الملائمة وتحسيسهن بالأمان للتخفيف من معاناتهن والبحث لهن عن مأوى لهن ولأطفالهن في بعض الحالات القصوى. وحول صعوبة إثبات العنف النفسي، تُقول شريفة التليلي أن "من يمارس العنف يعمد إلى القيام بعملية تضليل للضحية بتعنيفها لفظيا ونفسيا واستغلالها اقتصاديا، فيصعب عليها تقديم البرهان الكافي للتخلص من الزوج المضطهد.
 وهنا تبرز حنكة و خبرة أعضاء الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات اللاتي يٌقدمن التوجيهات اللازمة للضحية حتى تحسن أخذ القرار المناسب لإيجاد حل لمشكلتها". وأمام هذا الإشكال، تؤكد هالة ونيش، المسؤولة على مركز الرعاية النفسية التابع لديوان الوطني للأسرة والعمران البشري، أن "هناك مساعي من قبل الأطراف المتداخلة في مسألة العنف المسلط على المرأة، من وزارات المرأة والداخلية والصحة والعدل، لتشكيل لجنة علمية متكونة من اخصائين ستعمل على وضع معايير واضحة لتحديد العنف النفسي والمعنوي، ستسمح بتسهيل عمل القاضي وتساعده على القيام بمهامه". تنامي ظاهرة العنف المسلط على المرأة في ظل تفشي وباء كوفيد-19 من المهم الإشارة الى تنامي ظاهرة العنف المسلط على المرأة، منذ مطلع سنة 2020 مع تفشي وباء كوفيد -19 وإقرار الحجر الصحي الشامل في 21 مارس 2020.
 في هذا الصدد، أكدت حنان البنزرتي، اخصائية اجتماعية في وزارة المرأة والمسؤولة عن برنامج ترسيخ المساواة بين النساء والرجال، أن الوزارة تلقت على الخط الأخضر 1899، والذي أصبح يعمل طيلة 24 ساعة، 11361 مكالمة هاتفية، 27 بالمائة منها تخص اشعارات بالعنف، وذلك خلال الفترة الممتدة من 23 مارس إلى 30 جوان 2020. كما بيّنت تطور حالات العنف النفسي والمعنوي، حيث تم تسجيل نسبة 85 بالمائة من حالات العنف النفسي و91 بالمائة من حالات العنف اللفظي، في حين، مثّل العنف الجسدي نسبة 76 بالمائة.
 وأشارت أيضا أن الزوج هو القائم بالعنف، في 78 بالمائة من الحالات، في حين أن الزوجة هي الضحية في 80 بالمائة من الحالات. من جانبه قام الإتحاد الوطني للمرأة التونسية، بدراسة حول "الإحاطة بالنساء المعنفات خلال فترة الحجر الصحي زمن انتشار فيروس الكورونا"، وبالتحديد شهري مارس وأفريل 2020 .
 وقد تبيّن أن أكثر أنواع العنف المسلط على المرأة خلال أزمة الكوفيد 19 هو العنف الزوجي. فقد تعرّضت 5980 إمراة للعنف، منها 2688 تعرضن للعنف الجسدي أي بنسبة 48 بالمائة، و 2083 امرأة تعرضن للعنف اللفظي والنفسي أي بنسبة 31 بالمائة و 1815 امرأة كانت ضحية العنف الإقتصادي وهو ما يعادل نسبة 27 بالمائة. ما نلاحظه حسب هذه الإحصائيات هو أن العنف النفسي والإقتصادي على الضحية والذي تنعدم أدلة الإثبات فيه إلا بعد حصول الضرر، يمثل نسبة 58 بالمائة متجاوزا بذلك العنف المادي. من جهته، 
يفسّر غيث السويسي، أخصائي نفساني، ومؤسس شريك لمنصة احكيلي، وهي منصة للمساعدة النفسية، هذا الارتفاع في منسوب العنف، "بازدياد الاحتكاك اليومي بين الشريكين والإضطرار إلى التعايش سويا طيلة 24 ساعة وفي مكان واحد". و يوضح أنه، قبل الحجر الصحي، اقتصرت أشكال العنف على العنف اللفظي. ولكن خلال فترة الحجر الصحي، تطور الأمر وأصبح عنفا لفظيا وجسديا. الإحاطة النفسية ورحلة العلاج للخروج من قبضة الجلاد واستعادة الذاتتوضح د.عايدة النفاتي أنه عادة ما تصل الضحية إلى وحدة إنجاد، بعد أن تتقدم بشكوى إلى مركز الشرطة حيث توجد الوحدات المختصة في مكافحة جرائم العنف ضد المرأة التي تعطيها تسخيرا طبيا وتسخيرا نفسيا ليتم الكشف عليها وتحديد وضعيتها، ثم تقديم المساعدة اللازمة لها طبيا ونفسيا واجتماعيا.
 كما تقوم الوحدة بإعداد تقرير طبي متكامل حول حالتها، يدعم أقوال الضحية في حالة رغبت بعد ذلك في تقديم شكوى قضائية ضد المعتدي عليها. وتذكر الدكتورة عائدة النفاتي أنه في غالب الاحيان لا ترغب الضحية في تسجيل شكاية، ولكن بعد القيام بحصص العلاج النفسية، والتي تتراوح مدتها بين 45دق وساعة ونصف، "تكتسب المرأة الشجاعة اللازمة وتستعيد تدريجيا ثقتها بنفسها، فتقوم بإجراءات التقاضي، لتبدأ طريقها للخروج من الظلام الى النور".
 ودعت النفاتي إلى ضرورة إحكام التعاون والتنسيق بين مختلف الهياكل المتدخلة في مجال حماية النساء ضحايا العنف، من وزارات المرأة والصحة والعدل والداخلية، بالإضافة إلى الجمعيات، لتجنب البطء في الإجراءات وتقديم الإحاطة اللازمة للضحايا. واقترحت في هذا الصدد، إحداث خلية أو هيئة موحّدة تجمع كل هذه الاطراف.
 من جهته، وضّح الدكتور الطيب غضبان أن المرأة ضحية العنف قادرة على الخروج من دوامة العنف إذا قامت بمقاومة هذا العنف والدفاع عن نفسها، "وهي بذلك تحافظ على صحتها النفسية". أما إذا رضيت "بما هو مقدر لها" وقرّرت تحمّل الإهانة والعنف المعنوي الذي تتعرض له من قبل الزوج، بتعلة المحافظة على عائلتها وأطفالها، "فهي بذلك تدخل مرحلة التحطيم الذاتي، حيث ستضمحل رويدا رويدا كالشمعة". وتتحددُ مدة العلاج النفسي للضحية، كما يوضحه الدكتور غضبان، حسب طول فترة التعرض إلى العنف، " فتواتر سماع عبارات الذل والمهانة بشكل يومي هو بمثابة عملية صقل لترسيخ شخصية عديمة الثقة بنفسها محبطة ومرهقة". بالتالي، تطول عملية العلاج لمساعدة الضحية على استعادة ذاتها.
 تحاول هدى الخروج من دوامة العنف النفسي والمعنوي الذي تتعرض له يوميا، حيث تقول: " ترددت مرارا في أخذ قرار الهروب من "جلادي" ولم يكن الأمر سهلا. عشت سنوات من الدمار النفسي، كانت لها مخلفاتها المعنوية والجسدية، ولكني اليوم استطعت أن آخذ قرارا حاسما، حيث بدأت في إجراءات الطلاق حتى أنقذ ابني من براثن شخص أسأت اختياره كأب لطفلي وعليّ من هنا فصاعدا أن أواجه حياتي بمفردي بحلوها ومرها."
 أنجز هذا التحقيق بالتعاون مع الوكالة الفرنسية لتطوير الإعلام (CFI) وتحت إشراف حنان زبيس * تم تغيير الأسماء بناءا على طلب الضحايا مؤطر:تونس في طريقها للمصادقة على اتفاقية مجلس أوروبا لمنع العنف ضد المرأة ومكافحة العنف المنزلي لا تزال الدولة التونسية تعمل جاهدة على ترسيخ آليات مناهضة العنف ضد المرأة، حيث أكد ممثلون عن وزارة المرأة والأسرة وكبار السن وعن المرصد الوطني لمناهضة العنف ضد المرأة، على أهمية المصادقة على مشروع القانون الأساسي المتعلق بانضمام الجمهورية التونسية إلى اتفاقية مجلس أوروبا لمنع العنف ضد المرأة ومكافحة العنف المنزلي، 
وذلك خلال جلسة استماع لهم، يوم 05 أكتوبر 2020 أمام لجنة الحقوق والحريات والعلاقات الخارجية بالبرلمان التونسي، وذلك قصد استكمال مسار الدولة في مناهضة جميع أشكال التمييز على أساس الجنس ومكافحة العنف ضد المرأة . واعتبروا أن اتفاقية مجلس أوروبا لمنع ومكافحة العنف ضد المرأة والعنف المنزلي تلعب دورا هاما في مجال مكافحة الإفلات من العقاب لمرتكبي جريمة العنف ضد المرأة،
 إضافة إلى كونها تنص صراحة على تخصيص ميزانية خاصة بمناهضة العنف ضد المرأة وهو ما سيساهم في تنفيذ أحكام القانون عدد 58 لسنة 2017 بشكل فعلي إضافة إلى التنصيص على تبادل الخبرات. و قد وافقت لجنة الوزراء بمجلس أوروبا في 23 أفريل 2020 على طلب تقدمت به تونس للانضمام إلى تلك الاتفاقية. وتعتبر هذه الاتفاقية ملزمة لكل الدول الأعضاء المصادقين عليها.


المصدر . وات  /تحقيق درة بن عبد القادر/
أحدث أقدم