يسوء التقدير فيسوء التدبير في عالمنا اليوم ! د.أحمد القديدي




                                               د.أحمد القديدي 




 أنتقل هذه الأيام كأغلب الناس من قناة تلفزيونية الى أخرى ويدي على زر جهاز التحكم (الريموت) تكاد ترتعش من هول الأحداث المحيطة بنا وبارك الله في صديق على الفاسبوك ذكرني بهذه الحكمة التي قالها العلامة عبد الرحمن ابن خلدون منذ قرون وهو ينعت ممارسات الأمم وحكامها بالقول إنه إذا ساء التقدير وفسد التفكير ساء التدبير أي أن بعض الشعوب تخطأ تقدير حالتها وتلغي ملكة التفكير فيها يكون مصيرها سوء التدبير. 

فانظر حولك أيها القارئ الكريم تر الشرق الأوسط يتخبط في معضلات رهيبة كللتها هذا الأسبوع جريمة اغتيال عالم إيراني من أكبر علماء عصره رحمه الله محسن فخري زاده على أيد معروفة دون أن توقع جريمتها أو تعلن تبنيها وهي عملية خبيثة هدفها مبرمج مسبقا تتسابق فيه دولة إسرائيل مع الأحداث قبل أن يغادر حليفها الأكبر ترامب البيت الأبيض بأيام قليلة فيكون حسابها كالاتي: طبعا تكتشف الجمهورية الإيرانية أن مجتمعها مخترق من قبل الموساد وهو المجتمع الذي حصنه حكامه منذ 1979 بالحرس الثوري
..
 لكن لعبة المخابرات الإقليمية و الدولية لا تعترف بالحدود و يمكن لها أن تضرب رأسا في القمة العلمية و العسكرية في لحظة غفلة بينما الواقع يقتضي المزيد من الحيطة و الحذر و العالم شاهد و سمع كيف أشار نفس رئيس حكومة إسرائيل إلى محسن فخري زاده بالاسم و الصفة عام 2018 و وضعته مخابراتها على رأس قائمة المستهدفين كما استهدفت زملاء له من قبل بطرق مختلفة!
 المخطط المبرمج إسرائيليا مع حليفها القوي المؤقت هو جر إيران إلى رد الفعل بسرعة ربما بضرب جنود أمريكان في العراق قبل أن ينسحب ترامب فتكون الولايات المتحدة مضطرة للحرب و قصف منشأت نووية إيرانية و تنتهي أخطر مرحلة من مراحل وضع اليد الإسرائيلية على كامل مقدرات الشرق الأوسط بعد تطبيع أنظمة عربية معها و فتح أبواب التعاون ثم التحالف معها على أسس جديدة تلغي قضايا العرب و تصفي نهائيا قضية فلسطين بما يسمى صفقة القرن قبل أن يدخل الرئيس المنتخب (جو بايدن) المكتب البيضوي و يشرع في ما أعلنه من تصفية تركة سلفه ترامب في جميع المجالات بدءا من قضايا الشرق الأوسط و انتهاءا بملف النووي الإيراني على أساس المعاهدة الموقعة عام 2015 و المصادق عليها أمميا و دوليا وهي التي انسحب منها ترامب معوضا إياها بفرض عقوبات عشوائية على إيران لم تزد إيران في الحقيقة إلا حرصا على متابعة برنامجها النووي السلمي المدني! 
و حين تعلن طهران أنها سترد على الجريمة بطريقة ذكية فهي تعني أنها تفطنت إلى المخطط الجهنمي المعد لها كفخ تاريخي قادر على تغيير كل قواعد اللعبة الدولية تماما و بأقل التكاليف ثم إن الأوضاع الاستراتيجية للدول الشرق أوسطية اليوم تنذر بإمكانية تطبيق المخطط فانظر الى عقيدة الجيش المصري التي تغيرت من اعتبار العدو التاريخي هو الاحتلال الإسرائيلي إلى اعتبار إيران هي العدو بينما احتلال أجزاء من مصر و سبق منذ العدوان الثلاثي على مصر ذاتها عام 56 أن احتل سيناء و ضفة قناة السويس و كان عام 1973 يحتل نصف مصر فيما يسمى الكيلومتر 101 مهددا بالاستيلاء على القاهرة بقيادة (أريال شارون) لو لم يوافق عبد الناصر يومئذ على قرار وقف إطلاق النار!
 إنه التاريخ القريب و لم تنفرج أزمة مصر المحتلة إلا بانعراج محمد أنور السادات رحمة الله عليه نحو المخطط الأمريكي و زيارة الكنيست و عرض السلام على إسرائيل في كامب ديفيد! و بدأت عمليات السلام المغشوش بين الدولة العبرية و ما تبقى من منظمة التحرير بمفاوضات أوسلو ثم مدريد و اعترف الفلسطينيون بدولة إسرائيل مقابل لا شيء أو ما يقارب اللاشيء فالتجأ أبو عمار و صحبه إلى (حي المقاطعة برام الله) قبل أن يهدمه (تساحال) على رؤوسهم ثم يغتلون ياسر عرفات بالبولونيوم و يبدأ مخطط إنكفاء الوجود الفلسطيني تدريجيا ببرامج توسيع المستوطنات و بناء الجدار العازل و قبول هدية ترامب إلى إسرائيل (بيت المقدس) كعاصمة أبدية و غير قابلة للتقسيم 
و لا للتفاوض لدولة يهودية كما خطط لها عام 1897 تيودور هرتزل في مؤتمر (بازل) بسويسرا في كتابه (الدولة اليهودية). سوء التقدير بالمعنى الخلدوني نجده أيضا في أوروبا و في فرنسا بالذات التي تشهد نزول الجماهير الفرنسية للشوارع إحتجاجا على المنعرج اليميني المتطرف المبرمج في قانون الأمن الشامل مما ينذر بأخطار قادمة تهدد السلام الأوروبي بقدوم النزعات شبه الفاشية بخطى سريعة إلى دفة الحكم في الإتحاد الأوروبي! وهي قضايا تهم العرب و تنعكس بالضرورة على البحر الأبيض المتوسط بحيرتنا المشتركة الخالدة. 
أحدث أقدم