وداعا.. محمد لخضر * الثاني *

                               بقلم عبد القادر بن الحاج نصر




تسلّل محمد لخضر (الثاني) من بيننا ذات ليلة كما يتسلّل المسافر إلى بلاد بعيدة.. لم يشأ أن يجمع العائلة والأسرة الموسّعة والأقارب ليقول لهم كلمة وداع.. تجنّب الحركة والضوضاء والسّؤال وانفجار العواطف والبكاء، آثر أن لا يتعب أحدا، كما آثره الله برحيل خفيف الظلّ لا معاناة فيها ولا ألم ولا عذاب.
لم يتنقّل بين المستشفيات ولم يلازم فراش المرض إلاّ لحظات تحسب في الزّمن بالدّقائق، لكأنّه كان مستعجلا الذّهاب.
بين ضحكة في النّهار مع الأحباب في المدينة وبين أنّة مكتومة في اللّيل لم يقل لأقرب النّاس إليه سوى كلمة مقتضبة " إنّني أموت ".
كان وقتها حيّا يتنفّس الأنفاس الأخيرة هواء الأرض التي أحبّها واستظلّ بظلّ أشجارها وأكل من حبّ حقولها ومزارعها وتلذّذ طعم ثمارها تينا ولوزا وخوخا وبرقوقا وزيتونا.
كان وقتها يتنفّس بصعوبة.. ولأنّه أخذ دائما الحياة على أنّها جسر عبور وأنّه عابر على هذا الجسر بسرعة فقد اختار النزول والمغادرة في أسرع زمن ممكن حتى أنّه لم يزعج أحدا ولم يأحذ من أحد جهدا أو مالا.
هكذا رحل محمد لخضر( الثاني) كما يرحل كلّ سيّد خفيف الظلّ، لم يثقل في حياته على أحد، ولم يعتمد على أيّ أحد في قضاء شؤونه، وإنّه أحد القلائل الذين يعدّون على الأصابع الذين لم يحملوا حقدا على أحد ولم يتشكّ من أحد طوال حياته كما لم يتشكّ منه أحد ولم يحمل له أحد حقدا.
محمد لخضر (الثاني) فيلسوف دون أن يبحر في الفلسفة ودون أن يكتب فيها لكنّه يتحدّث فلسفة، وهو صحفيّ لا ينام إلاّ حين يطالع مجموعة من الصّحف ليتبيّن أخبار السّياسة والمجتمع والأدب والفنّ.. هو صحفيّ دون أن يكتب أو ينشر مقالا واحدا، وهو مؤرّخ له إلمام عجيب بتاريح تونس وحضارتها دون أن يشارك في ندوة أو يكتب وينشر ما لديه من معلومات في صحيفة أو مجلّة.
أهمّ ممّا سبق، كان وطنيّا عاشقا للمدينة - بئر الحفي - التي ولد فيها وترعرع، وكان مقدّسا للنّضال الذي خاضه الوطنيّون لتحرير تونس من الاستعمار بقيادة الزّعيم الحبيب بورقيبة.. وهو بإمكانه أن يتحدّث عن مختلف تضحيات المجاهدين وما قدّموه من أجل استرجاع الهويّة الوطنيّة رغم أنّه ولد بعد الاستقلال بسنوات.
ظلّ يردّد اعتزازه بالوالد " الحاج نصر " الذي كان في حمّى حرب التحرير الوطنيّة يلهج بذكر الزعيم الحبيب بورقيبة ويخصّ كلّ واحد من أبنائه صغارا وكبارا ببطاقة الانخراط في الحزب الذي قاد المعركة السياسيّة والمعركة المسلّحةوالتي كان كلّ عائلات قرية بئر الحفي التي أصبحب اليوم مدينة منخرطة فيها مقدّمة المال والولد والغالي والنّفيس.
إنّ رمز البطولة والتضحية بالنسبة لمحمد لحضر (الثاني) هما أخواه المجاهدان " عبد الحفيظ " و" محمد لخضر (الأوّل) " فهذا الأخير قد قبض عليه جيش فرنسا وأعدموه مع رفاق له، حفروا لهم حفرة عميقة ذات ليلة في جهة نائية من سيدي بوزيد (العضلة) ورموهم بالرّصاص وهالوا عليهم التراب .
حين ولد بعد الاستقلال بسنوات قرّر الوالد " الحاج نصر " أن يطلق عليه اسم "محمد لخضر " ليظلّ حيّا ذاك الذي أعدمه الاستعمار.
لا شكّ أنّ محمد لخضر (الثاني) يحمل ملامح محمد لخضر (الأوّل) يحمل ملامحه وقامته وأخلاقه التي تأسّست على المحبّة والاخلاص والوفاء لكلّ إخوته وأخواته وللمدينة ولأهلها ولتونس وتاريخها ومكتسباتها.
هكذا رحل محمد لخضر (الثاني) ليلتحق بمحمد لخضر (الأوّل) في جنان الخلد إنشاء الله.
عبد القادر بن الحاج نصر
-----------------------------------------------------------------------
المتوفى هو شقيق الكاتب وهذا النص هو بمثابة الرثاء من شقيق لشقيقه الذي افتقده
واسرة مجلة الثقافية التونسية تجدد التعبير عن تعازيها لعائلة الفقيد وخاصة لشقيقة الصديق العزيز الدكتور عبد القادر بن الحاج نصر ولكافة افراد العائلة
--------
أحدث أقدم