العالم يحبس انفاسه منتظرا نتائج الانتخابات الامريكية

 د.أحمد القديدي



أزمة انتخاب الرئيس الأمريكي الجديد سوف لا تنفرج قريبا و لكنها ستنفرج مهما طالت وهي غير مسبوقة بسبب تقلص المسافة الانتخابية بين بايدن و ترمب و بسبب مزاج الرئيس ترامب المشهور بخرجاته المتعاقبة عن المألوف و لكن بايدن الديمقراطي أقرب حسابيا
 لكننا سنلقي نظرة تاريخية على أبعاد الرئاسيات الأمريكية في التاريخ القريب وفي يوم 20 يناير 21 سوف يجلس وراء المكتب البيضاوي رسميا بالبيت الأبيض رئيس جديد، مختلف تماماً عن الرئيس الذي سبقه،
 نعم هذه حقيقة يعرفها خبراء السياسات والرئاسيات الأميركية منذ عهد جورج واشنطن وابراهام لنكولن. فكل إعادة انتخاب نفس الرئيس أو انتخاب منافسه لدورة رئاسية ثانية وأخيرة هي في واقع الأمر تنصيب للرئيس لا نقول جديداً ولكن متجدداً بالضرورة وتحت ضغوط الأحداث.
 تفرز الديمقراطيات رئيساً متجدداً من صلب نفس الرئيس أحيانا يكون بالطبع أكثر حرية من الأول لأنه بكل بساطة لا يطمح إلى انتخابه لدورة قادمة، ويكون كذلك أعمق تجربة وأشد تعلقاً بالبقاء في سجل التاريخ الأميركي كرئيس حقق هذا المكسب أو ذاك للشعب الأميركي وللعالم 
وأنت يا قارئي العزيز إذا حللت الفوارق بين العهدة الأولى والعهدة الثانية للرئيس بيل كلينتون مثلا، فانك تجد نفسك أمام رئيسين مختلفين لهما نفس الوجه والملامح ونفس الزوجة هيلاري (بإضافة العشيقة مونيكا لوينسكي) لكنك تلمس سياستين مختلفتين أو حتى متناقضتين ميزتا العهدتين و فرقت بينهما.
 خذ مثال الاصلاحات الضريبية الشاملة والشجاعة التي أدخلها كلينتون على النظام التجاري الأميركي والتي كانت الأساس الأول لما يسمى بالانتعاشة الأميركية التي ميزت رئاسة كلينتون فلم يكن كلينتون الأول (1993 ـ 1997) قادراً على اتخاذها أو حتى المجاهرة بها بينما كلينتون الثاني (1997 ـ 2001) تحمل مسئوليتها كاملة وتجاوز حتى تحذيرات محافظ الخزينة المركزية الأميركية وهندست تلك الاصلاحات حياة المواطن الأميركي العادي فراح الملايين ينشئون المؤسسات الصناعية والتجارية الصغرى والمتوسطة دون أن يطلبوا دعم الدولة 
وإذا رجعنا للتاريخ الأميركي نكتشف بأن أكبر الرؤساء اتخذوا القرارات التاريخية خلال عهدتهم الثانية. فرونالد ريغان قام بوضع نهاية فعلية للحرب الباردة التي امتدت سبعين عاماً حين ربط العلاقة الحميمة مع الزعيم الروسي غورباتشوف وساعده على توجيه رصاصة الرحمة للاتحاد السوفييتي وللدول الشيوعية جميعاً وقبل ريغان في التاريخ الحديث نجد بأن الرئيس دوايت ايزنهاور كرس المدة الرئاسية الثانية (1957 ـ 1961) لوضع نهاية قانونية وسياسية للتمييز العنصري في الإدارة والجيش ثم أنهى بدبلوماسية حكيمة حرب كوريا المدمرة 
كما انه الأول الذي فتح باب الولايات المتحدة أمام الرئيس السوفييتي (نيكيتا خروتشوف) عام 1959 وقبل ذلك كانت العهدة الثانية للرئيس فرانكلين روزفلت (1933 ـ 1945) أكثر العهود حسماً في التاريخ العالمي الحديث حيث كان هو الذي زج بالولايات المتحدة في الحرب وتولى مع ستالين وتشرشل رسم خرائط الدنيا بأسرها إلى الأعوام الخمسين المقبلة في قمة يالطا الشهيرة ويمكن أن نعدد الأمثلة في النهاية لنؤكد بأن الرؤساء الأميركان إذا ما جددت لهم أمتهم عهدة رئاسية ثانية وأخيرة فهم يتحولون إلى رجال مختلفين ويحسمون أموراً ظلت معطلة وأعوزتهم لحلها الاستقلالية التي تمنحها لهم البنود الدستورية المانعة للترشيح لمدة ثالثة (ما عدا استثناء فرانكلين روزفلت لأسباب تاريخية) 
وإننا نعتقد بأن الأمر لن يكون كذلك بالنسبة للرئيس ترامب لو فاز بالعهدة الثانية لأسباب سياسية و عقائدية و نفسية فقد أعلن بأنه سيواصل مع فريق الحكومة مواجهة ما سماه التحديات الطارئة والتي لم يحسب لها حسابها الصحيح وفي مقدمتها استمرار تغيير الخارطة الشرق أوسطية بتتويج اليمين الإسرائيلي زعيما جديدا للعرب الموالين لصفقة القرن! والتخلي عن الضغط على إسرائيل للعودة إلى مسار السلام المتضمن في خارطة الطريق والذي ترعاه الأطراف الأربعة: الولايات المتحدة والمنظمة الأممية وروسيا والاتحاد الأوروبي
 وذلك يعني بأن واشنطن ستعمل على إقصاء هؤلاء الشركاء المغيبين حالياً عن عمليات حفظ السلام العالمي والأخذ بزمام المبادرات في قضايا مصيرية يستحيل أن تتعاطى معها الإدارة الأميركية بمفردها بمعزل عن الحلفاء من القوى الكبرى الصاعدة مثل الصين و روسيا ونحن نحسب أن الرئيس ترامب ضيع على نفسه اكتساب التجربة وهي أم الحكمة لمعالجة مصير السلام في العالم ولا تزال قضية الصراع الدامي في فلسطين الشهيدة تدعو بإلحاح لوضع حد للغطرسة الصهيونية التي استمدت قوتها العمياء من الجهل السياسي التقليدي في أوساط القرار الأميركي بالشأن الفلسطيني والعربي عموماً.
 ومن المفارقات الغريبة ان أشد الناس انتقاداً لهذا الجهل السياسي هم المثقفون الأمريكان أنفسهم الذين كتبوا أكبر عدد من الكتب والبحوث القاسية حول المآخذ التي يلومون عليها إدارة ترامب في عهدتها الأولى ثم ملاحظتي الأخيرة تتجه للزملاء العرب الذين كثيراً ما ينسون بأن الولايات المتحدة ليست دولة عادية على صعيد الجغرافيا و التاريخ بل قارة بأتم معنى الكلمة أي تاريخياً وجغرافياً وسياسياً فهي ليست دولة بالمعنى التقليدي المتعارف بل قارة كاملة ذات خمسين دولة وخمسين قانوناً وخمسين اتجاهاً وما التنظيم الفيدرالي إلا محاولة متجددة للتنسيق وأسلوب لبلوغ القوة بالوحدة وفرض الزعامة على العالم كله.
 وسنرى مع الأيام القليلة المقبلة هل سيكون ترامب متجددا أو بايدن قادما في مستوى هذه التحديات أم سيختلف الرئيس عن القادة الأمريكان الذين أثروا في حياة الأمم وتركوا بصمة في التاريخ؟
أحدث أقدم