قراءة في كتاب "مجلاّت أفلت" للإعلامي محمود الحرشاني حتّى لا يفلت منّا الماضي



بقلم: محمد وليد الجموسي باحث واعلامي

يضع أمامنا كتاب "مجلاّت أفلت" للإعلامي محمود الحرشاني خيطا تاريخيا رفيعا بين عديد العناوين التي وإن كانت تقع في دائرة الماضي ولم تمهلها الأقدار فرصة كي تواصل طريقها إلينا فإنّها استطاعت بشكل من الأشكال أن تفتكّ موقعا لها في مشهد إعلامي متقلّب البقاء فيه غاية لا تدرك دائما. الكتاب من الحجم المتوسط في طبعة أنيقة, وقراءة بانورامية سريعة كافية لتدلل على جهد صاحبه, فالعمل بحثي بامتياز ويقوم على الجمع والتصنيف والتصرّف في مادة لم تعد في مستطاع القارئ العادي. إنّه بحث في أرشيف الصحافة التونسية انطلاقا من العقود الاولى للقرن الماضي بما يمليه البحث من مكابدة وطول نفس ورؤية, وهو سعي في نهاية المطاف للإمساك باللحظة التاريخية ومنعها من أن تفلت. فالمجلات التي ورد ذكرها في الكتاب وعددها عشرون كان يلف أغلبها النسيان وكانت بحاجة لمن يعيد اليها الحياة اعتبارا لاسهامها واسهام من عمل بها في الحراك الثقافي لزمنها هذا من ناحية ومن ناحية اخرى اعتبارا لكونها بمثابة الوثيقة الناطقة بلغة عصرها والمشحونة بالمضامين والاحالات ذات المرجعية بالنسبة الى كل باحث مهتم. لقد تعامل صاحب الكتاب مع الموجود وفق الممكن فاعتمد طريقة استقرائية لم تخل من دقة في تفصيل مختلف الجوانب المرتبطة بهذه المجلة أو تلك, فلم يهمل في الغالب مؤسسيها وتسمياتها وظروف نشأتها وما تتبناه من توجّهات وأفكار وطبيعة ما تورده من أخبار فضلا عن الجهات الناشرة لها والسعر واقتطاف بعض ما صدر فيها من آراء. ولقد لفت نظرنا في مستوى أوّل ترتيب النصوص حيث أن صاحب الكتاب لم يلتزم تدرّجا منهجيا واضحا, فينقلنا من حقبة زمنية الى اخرى ومن عصر الى آخر في قفزات غير مفهومة, إذ يتعثّر الواحد حين يبحث عن الحلقات الواصلة والفاصلة بين هذا النص أوذاك وبين هذه الدورية وتلك, وكان أولى بصاحب الكتاب في رأينا أن يعتمد في ترتيب المجلات إما المعطى الزماني الكرونولوجي أو المعطى الغرضي المضموني أو أن يعتمد الترتيب الابجدي أو الالفبائي حتى يزول اللبس ويتيسر التعاطي مع الكتاب. إن معاشرة هذا المصنّف تدفع القارئ الى حيرة متعددة الاسباب, فغالب العناوين كانت وفيّة لمبدإ القرب وكانت لسان حال عديد الجهات من الشمال الى الوسط الى الجنوب ثمّ إنّ أغلبها استقطب قامات كبرى في فن الكتابة والإعلام كما اختص أغلبها في الفن والثقافة وبدرجة ثانية بالمرأة وقضاياها وبالشباب والتربية والتعليم ثم الاقتصاد. فهذه المجلاّت تقرأ بين سطورها علامات الاستمرار وتقرأ أيضا أهدافا وطنية لا تخفى, ورغبة صادقة في التأسيس لوعي وطني وحسّ بالانتماء كبير. فماالذي استوجب اندثارها وما الذي استدعى أفولها وحتّم علينا اليوم أن ننظر إليها بطريقة الفلاش باك؟  الإجابة في هذا الكتاب لم تكن حاضرة إلا في حالات نادرة جدّا حيث لاحظنا أن المؤلف اختار أن يقدّم ما استحال لديه من مجلاّت بطريقة وصفية صرف. ونحن نعلم جيّدا أن كتابا مثل الذي وضعه بين أيدينا مشكورا محمود الحرشاني لايمكن أن يقول كلّ شيء, ولكن اعتقادنا كبير بأن ما سبق قد يفتح مجالا وسيعا له وللباحثين من أجل أعمال اخرى توثّق للصحافة التونسية وتثمن دورها في الحراك السياسي والثقافي والاجتماعي الذي شهدته بلادنا. و لابدّ من التنويه في هذا السياق الى أنه لا يمكن الحديث عن ظاهرة "المجلات" في تونس وعن دورها دون الإلماع إلى الظروف التاريخية التي ساعدت على بروز حركة الطباعة، فالاهتمام بحركة الطباعة والنشر مثّل ركنا أساسيا من أركان برامج تحديثية شملت إصلاح أجهزة الدولة واصلاح التعليم، وتعليم اللغات الأجنبية، وإرسال البعثات الطلابية للتعلم في أوروبا... عطفا عمّا سبق نقول إنّ هذا الكتاب يحرّك قارئه ويستنفر فيه الكثير من الحنين والحيرة وهو كتاب معطاء بما يحمله من معلومة وافادة وبما يصوّره من أحداث وينقله من أخبار, وهو في نظرنا بذرة صالحة لاستنبات مشاريع أعمال قادمة نرجو أن تكون بنفس المستوى من الصدق والجديّة حتى يتحقق الرجاء وتتعمم الفائدة.
أحدث أقدم