قراءة في كتاب رسائل لا تحتمل الاختفاء للكاتب والصحفي محمود الحرشاني



 بقلم : محفوظ الزعيبي



 كتاب جديد للأديب الصحفي التونسي: محمود الحرشاني صدر عن منشورات –مرآة الوسط-يتألّف من تسعين صفحة أختار له من العناوين –رسائل لا تحتمل الاختفاء- ومن خلال مصافحتي للكتاب استوقفتني صورة الغلاف الرّئيسي التي تطغى عليها القتامة معبّرة بصراحة عن الوضع المعاش في هذه المرحلة من تاريخ الامّة وانتكاستها في مناخ ضباب غير واضح المعالم والاتجاهات ... فصورة الكتاب في العتمة وهي تسترق النّظر بحثا عن بصيص من الضوء تترجم المحنة التي يعيضها الكتاب وانسداد الافق ، والقلم المصلوب المتعطّش للمداد يوحي بانّ الامور لم تكن على أحسن حالها، والرسائل المتراكمة بدون ترتيب هي المترجمة عن الفوضى وأزمة الكتابة والتواصل... والجدار الطّيني من الخلف هو واجهة الأحداث والأوضاع الفكرية والسياسية وتداعيات النشر وخنق حرّيات التعبير وتكميم الاصداع بالرّاي الجسور المخالف في ظلّ المغالين في التطرّف والجاثمين على صدر الثورة لانتزاع روحها والتي اندلعت شرارتها الاولى من سيدي بوزيد مدينة الكاتب وصنعا الفقراء من أجل الحرّية والكرامة... كلّ هذه العناصر تتّحد مع يعضها لتشكّل فكرة الغلاف بما تختزنه من ايحاءات معبّرة وإشارات ذات دلالات ... هذا الكتاب اهداه صاحبه الى كلّ من ورد اسمه فيه بالإشارة او التلميح .. صدّره الكاتب بمقدّمة قصيرة يقول فيها: "هي رسائل علاوة على حميميتها فانّها تتضمّن الكثير من الاسرار والأخبار وخاصّة تلك التي تلقّيتها من عدد من الادباء والكتّاب بالعرب" الى ان يستطرد ويقول: "وانّي اعتبر انّ بعض هذه الرسائل والتي وصلتني من ملوك ورؤساء وأمراء وشخصيات ثقافية رفيعة المستوى، هي بمثابة اوسمة تقدير اعتزّ بحملها على صدري ولا أخجل من حملها بين النّاس..." أمّا في الغلاف الخلفي فتبدو صورة الكاتب أكثر تجلّيا واطمئنانا وقدّم في ظهر الكتاب تعريفا موجزا عن فنّ التراسل الّذي قام عليه الادب العربي في الماضي والحاضر، وما تحمله الرّسائل من قيمة ادبية وثقافية وتاريخية وما توضّحه من ترجمة للحياة الادبية والفكرية في كلّ العصور، وعند صيانتها والإبقاء عليها تصبح مع مرّ الايّام وثائق هامّة للباحثين والمتطلّعين لدراسة ايّ خصوصية من حياة اصحاب الرّسائل والتعرّف على مراحل ومحطّات هامّة من تاريخ الشعوب ... وكم تضيّع كثير من الاخبار والحقائق والوقائع عند اتلاف مثل هذه الرّسائل ... وتكون خسارة لا تعوّض لأنّها حجّة للبيان ومرجع يستدلّ به عند الطّلب والاقتضاء... هذه الرّسائل التي سمح الكاتب بنشرها وإخراجها من خزائنه لتحريرها فتصبح بين ايدي القرّاء يطّلعون عليها ويفلونها وينبشون بين كلماتها تفصح بصريح العبارة عن مدّ جسور الترابط بينه وبين مختلف الشرائح والطبقات الاجتماعية... ولا اعتقد انّ الوسائط الاخرى المستحدثة من وساءل سمعية وبصرية والكتابات الالكترونية في صفحات الاتّصال الاجتماعي وعلى – الانترنت – ستعوّض بسهولة ادب الرسائل التقليدية المكتوبة على الورق مهما تطوّرت هذه الوسائل وتقدّمت في فنّ التبليغ واعدت النصوص الجاهزة المتكرّرة والمتناسخة التي يمجّها الذوق والحس الرفيع لفقدانها ذلك الوهج والمشاعر النابعة من الوجدان وفيض العواطف... انّ حب الناس من شيم – الحرشاني- ورسائله تدلّ على ذلك. وهذا الكم الهائل من الرسائل لم يأت مجانا او من قبيل الصدفة وانّما جاء من مراسلات متبادلة. اذاب قلمه فيها وأسال من خلالها الحبر الغزير... ومن عادة كتّاب الرّسائل عدم الاحتفاظ بنسخ للمكاتيب التي يبعثونها الى غيرهم فتخرج من بين ايديهم وتضيع منهم، فهذا الكتاب يعتبر حشيدة الرسائل وردت على صاحبها فأصبحت ملكا له، يتصرّف فيها كما يشاء، ومن حقّه ان ينشرها ويقدّمها للقرّاء كزاد لا يستهان به،... وأدب الرّسائل شهد ازدهارا كبيرا في عهد الخلفاء الرّاشدين عندما وجّهوها الى قادة الجيش وولاّة الامصار برسائل دقيقة المعاني، مليئة بالعبر والمواعظ والتوجيهات، وسبقتها رسائل الرّسول عليه السلام الى كسرى وهرقل وملك الاقباط والنجاشيّ، وفي آخر عهد الامويين كان عبد الحميد الكاتب مختصّا ورائدا في هذا الفنّ ويعتبر اوّل من أنشأ اسلوب الرّسائل في الادب العربي وخدم في بلاط مروان بن محمّد آخر خلفاء بني امّية وله ستّ رسائل اشهرها الرّسالة الى الكتّاب وامتازت بلغة متينة وأسلوب رائع امّا العصر الذهبي لأدب الرّسائل فكان في القرن الرّابع للهجرة وبداية القرن الخامس... ونجد في هذه الرسائل مبلغ تقدير المسلمين لرشاقة الكلمة ودقّة اللّغة، وامتلاك الكتاب لناصية البيان في أحلى صورة وأعذبها... فاختار كثير من الملوك وزرائهم من الكتّاب وإعلام الأدب وتخلّدت اسمائهم بفضل رسائلهم التي نالت من الشهرة والتقدير ما جعلها مجالا للدارسة... وكان في كلّ قصر ديوان خاص يسمّى ديوان الرسائل... وكم يجد القارئ متعة بأسلوبها وبيانها وإنشاءها القشيب ... وأصبحت لها ديباجة خاصّة يتبعها الناس في الكتابة من المقدّمة الى صلب الموضوع والخاتمة فانخرطت في آداب الراسلة وطقوسها ... وتفنّن الكتّاب في توشيتها بعبارات ومنمّقات جميلة مسهبة مسجوعة ومشيعة بضروب المجازات والاستعارات وأنواع الجناس، ويبقى المعنى واضحا بين ضغوط الالفاظ الجزلة ذات الجرس والتشبيهات الحسنة، فكانت رسائل المعرّي آية في الابداع والتعبير، وتجاوزت رسالة الغفران في اسلوبها ما كتبه السابقون وقدّم صاحبها عرضا ناجحا ونابغا فحوّلها الى قصّة لا تخلو من الروعة والإبداع في البلاغة... كذلك رسائل بديع الزمان الهمذاني في ادب المقامات تقرّ اسلوبا ذا خصوصية وتفرّد وهي تهد للكتابة الرّوائية. بعد هذا العرض الموجز عن ادب الرّسائل في التاريخ الاسلامي لا ننسى المراسلات التي كانت تدور بين كبار الشعراء والأدباء والتي تفتّقت فيها القرائح وتنافست الاقلام لتقدّم نصوصا غاية في الابداع وجودة فنّ كتابة الرّسائل... ولا تثريب على الكاتب –محمود الحرشاني- وهو يفرج عن رسائله لترى النّور وانّ البعض من اللّذين يتحاملون عليه واهمون لأنّهم لم يزنوا بمعايير الانصاف ولم يعطوا حقّ الرّجل الّذي عاش فقيرا من اجل مهنته ومجلّته التي ورّثته الخصاصة ومعرفة النّاس فاختارهما عن رضا وقناعة متجشّما اتعاب ومعاناة الرّسالة الاعلامية حاملا وزرها الثقيل وأوكد جيّدا ومن خلال اقترابي ومعرفتي الدّقيقة بأحوال –الحرشاني- انّه لم يحشر نفسه ضمن زمرة اولئك المتزلّفين للسلطة من اجل الحصول على المال ونيل المناصب وحتّى المنح الزّهيدة التي كان يتلقّاها من المؤسسّات الشخصية كان ينفقها في سبيل المجلّة وتأثيث مهرجانها... وانّ الجحود يكاد يكون كفرا من طرف أولئك الجالسين على الرّبوة لا يبادرون ولا ينفعون وهمّهم الوحيد هو الانتقاد ونسف مجهودات الغير ... ومن خلال تبويب ورود الرسائل في هذا الكتاب نرى انّ صاحبه قسّمه الى بابين: الأوّل: لرسائل الشخصيات الادبية والجمعيات الثقافية والثاني للشخصيات السياسية وأكثر الرّسائل المحشورة في هذا الكتاب هي للرّوائي : عبد القادر بن الحاج نصر الّذي نال نصيب الاسد منها ومن البديهي ان يكون ذلك نظرا للعلاقة الوطيدة بينه وبين صاحب الكتاب اضافة الى أنّهما ينتميان الى نفس الجهة وتشغلهما نفس القضايا والاهتمامات... ومن خلال قراءة رسائل عبد القادر بن الحاج نصر نكتشف انّه كان منتبها ومنشغلا بتفاصيل الحياة اليومية في قريته الصّغيرة وفي ولاية سيدي بوزيد عموما ... ففي الرّسالة الأولى تحدّث عن أوضاع المثقّفين فيها وعن روضة الشهداء ببئر الحفي مسقط رأس الكاتب والوضعية المزرية للمواسير فيها دون مراعاة لحرمة الشهداء... وفي كلّ رسالة يؤكّد انّ الصداقة التي تربطها هي فريدة من نوعها وانبنت على المحبّة وخدمة الابداع من اجل تونس ثمّ يشجّعه على مواصلة الصمود من اجل الدفاع عن الكتابة والاصداع بالرّأي ... وفي رسالة أخرى بتاريخ تونس سنة 1988 يبيّن مدى تواضعه حيث يذكر حرفيا متوجّها الى – الحرشاني- الّذي اقترح عليه تكريمه في سيدي بوزيد "وانّي لأشكرك جزيل الشكر ان وقع اختيارك عليّ شخصيا رغم انّي اعتقد بكلّ صدق انّ هناك من هم اجدر منّي بهذا التكريم وكسائر الكتّاب فقد تنصب كتبهم التي الّفوها من حوزتهم وتراهم يبحثون عن نشخ منها لانّهم اهوها الى غيرهم فيقول في نفس الرسالة: "... علما بأنّ بعض كتبي لا تتوفّر منها نسخ اذ نفذت من السوق ولم تعد طباعتها مثل صلعاء يا حبيبتي والبرد وأولاد الحفيانة كما أنّني لا أملك منها نسخا شخصيا لأنّها اهديت في مناسبات متعدّدة... أمّا الشاعر –محمد الشعبوني- فانّ رسائله قد جاءت على شكل قصائد ينوّه فيها بمجلّة –مرآة الوسط- وبصاحبها مثل قوله: والكاتب الممتاز خادم شعبه وبحبّ تونس في جهاده مرتبط والمهرجان يزيد من اشعاعها ويعيد من عقد الولاية ما انخرط محمود سر نحو الامام فأنت في دنيا الصحافة نعم نعم المنضبط ومحبّة من مخلص في حبّه يهفو الى أنوار –مرآة الوسط- وفي رسالة لمحفوظ الزغيبي صاحب هذا المقال بتحدّث عن مشروع أدبي جاهز تحت عنوان –الوان من الناس- ويعلمه بإرسال ثلاث قصص منها هي –هندة- خليفة السوري – وعاشور الانتريتي- بعد ان نشرت له المجلّة قصّة –العيرود- وهي كما تبدو وتعتبر وثيقة مؤرّخة سنة 2005 يفتح من خلالها الستار عن انتاج الكاتب ونشاطه الأدبي ... كذلك رسائل عبد السلام بن سوف وسي محمّد وسوف عبيد وخالد التومي من تونس وسهير فهمي وسطاوي من الاسكندرية وجمال الغيطاني الكاتب المصري المعروف ومصطفى امين الصحفي المصري الكبير كلّها تتحدّث عن المجلّة والعلاقات الحميمية والدعوة الى التواصل وأوضاع النشاط الفكري والأدبي. ونال الكتاب حظّه من رسائل أصحاب المؤسّسات العربية للإبداع الشعري مثل عبد العزيز سعود البابطين وعبد العزيز السّريع وهي ذات مضامين تشير الى خدمة الثقافة العربية الاصلية. أمّا رسائل الشخصيات السياسية فهي صادرة عن وزراء تونسيين ورؤساء دواوين واغلبهم في عهد الزعيم الحبيب بورقيبة مثل الشاذلي القليبي الذي اشتغل وزيرا للثقافة في عهد بورقيبة ثمّ أمينا عامّا للجامعة العربية والأستاذ محمّد مزالي الّذي كان مديرا لمجلّة – الفكر- الذائعة الصّيت وتقلّب في عدّة وزارت الى أن أصبح رئيسا للوزراء في ثمانينات القرن الماضي... وراسل أيضا بعض الملوك والحكّام العرب مثل محمّد السادس ملك المغرب وسلطان بن محمّد القاسمي حاكم امارة الشارقة ووردت عليه رسائلهم ردّا على اهداء المجلّة أو بعض كتبه وهو يدرك أنّهم يولون الجانب الادبي اهمّيته في حياتهم ويحملون الحسّ الثقافي والأدبي اضافة الى أنّه اعلامي قبل كلّ شيء ويدخل هذا النّشاط في مهامّه... هذا حصاد كتاب –رسائل لا تحتمل الاختفاء- وأنا واثق انّ اصحابها من الّذين قضوا نحبهم وارتحلوا الى الدّار الآخرة مطمئنّون وراضون وانّ الّذين مازالوا على قيد الحياة سيباركون هذا الانجاز الّذي تكفّل به – محمود الحرشاني- وسيتقبّلونه بكلّ امتنان والارتياح والتباريك لصاحبه
أحدث أقدم