في ذكرى تاسيس المنظمة العالمية للاغذية والزراعة. الجوع ليس من صنع الجياع




 بقلم عبد المجيد الشعار*

. خمسة وسبعون عاما مرت على الصراع الأكبر الذي شهدته العصور الحديثة ولم تختف بعد من الذاكرة الإنسانية آثارالدمار الذي لحق بالبشرية آنذاك.. وبينما كانت طبول الحرب تقرع انكب ممثلو أربعة وأربعين دولة على وضع اللمسات الأخيرة لأول وأكبر منظمة دولية تحمل شعار الحق في الحياة (Fiat Panis) 
: أنها منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة التي تأسست في السادس عشر من أكتوبر 1945اي في نفس هذا الاسبوع الذي شهد ميلاد المنظمة الأممية نفسها. . الايمان بالمستقبل كان يحرك جوارح الاباء المؤسسين وقلوبهم وهم يوقعون على وثيقة تاريخية ولدت بمقتضاها هذه المنظمة من رحم الحرب العالمية،
 واخالني أن هذه الشعلة لم تنطفئ ونحن نحيى في مثل هذا اليوم من كل عام اليوم العالمي للأغذية. كوكب جائع خمسة وسبعون عاما وماساة الجوع لازالت تؤرق الظمائر وتدمر الأجسام.
. الجوع الذي ينخر العضام والذكاء والارادة مازال يتفاقم ويتمدد للسنة الخامسة على التوالي.. هنالك اليوم ثلات مليارات من البشر لا يحصلون على أنماط غذائية صحية، ولايزال حوالي 700مليون شخص يعانون الجوع ، وفي هذه الأثناء تهدد جارحة كورونا بدفع 132 مليون شخص إضافي إلى حلقة الجوع مع نهاية هذه السنة. ماذا فعلنا خلال ثلاثة أرباع قرن؟
 طيلة هذه الفترة انتقل العالم ومعه الفاو من زراعة المزيد من الأراضي وتوفير الأغذية إلى إلى التكيف مع متغيرات البيئة ووضع الأطر التنظيمية استجابة لذلك ، والسيطرة على الأمراض الحيوانيةواخيرا اعتبار مكافحة الجوع امرا لا ينفصل عن أهداف التنمية الكبرى .ومن هنا كان موضوع الأغذية العالمي"معا ننمو ونتغذى ونحافظ على الاستدامة". تحديات هددت بقاء شعوب بأكملها منذ بداية التاريخ واليوم اكتسبت رسالة الاباء المؤسسين أهمية اكبر خاصة وأن البشرية تبتلى بفعل جائحة مدمرة قوضت أسس الحياة والاقتصاد في مقتبل هذا القرن. بدأنا نفقد الشعور بالحياة...
 أن الفقر والجوع ليسا من صنع الفقراء والجياع ،لكنهما نتيجة لحالات فشل هيكلية ونظم اقتصادية واجتماعية عديمة الجدوى وضحالة القيادات في رسم السياسات العامة وغياب الدعم الدولي؛ولا يد من الاقرار أن القبول بهذه المضالم هو اعتراف بخسارة الكثير من قيمنا الإنسانية. أن الفقر ليس بمجرد مشكلة تخص الفقراء وحدهم ولا سبيل إلى بلوغ الأهداف الإنسانية في إقامة اقتصاد عالمي مستقر الا بتحقيق الإنتاجية والقدرة الاستهلاكية لكل إنسان بعيدا عن ممارسات النهب والمضاربة، 
ومن الصعب أيضا تصور حدوث أي استقرار سياسي أو اجتماعي اذا كانت هناك نسبة كبيرة من السكان ليسوا فقط مستبعدين من التمتع بثمار التقدم والعلوم ولكنهم أيضا لا ينتظرون أي فرصة للمشاركة في أي نظام يحمل دلائل التمييز وعدم الإنصاف. القدرة على تحمل الصدمات.. الجوع ليس مجرد كارثة بالنسبة للبشرية جمعاء بل إنه وصمة عار.
.وهذه مسؤوليتنا جميعا. الملايين يعانون من الجوع في حين تعاني أغلبية أخرى من السمنة، و لا بد لهذه الاخلالات في التوازنات من أن تدفعنا الى التفكير في كيفية تدعيم النظم الغذائية بما يشجع الإنتاج المحلي والموسمي والمستدام على نطاق صغير
 وهي استراتيجية من شأنها أن تيسر حياة العديد . من النساء وشباب الريف المعطل وقد دعا الامين العام للأمم المتحدة إلى عقد قمة عالمية بشأن النظم الغذائية خلال العام القادم للتحفيز على العمل باتجاه رؤية تهدف إلى ضمان مستقبل يحصل فيه كل إنسان على التغذية التي يحتاج إليها..
 أما البابا فرنسيس فقد أعلن من جهته أن استخدام الأموال المخصصة لشراء الأسلحة من أجل التغلب على الجوع 
سوف يكون قرارا شجاعا. وتعتمد منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة على منظومة جديدة في المناهج والجهود تعتمد الابتكار والاعتماد على العلوم والتقنيات سبيلا لإعادة التفكير في استراتيجيات العمل المتوخاة للقضاء على الجوع خلال العشر سنوات القادمة. 
كاد الفقر أن يكون كفرا:
 قد تأخذنا الحياة بمشاغلها ونحن لا نكاد نعي إلا قليلا مما يحدث للآخرين، وفي غمار بحثنا عن شيء يعيدنا إلى انسانيتنا وتوافقنا مع الكون نصطدم مجددا بماساة أولئك الذين قال فيهم الامام علي، كرم الله وجهه " لم ار شيءا أذل ولا اكسر من الفاقة". مأساة الجوع والفقر انهما يولدان لدى الإنسان شعورا دفينا بقلة الحيلة والمهانة وعدم القدرة على التفكير او التخطيط او الجنوح بالخيال إلى ما يتجاوز واقع الكفاح اليومي لمجرد البقاء ..والبطن الفارغ حمل ثقيل، إلا أن الرسالة جديرة بأن تتحملها الإنسانية إذ لا حرية ولا كرامة بدون الحق الأول في الحياة وعندما نلغي الجوع سنقضي وقتها على عبودية الإنسان للإنسان.

* صحفي تونسي.شغل خطة رئيس تحرير شريط الانباء بالتلفزة الوطنية ثم اشتغل خبيرا في المنظمة العالمية للاعذية والزراعة مديرا مكلفا بالاعلام والاتصال
أحدث أقدم