قصة جديدة للكاتب محفوظ الزعيبي.. مقهى ميلاد

 




 

مقهــــــــــــــــــــى ميلاد

قصة بقلم : محفوظ الزعيبي

                                                       

استغنى عن الجلوس في الحانوت لأسباب يعرفها جيدا... هكذا قرر بعد إصرار طويل للإبقاء على عادته التي تشبّث بها منذ زمان بعيد.. كان الفراق صعبا في البداية لأنه خسر كؤوس الشاي المتلألئة التي كانت تصل إليه من بين أنامل- بوقرة- الحاذق في الطبخ والمعتني بـ-الوجق- وإحضار النعناع... ثم يوزع –المكشكش- على الحاضرين بحركات رشيقة وابتسامة منبثقة من فم مستعص عن الإغلاق و-الساسي الشعبان- يتحدث عن كلابه الكثيرة، وتجاربه العديدة حول وفائها وغدرها.. وتربيته للجراء وبيعها للراغبين في شرائها بأثمان بخسة... و-رويشد- صائد العصافير، وأقفاصه الذهبية، وزقزقات طيوره الصغيرة الناقرة القافزة المبتهجة بنور الصباح.. ولكن سحب الاحزان لم تنقشع من وجهه لموت – الكنالو- صاحب الأغاريد الشجية.. الذي كان يعشقه حتى النخاع ولم يفهم سر المرض الغريب الذي داهمه فصرعه ولاح منتفش الريش أمام كأس – الطرابلسي- ولم يصل منقاره إلى مورد الماء... مصيبة كبرى وخسارة يصعب جبرها.. ولا مقارنة مع طيور –القورديل- التي امتلأت بها الأقفاص.... وكان يعاتب –رويشد- عن هذه الهواية التعيسة، فالعصافير خلقت للحرية وليست للسجون والحد من انطلاقتها وتوقها إلى عالم أرحب.. لو يدري –رويشد- أن طائره الذي فقد الحياة ربما مات كمدا بسبب أسره.. فماذا سيفعل لو قيدوه أو سجنوه.. وجالت بباله أغنية الحرية التي كان الأطفال يرددونها في المدرسة عن البلبل وقفصه الذهبي وهم يتفنون في الغناء إلى أن يصلوا المقطع الأخير والاجمل :

ففر مني ونـأى             بدون أدنى سبَبِ

وقال لي : حريتـي    لا تشترى بالذَّهبِ

و –رويشد- لا يحلق به شعوره في فضاء هذه القيم الكونية والدرجات العالية من النبل والأحاسيس.. فاختار حجمه الضئيل كصائد للعصافير في –ساقية الرصفة- أو حول –بئر الجادور- ممتدا على بطنه تحت الزيتونة، يراقب شباكه بانتباه ليستمر في قص مغامراته، وسرد أحاديثه الطريفة عبر كشكول طويل.. أما – الرحموني- فكان مغرما بأمريكا... ويتباهى بقوتها كأنه مولود في –بوسطن- يطنب في وصفها، ناعتا إياهم بالعجز والتقاعس. فيستقر كل الحاضرين شماتة فيهم، وهو يكشخ كاشفا عن الأسنان المخلوعة من فكيه.. فيصبرون على استهزائه منهم وينقسمون إلى فريقين : واحد يؤيده وآخر يعارضه.. ولكنه لا يأبه بمناصريه، بل يتمادى في استهجانه وينطحهم بأفكار حادة أقسى مما يحمله الأمريكان أنفسهم ومنهم من يتفادى النقاش معه طلبا لراحة البال وهدوء الأعصاب... و-الصادق حشيش- الذي يحرص على اختيار المكان المناسب والمقعد المتصدر.. فتراه يجتهد لحوز بقعته وتوسط الجالسين، وجل احاديثه لا تخرج عن دائرة النقابة والاضرابات والمظاهرات ولي ذراع السلطة... ينفعل من تلقاء نفسه فيحمر ويجعجع وتنجذب أوداجه، وتتجمع الرغوة في حاشيتي فمه ثم تتناثر على وجوه الناس ويستأسد في مجلسه غافلا عن كأس الشاي الذي يظل وقتا طويلا في يده، يهدد ويتوعد وينتفض وكأنه يحاكم الناس الذين حوله في اندهاش فتتسع عيونهم من فرط ثورته واندلاعه... وفي آخر المجلس يظل –الشاذلي- جامدا لا ينبس بأي كلمة مشتغلا بهاتفه الجوال ومتلهيا باكتشاف آلياته... وجوه ألفها منذ دهر... بقيت على حالتها تلوك نفس الأحاديث ولا تخرج عن مواضيع مستهلكة، تطحن كلاما معتادا، مضغته الألسن عشرات المرات... لقد شاخت الحوانيت ولم تعد مستحوذة على قلوب الناس، وهاجم القلق أفنيتها وتبعثر ميعادها... لهذا قرر أن يضع حدا لعلاقة متينة وعشرة طويلة وأن يغير ولو شيئا قليلا في حياته... فكر في الموضوع جيدا إلى آخر الليل.. غدا سيغيب ولن يطل على المجلس.. سينتظرونه كالعادة، وستلتمع عيونهم من الأسئلة الحائرة.. لماذا لم يأت ؟ ما هي أخباره ؟ هل شاهده احد ؟ كانت الأجوبة خرساء.. لا تفصح بشيء.. من يصبر على –الرحموني- و –الصادق حشيش- وبذاءة –صالح السكران- وهذره المقيت وهو يترنح غارقا في القتامة مثيرا عركة من أجل اقتناء قارورة – كوزوفو- التي ترمز لعطور –كولونيا- لمزجها وشربها فتضطرم النيران في أحشائه ويتليّف كبده مع مرور الزمن، وتشلطه التجاعيد فيجف ويهرم وتنهار أبراجه بعد الألق والعنفوان... ورغم ركاكته فلن يغادر الحانوت إلا بعد أن يملأ كفه بالدنانير لإقامة الوليمة وتأجيج الجمر... أصبح يجلس في مقهى معتق، جدرانه على طراز الأسوار التاريخية.. باحة لربض السيارات، وباب مقوس دفتاه من الخشب البني الغليظ.. وفي الداخل ممرات متقاطعة حول مساحات العشب اليانع.. مياه جارية وجسور صغيرة.. صاحب المقهى ملفوف بالصمت.. يدخل من الأبواب كالطيف، موزعا ابتسامات وتحيات طفيفة ثم يغيب داخل الحجرات.. وتنبعث موسيقى الزمن الجميل : -دارت الأيام ومرت الأيام – و – حسيبك للزمن- وكأن أم كلثوم تسكن في هذه الأبراج.. وتتجاوب ألحانها الرائعة من الرياح.. صرح أحدهم معرفا بهوية النادل الشاب : قال : إنه مجاز في الموسيقى ولا يفارق عوده فيعزف من حين لآخر تقاسيم فريد الأطرش.. هكذا تغير المزاج وأصبح ضربا من الذوق الرفيع في مقهى شبيه بالمنتزه، يستقر فيه الهدوء، وتتنافر الموائد عن بعضها فلا تلتقي الأحاديث الدائرة حولها.. هذا محراب للشعراء، يصلح للتأمل ومناجاة الروح واستلهام الوحي... الخوف أن يتلطخ هذا الفضاء من طرف بعض المهرجين الذين ينغصون الأجواء ويعكرونها بهذرهم وضجيجهم.. وكم ينفق أصحاب مثل هذه الملاهي بدون ضمان للربح.. ألا يستحقون الشفقة لأن الرواد محدودون وأغلبهم من الفارين من الضجيج وكراسي الأرصفة الصاخبة.. ولكن كم يخجل الإنسان حين يرى استهتار وجهالة بعض المفسدين فيعتدون على الأثاث الأنيق ويلكعونه بسجائرهم ويسيؤون للذوق... كم مرة ينسى اسم النادل، فيسأل عنه إلى أن اختزنه في ذاكرته... اسم أصيل جذاب: - عامر -  خفيف الحركة، يتكلم بلياقة عجيبة حاملا الطبق فوق أصابعه بأناقة وحرفية، ويقدم الفناجين الساخنة تتوسطها قارورة الماء ثم ينصرف بهدوء كالملاك لينشغل بالآخرين وتمضي دقائق لتعود تقاسيم العود الخزينة نافذة إلى القلوب والمشاعر.. منحه سمعه وجوارحه، ورحل معه في عالم النغم.. تخيله نافورة تنزف، وهو يتفاعل مع ذلك النشيج.. و-عامر- يحتضن العود وقد أرخى رأسه عليه، كان نقره على الأوتار داميا، منسكبا في الوجدان.. شد إليه كل الموائد... مشهد داسته عجلات الزمان منذ سنوات طويلة ولم يعد مألوفا لدى هذه الاجيال المتكهربة... زهرة يانعة في سجنة مغمورة بالملح... لم يصدق في البداية أن شابا مثل – عامر- ما زال يغرف من السلسبيل، ويعصر الألم.. وما زال يعشق القمر ويقرأ ويحفظ أشعار بني عذرة... سرى في المقهى انتعاش ملحوظ... وتوافد أصحاب الذوق على المكان يرفعون ستائر المحراب، انبهر بالترانيم المنهمرة المثخنة بالجراح.. لا شك أن –عامر- مسكون بالأوجاع... ربما يرى بعض المحللين خطئا فيحسبون ما يقدمه هذا الملتاع ضربا من وأد القلق أو تعبيرا عن حالات مفرحة.. لا يتصور عاقل هذا الموقف لأن القراءة تختلف عند أهل الرأي.. ولكن لهذا الشاب رؤية ذات أسباب وجذور.. حاول أن يلتصق به منذ اقتناص أول اختلاءة بينهما... اقترب منه أكثر.. أدناه إليه.. طلب منه أن يجيب عن أسئلته بكل صراحة.. تأمل قسمات وجهه الملآن بالدفء والعاطفة.. عبر عن إعجابه بما استمع إليه وخاطبه :

- كم أنت رائع يا – عامر- من أين لك هذا ؟

-  منذ الصغر.. عندما كانت تعوزني النقود لاشتراء عود أقل من هذا.. وكان أبي رافضا لهذا الميل الذي يراه غريبا ولكنني ثابرت وصبرت ثم فشلت !!

اصطدم بعبارة الفشل وهي لفظة كريهة لأنها تحارب الأمل وتقتل الطموح وتجلب الكروب.. فرك عينيه ثم أردف بالسؤال :

- دعك من الفشل، وأنت موهوب إلى هذه الدرجة العالية.. أنت أستاذ بأتم معنى الكلمة.. لقد ملكت قلوب الناس..

حرك الفتى شفتيه لعدم وثوقه من ذلك.. وداهمته الغيوم السوداء وتداعى صدره من الزفير وقال بنبرة كئيبة :

- أستاذ !! على الورق أو في ألسنة الناس.. لكن الواقع يقول : جيب خاو، وجوع وفقر وعذاب وضباب... أريد أن أعود إلى الكلية.. لأموت في مدارجها.. لن أغادر كراسيها.. وتلاشت الأسئلة من ذهنه.. بماذا سيرد  عليه وكيف سيقنعه؟ هذا أمر آخر يتجاوزه.. هو يعرف أن –عامر- ارتضى هذا العمل بسبب الحاجة، أو لاستهواء بعض رواد المقهى ليعرض عليهم فنا ما زالت تحن إليه القلوب، أو لمقارعة بعض محترفي –الراب- الذين قفزوا إلى الركح وأصبحوا يقدمون عروضهم المجانية الصاخبة.. وأنه سيظلّ في انتظار قبول ملفه سنوات وسنوات، وأن تشغيله للتدريس يبقى حلما يراوده مع دموع الليل وشقاء الهار، وربما ينتهي به العمر ولا يأتيه الانفراج.. حاول ان يستقطبه قائلا :

- فرصة أخرى... لعلها تؤمن لك النجاح.. المهم أن لا تيأس.. كن صاحب عزيمة.. ولا تفسد ذوقك وحلاوتك.. أنت من الدرر النادرة في هذا العصر...

لم يجد –عامر- عزاء إلا في العود.. فغمره، وتحركت الأنامل تدغدغ الأوتار، وترعشها ثم غاب في متاهات شجن – ظلموه- لعبدالحليم حافظ.

فصاح مصفقا مبتهجا :

- يا للصحوة.. يا الله.. لا تعد إلى المدارج يا –عامر- ابق هنا... إنك من الفاتحين...

تكونت في المقهى جمعيات صغيرة للحب والزهور والعزف والطبيعة، وتهافت الشعراء على المساحات الخضراء، والأعشاب المخضلة، والأغصان الوارفة المتدلية، وأقبل الرسامون بشغف يغمسون ريشاتهم في الألوان الزاهية، ويتنافسون لتقديم أجمل اللوحات.. وتألقت فرق للمسرح للإقتراب من الناس والغوص في مشاغلهم وهمومهم، والتعبير عن الحياة اليومية بتفاصيلها.. وحلت الحكمة مكان الخطإ والانفلات.. وتسلى الناس بما يقدم في هذا الفضاء من فن وأدب.. وتمازج الهواة بالمبدعين، وتفتقت القرائح لتنجب وتخلق وتتفجر... اتسعت قاعدة الجماهير في مقهى –ميلاد- وسار كل شيء على سطح الماء.. لم يكن أي أحد يدري أن التيار الذي تسير فيه أشرعة الحرية تحدق به الأخطار، وأن نتوءات الحجارة القاسية تترصد بها. وأن صداما عنيفا سيحدث فيقلب الأمور ويحدث نكسة رهيبة...

وقف عامر كالخطيب والعود في يمناه، رادا على تحيات الجماهير الهاتفة بحياته :

- أيها الإخوة.. أيتها الأخوات.. هذا ناديكم الكبير الذي كافحتم من اجل خلقه وبعثه.. فلا تترددوا في رعايته وإحيائه.. أنتم المسؤولون الأوائل عن ذلك.. أنتم وحدكم القادرون الفاعلون لقيادة هذه السفائن المرفرفة.. وعلا الهاتف واشتد التصفيق، وتفتت الوجوه وهي في اوج السعادة، وتزحزحت الكراسي لتتقدم إلى المنصة...

- شكرا.. يا –عامر- على روحك العالية.. شكرا على أحاسيسك النبيلة، ونظرتك الوردية للحياة.. ابق معنا ولا ترحل.. المال ليس هو المشكلة.. سوف لن تجرك لاختيار مسارات أخرى.. المال لا معنى له أمام إرادتنا، فنحن نعيش مع بضعنا في محضنة الحب والأمل.. إننا قانعون بما تملكه أيادينا، وتواقون للمزيد بما تحتاجه مهجنا وعقولنا.

والمقهى يتحول من ساحة للشعر والفن إلى ميدان لإقامة الأعراس والأفراح.. المسرات تتوزع فيه حسب الغايات والفصول.. تفتح القاعات أحضانها للمهنئين المستبشرين القادمين من كل فج.. بدلات أنيقة وفساتين آخر – شيك- وعطورات –باريس- وموضعات –فاشيون-.. الطهاة ينهمكون في إعداد أشهى الأطعمة وطواقم الموزعين للأطباق والحلويات يتنقلون هنا وهناك... والآلات الموسيقية بين نفخ وعزف وإيقاع تقدم المقطوعات في ليالي الأنس.. – عفيف- الشاعر يمنعه كبرياؤه عن الشطيح رغم الإلحاح عليه ودعوته مرارا من طرف الأصحاب.. فيفضل الظهور على مقعده الوثير مسويا نظارته السوداء وماسحا على -الكشكول- الطويل.. والساق فوق الساق وعلى طاولته بعض الكتب وهو يختلس النظر من أريكته نحو فتاة كشفت الريح عن مفاتنها المبهرة وعرت مساحات من المرمر المرصوف على جسدها البضّ.. كان يتابعها بطريقة غير ملفتة.. بدون تصريح أو مجاهرة بذلك.. يمكن احتمال غنج العينين المضيئتين في وجهه، ويمكن الصبر على دهشة الشفتين العسليتين ويمكن أكثر.. أما أن يكون الاقتراب للتقابل والتلاصق في وضع لم يأنسه الشاعر –عفيف- فهذا مخل برصانته وعناده.. تعجب البعض من هذه الإطلالة الجديدة المخالفة للعادات التي ألفها الناس.. أعراس المقهى تسهر إلى آخر الليل بدون حدوث أي خلل أو طارئ.. لا حجارة ولا تهشيم القوارير على مرمى من رؤوس المحتفلين ولا عربدة ولا سواطير.. أين – الطانقو- و –الغطريف- و –المرغني- وأين عصاباتهم الخطيرة التي تزحف كالبراكين فتعصف بكل من يعترضها، وتثير الرعب والبلبلة في النفوس.. وتزلزل الدنيا وتعبث بكل موجود رغم التوسلات وعبارات الاسترحام.. ولكن من يستجيب لنداء المستغيثين وبكاء العذارى ونحيب الأطفال.. أين القلوب الحانية الرقيقة.. وأين الضمائر النبيلة ؟ إن هؤلاء مثل الذئاب الجائعة المفترسة إذا دخلت القطيع عبثت بأغنامه ويعثرت ألفته ونظامه وعاثت فيه فسادا..

ينمو الحلم في مقهى ميلاد – ويكبر.. يستبشر ترحيبه بكل الطيبين الحالمين بنقاوة الحياة وربيعها الأخضر المكلل بالزهر والمرصع بالألوان.. تسريحات بنات المعهد وعطورهن الشذية وهمساتهن الندية وأنفاسهن الفواحة العابقة بالمواعيد الخضراء والخطوبات والأعراس وثنايا المستقبل المفروشة بالورود.. وفرسان الأحلام الذين يركبون أحصنة الريح والسحر ويطيرون إلى نور الشمس وضياء القمر.. الشجر الوارف يبارك الخواتم ويستمع إلى دقات القلوب، ويصغي إلى كل نبضة وإحساس وكل آهة أو ارتعاشة او دمعة فالتة.. الشجر مخزن الأسرار وشاهد على اللقاءات بما تحتوي من وخز ورغبات وتمنع وصمت وأوجاع والتهاب.

اختار الرواد – مقهى ميلاد – وبنوا لهم بيتا مغمورا بالسعادة.. ولكن ما زالت هناك بعض الأخطار.. وما زالت العواصف تتربص من بعيد. والطمأنينة بين الخوف والتأكيد لأن أحداثا كثيرة انفجرت على حين غفلة وأطاحت بسقف المعمار الأنيق الرائع.. فالحرية التي فتحت صدرها للاحتضان لم تقدر على استيعاب جميع الأنماط التي أرادت أن تشارك وتساهم بما تملك في حوزتها.. وهناك أجناس لا يمكن أن تنصهر مع بعضها أو تلتقي حول مورد واحد.. لا يربطها أي تفكير أو شعور أو نظر ولا يوحد بينها مذهب او توجه ولا تقدر على التقارب أكثر.. ولكن هل يمكن إيجاد طريقة للتفاعل مع بضعها والتآزر لتأسيس مكان جديد ملائم ومناسب؟ كان – عامر- مصمما على تنفيذ هذه الفكرة... ومتحمسا لخلق مزيد من الإرادة والإقدام على التشييد.. فالمدارج لا تكفل له الاندماج في المعمعة الشعبية.. هو لا يريد أن يبقى للتفرج أو القيام بدور معزول يقصيه ويحرمه من الفعل.. عليه أن يتسلح بمزيد من الصبر وأن يحافظ على رواد المقهى فلا ينحل عقدهم ولا تتبدد حباتهم.. وعليه أن يتمسك بأهاريجه وأغنياته الجائعة المتقدمة.. والشاعر-عفيف- مطلوب منه الاجتهاد واستجلاء الرؤية وان لا يتراجع عن كتابة وإلقاء أشعاره وأن يبارك ويبتهج بازدياد الجمهور حول موائده.. وكل المبدعين يحرصون على انتظارات الناس منهم.. ينشطون في جوقة واحدة، ولا يخرجون عن السرب.. قال لـ-عامر- والهاتف ملتصق بأذنه يهنئ من خلاله الأصدقاء والأحباب :

- لا تنسلخ عنا يا عامر.. أنت مرغوب فيك الآن.. كل هؤلاء شحنت فيهم هذه الجذورة.. ابق في صعودك ولا تتأخر عن الطليعة.. ألا ترى الناس يشيدون بخصالك ويهتفون بحياتك...

ربما يكن عامر واثقا تمام الوثوق من كلامه... وهو على بينة من الأخبار المترسبة إليه : هناك مسيرات حاشدة تجولت في طرقات البلدة تهتف من أجل إخراج – ولد الكحلة- من السجن، وهو مجرم خطير روع الأهالي، وأفزعهم وحكم عليهم بعدم التمتع بالنوم..

- عجبا من هذه المفارقات.. هذا أمر خطير.. كيف تتساوى القيم ويتعامل هؤلاء مع هذه الأشكال بأحكام غريبة... الشعوب تتظاهر من أجل إخراج المناضلين والمجاهدين من السجون لا من أجل اللصوص والخونة والظالمين المعتدين...

وأردف –عامر- قائلا بصوت متدحرج :

- كنت هذا الصباح في البلدة وشاهدت بأم عيني كيف يقتحمون أسوار المعاهد ويدخلون ساحاتها ويحتلونها ويرهبون التلاميذ الأبرياء ويسوقونهم كالقطعان ويحكمون على الأستاذة بمغادرة الأقسام..

طأطأ رأسه خجلا ثم رفعه بحزن مرسوم في مقلتيه :

- هذه جريمة نكراء.. لا يمكن السكوت عنها.. ما ذنب الأطفال لابتزازهم والاستحواذ عليهم واستغلالهم لنفوذهم ومآربهم... وجم –عامر- مستغرقا في التفكير.. العيون أمامه متشبثة به.. تنتظر قطرات المطر.. شيوخ، شبان، نساء، فتيات وأطفال امتلأت بهم مساحات العشب ينتظرون تقاسيم –أول همسة- للبلبل الحزين.. جميع الحاضرين يشملهم جوّ شاعري لطيف.. لم تنغص الأحداث والأخبار الملوثة المعتمة صفاء جلستهم.. ستنقشع السحابة.. وستتغير فضاءات القرية لتصبح مزدانة بألوان الشمس الساحرة... رغم الغيوم المتراكمة من دخان العجلات المطاطية المشتعلة في الساحات وأمام البنايات الرئيسية؟؟ ورغم الهتافات البعيدة والأغاني السمجة المنادية بإطلاق سراح – ولد الكحلة-.. ورغم الحجارة العمياء التي تصوت في الفضاء، وهروب السيارات والتماس طرق أخرى بعيدة عن الفوضى والتهريج.. والصعاليك الذين يعترضون الناس للاستقواء عليهم وتهديدهم وافتكاك نقودهم وممتلكاتهم... ستزول المتاعب وتنتهي مظاهر الشقاء والتأزمات المنشورة على الوجوه المتكدرة...

الشعراء يكتبون قصائدهم الفائرة بالحرية ويعلقونها على حبال الشوارع.. والفنانون لا ينصاعون للغبار المتصاعد، ويستنكرون أصوات الحمير.. وتلتقي أغانيهم مع اهازيج العمال والفلاحين.. وترتفع نداءات الأبواق الصداحة من مقهى –ميلاد- لتتجول بها النسائم في الأعالي... هناك فوق البنايات والشجر والحقول.. كلهم ينشدون للربيع الجديد مع الزغاريد والمواويل وهفهفات السنابل وهتاف الشوارع والساحات من أجل الكرامة والحرية...

 

أحدث أقدم