رواية العتمة الباهرة للطاهر بن جلون تستعيد احداث الصخيرات بالمغرب






"تلك العتمة الباهرة" هو العنوان الذي صدرت به الترجمة العربية لرواية الروائي المغربي الشهير الطاهر بن جلون ، والتي كتبها بالفرنسية ، لتحتل مكانها بين أعماله الروائية العديدة ، وعلى قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في فرنسا ، وربما .. الأكثر إثارةً للجدل .. عن دار الساقي نشرت هذه الرواية ، في طبعةٍ فاخرة ، وترجمةٍ تستحق أن يشاد بها بالفعل ، لتصل أخيراً إلى يد القارئ العربي ، بعد أن سبقته إلى القارئ الفرنسي ، والألماني ، والإسباني ، والإنجليزي .. رغم كون القارئ العربي هو المعني الأول بها ، فهي تتحدث أولاً وآخراً .. عن حياته المطمورة في حقل القمع والترهيب ، ومأساته الطويلة في الموت البطئ. بقدرته الفذة على الكتابة ، استطاع الطاهر بن جلون أن يحول شهادة مواطنه السجين " عزيز بنبين" ، إلى معزوفةٍ طويلةٍ على ناي الوجع ، تصب في أذن القارئ قبل عينيه ، لتوقظ في نفسه هواجس الخوف الإحباط والكآبة الكامنة ، وتضفي عليه ثوب العتمة التي عاش فيها السجين ثمانية عشر عاماً ، في زنزانةٍ لا يمكن أن يقف فيها لفرط انخفاض سقفها ، وكأنها أعدت لتعتصره .. حتى الموت .. "عزيز بنبين " هو احد العسكر المتورطين في انقلاب الصخيرات الشهير عام 1971م ، والمنفيين إلى تازمامارت ، والذي خرج شبحاً إنسانياً بعد آلاف الأيام المعتمة ، ليدلي بوجعه إلى قلم الطاهر بن جلون ، كما سبقه إلى ذلك العديد من رفاقه في كتابة سيرتهم الذاتية التي تحولت إلى أكثر الكتب رواجاً في السوق الأوروبية ، لا سيما بعد سياسة الانفتاح الإعلامي التي تتبناها المغرب في حكومتها الجديدة ، وعهدها الجديد .. الأسلوب الذي يحكُّ به المؤلف سطح أعصابنا محدثاً أكبر نفضاتِ الألم كان مميزاً .. رغم واقعية المأساة التي تجعل مهمته تبدو سهلة ، ولكنه أثبت عبر روايته أنه حتى اللون الأسود يمكن أن يُبدع الكاتب في أثنائه ، ربما كانت كتابته تعكس التأثر الكبير الذي كان يعتريه من مآسي الحكاية ، وهو يتحدث بهذا لجريدة فرنسية فيقول – أي بن جلون - أنه كان يرتجف ويتصبب عرقاً وهو يكتب الرواية ، وأنه كان يبكي أحياناً جراء الآلام النفسية التي تكبدها في اصطدامه المباشر مع الفاجعة ، وأنها كانت المرة الأولى التي يواجه فيها انفعالات نفسية مع أحد كتبه تصل إلى حد الأرق والكوابيس. المشكلة التي أثيرت في فرنسا مرة أخرى حول هذه الرواية هو الهجوم الذي قام به الناجون الحقيقيون من معتقل تازمامارت ، والذين قاموا هم بدورهم بإصدار كتب تروي معاناتهم ، إذ أنهم رفضوا وبشدة أن يزاحمهم بن جلون الذي يعيش على أرائكه الوثيرة في فرنسا هذا الإرث المشترك لمعاناتهم الشخصية ، ولقد صبوا هجومهم اتهاما لبن جلون أنه كان يعلم طيلة هذه السنوات بوجودهم في تازمامارت ولم يتحدث للعالم عنهم ، وانه كان مهتما فقط بركوب الموجة التي تروج في الشارع الفرنسي ، واقتناص الفرص لإطلاق أعماله الروائية نحو الشهرة ، حسب ما يعتمل في المجتمع من موضوعات مطروحة على الساحة قد تسوق لها ، بن جلون راح يدافع عن نفسه بأنه هو أيضاً كان رازحاً مثل أي مواطن تحت مقصلة الخوف والقمع ، ولم يكن بوسعه المجازفة بالانقطاع عن بلده إلى الأبد إن هو أصدر كتابه مبكراً ، قبل أن تتيح له سياسة الانفتاح الإعلامي وحرية التعبير ذلك. محمد الرايس، صاحب الكتاب «تذكرة ذهاب وإياب الى الجحيم» ، وأحمد مرزوقي صاحب كتاب «تازمامارت، الزنزانة رقم 10» ، هما ناجيان حقيقيان من تازمامارت ، قادا هذه الحملة الإعلامية المناوئة لكتاب بن جلون الذي يستند على شهادة رفيقهم في المعتقل عزيز بنبين ، وإن ذهب الكثيرون إلى محاولة فض النزاع بالتأكيد على اختلاف الحقل الذي عمل فيه كل منهما ، إذ أن كتابي الرايس ومرزوقي كانا سرداً ذاتياً لمذكراتهما في المعتقل ، بينما كان كتاب بن جلون عملاً روائياً يحمل في طياته سمات العمل الإبداعي ، وبالتالي لا مجال للنزاع . ولم تكن هذا هو الهجوم الأول الذي يتعرض له بن جلون في الصحافة الفرنسية ، فقد سبقتها العاصفة التي أثارتها اعترافات خادمته أنه كان يعاملها بعبودية ، وذلك بعد صدور كتابه الناجح جدا (( العنصرية كما شرحتها لابنتي )) ، التي انقلب نجاحها وبالاً عليه ، بعد أن كان قد رُشح بها إلى عضوية البرلمان !. بعيداً عن المعارك الإعلامية ، تبقى (( تلك العتمة الباهرة )) شاهداً على براعة فوتوغرافية مذهلة لبن جلون في تصوير يوميات الوجع الأسود الموشوم على حياة السجناء في العالم الآخر ، كان عملاً جديراً بالبكاء من أجله ، والوقوف معه على حافة الموت .. لنطل على وجهه البشع ، الذي تحول إلى أمنية في عيون المساجين !. فنياً .. يسبر الروائي تجربةً إنسانيةً فريدة في الصراع مع الموت الذي يدهم المكان عائداً كل مرةٍ بروح أحد المعتقلين ، تميَّزت شهادة بنبين عن بقية الناجين من رفاقه بدقةٍ لا بأس بها بالنسبة لسجين كان جهاده الأكبر أن لا يفقد عقله ، بينما كان الجنون يزحف في المكان ، ناشباً أظفاره في أدمغتهم واحداً تلو الآخر. هذا الصراع الفكري مع الصدأ الذي يتراكم على الجمجمة أكسب رواية بن جلون طابعاً يحبس الأنفاس ، ولغةً رمادية الجدران .. تلد الخوف ، والألم ، وألف قناعٍ للموت قبل أن يلج الموت نفسه .. سياق الرواية لم يكن زمنياً ، وهذا يسجل لبراعة بن جلون الذي يروي قصة ثماني عشرة سنة متشابهة الأيام والليالي ، في حفرةٍ مظلمة ، منع فيها النور ، فكيف يمكن أن يقيدها بالتسلسل الزمني ! ، فصول الرواية الكثيرة إذن تشكلت على أساس الأحداث السوداوية التي علقت بذهن السجين طوال هذه السنوات ، فخرج كل فصلٍ منها بنصيبه المستقل من الفجيعة ، ويرتبط بالفصول الأخرى .. ليكتمل وجه الفاجعة. بالنسبة للترجمة ، فقد جاءت في مستوى الإتقان الفني الذي كتب به بن جلون روايته ، متناسبة مع الثقل الذي استند به الكاتب على اللغة الفرنسية في حشد المؤثرات الروائية ، ونقل الصورة بوضوح في ذهن القارئ ، ولمثل هذه الحس الأدبي في الترجمة تتوق المكتبة العربية التي تعاني أحياناً من ندوبٍ تسببها الترجمة الغير متخصصة. روايةً مثل هذه .. كم نتمنى أن تظل دائماً .. نسج خيال !. ... [


أحدث أقدم