من أزمور وإليها .. رحلة السيدة نعمة مع الأغاني والطبوع التونسية 📷

                                                                        


بقلم الدكتور  زهير بن احمد


تمّ امس  توديع نعمة وتأبينها بمدينة الثقافة الشاذلي القليبي بتونس ونقل جثمانها الطاهر ليوارى الثرى ببلدة أزمور بالوطن القبلي، مسقط رأسها. تقبلها الله وغفر لها
. وأزمور واحدة من أقدم التجمعات السكنية الفلاحية بمنطقة الوطن القلبي وهي تتوسط كلا من قليبية وحمّام الغزاز والهوارية ومنزل تميم ، وتتمتع بمناظر طبيعية خلاّبة سيّمها أنها قريبة من غابة دار شيشو. حصل لي شرف زيارة نعمة رحمها الله ببيتها بأزمور يوم 27 أفريل 2016، رفقة عدد من الزملاء والزميلات، لتسليمها دعوة من الإذاعة التونسية لتكون ضيفة شرف الدورة 17 للمهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون
. كنت آنذاك أشغل خطة مدير العلاقات الخارجية. استقبلنا أبنها طارق وحفيداتها بالترحاب وخصتنا هي بابتساماتها المعروفة. تولت تسليم الورود عنا سيدة أخرى لا تقل ابتسامة هي جيهان الخوني. قالت فنانة تونس الكبيرة إنها لم تفقد صوتها فهي قادرة على الغناء لكن ما يخونها هو رجلاها فهي لم تعد قادرة على الوقوف ولن يكون بوسعها بسبب ذلك الطلوع إلى المنصة لحظة التكريم فكان أن حرصنا كل الحرص على حضورها إلى الحمامات أوائل ماي ورتبنا الأمور لذلك 2016، وكان أن حضرت افتتاح المهرجان وانتقلت المنصة برسمييها إليها لتحييها وتكرمها.
 والحقيقة أن الحديث عن الأغنية التونسية لا يجوز دون الحديث عن السيدة نعمة.. والحديث عن السيدة نعمة قصّة رائعة لفنّانة أصيلة أحبّت تونس وغنّت لها وتغنّت بها فأحبّها التونسيون وتعلّقوا بأغانيها وقد بيّن رحيلها عنا هذه الأيام عن محبّة خاصة لها وتقديرا لمسيرتها الموسيقية.
 نعمة واسمها الأصلي " حليمة الشيخ " ولدت بين أحضان الطبيعة الخلاّبة بتلك القرية من ولاية نابل سنة 1934 وتربت بنهج الباشا بمدينة تونس، منبع الفنّانين والمفكرين وحاضرة الفرق الموسيقية والتمثيلية، وفي مدينة تونس تمّ اكشاف خامات صوتها الحلو الرقيق وقدرتها على الحفظ والأداء فكان أن بدأت الظهور في بعض المناسبات الخاصة والعامة في الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي قبل التحاقها بالمعهد الرشيدي، المؤسسة الغيّورة على التراث الموسيقي التونسي، أين أصبحت بسرعة هناك من بين عناصر الفرقة الرشيدية. 
افتتن الملحنون والشعراء وكتّاب الأغنية في تونس بصاحبة الصوت الدافئ والابتسامة الساحرة والشخصية التلقائية فوضعوا لها باقات من أفضل ما جادت به قرائحهم مغنى ومعنى بل إن صوت نعمة وصيتها ذاعا في الجزائر والمغرب وليبيا وفرنسا فأقامت هناك العديد من الحفلات
 ودعيت إلى الغناء في مهرجان انتخاب ملكة جمال العرب ببيروت سنة 1966 وكانت كذلك خير من مثّل الأغنية التونسية في مهرجان ألفية القاهرة سنة 1969 . بلغ رصيد الفنانة نعمة من الأغاني والقصائد والأناشيد العاطفية والوطنية والدينية عدّة مئات عدد منها يحمل إمضاء ملحنين ومؤلفين عرب وكثير من درر ذلك الرصيد الثري من قبيل " زعمة يصافي الدهر " و " الليل آه يا ليل " و" البير والصفصاف والناعورة " و" لبسّتك من عطفي حلّة " و" ما أحلاها كلمة في فمّي " يردد اليوم ولا يملّ الناس من إعادة الاستماع له في الإذاعة والتلفزيون وعلى اليوتوب.
 لنعمة علاقة خاصة بالإذاعة التونسية التي التحقت بها سنة 1958 وفي رحاب استوديوهاتها ومع فرقتها الموسيقية عرفت الشهرة والمجد لكنها ظلت كما عرفت بسيطة قريبة من الناس
 وفي آخر سني عمرها عادت إلى أزمور مسقط رأسها لتنعم هناك براحة مستحقة دون أن تفقد وشائج الوصال والتواصل مع الساحة الفنية. رحمها الله وأدام ذكرها

. زهير بن حمد 19 أكتوبر 2020
أحدث أقدم