اعلام // شذرات من حياة أبي جعفر القمودي الفقيـه الزاهـد


بقلم : الكاتب محفوظ الزعيبي



ابن جبنيانه

 

من الأعلام الفقهية التي ورد ذكرها عن بعض اهل الخير والصلاح – أبو جعفر القمودي – وهو كما يدلّ عليه لقبه من جهة قمودة المعروفة الآن بعاصمتها – سيدي بوزيد – وقد تحدّث عنها الأستاذ العلاّمة حسن حسني عبدالوهاب في كتاب –ورقات عن الحضارة العربية بإفريقية التونسية – وخصّها بالتعريف في القرنين الثالث والرابع للهجرة حيث عاش – أبو جعفر القمودي – المولود سنة 230 هـ الموافق لـ845 ميلادي تقريبا والمتوفي سنة 324 ه الموافق لـ935 ميلادي. ويذكر حسن حسني عبدالوهاب انه بلغ 94 عاما عند وفاته متناسيا حساب التاريخ الميلادي ومحتسبا التاريخ الهجري... ويقول الأستاذ العلاّمة في قسم بلاد قمودة في القرون الوسطى : "وإذا نحن رجعنا إلى كتب الجغرافيين والرحالين المسلمين في القرنين الثالث والرابع ه (10-11 ميلادي) فإننا سرعان ما نلاحظ التغيير العميق الذي طرأ منذ ذلك العهد على النهوض بالحياة الاقتصادية في هذه الجهة التي نسميها حاليا "السباسب التونسية" وقد اعتمد الأستاذ في تأليفه ما دوّنه المؤرخون العرب عن هذه الجهة امثال : اليعقوبي وابن حوقل والمقدسي والبكري وبعض العلماء الجغرافيين والرحالين الذين عاشوا بعد هؤلاء كابن العذاري وابن الأثير والتجاني والعبدري وابن خلدون والعياشي.. وإن اختلفت معلوماتهم فإن اليعقوبي ينسب انتماء أهالي منطقة قمودة إلى البربر والعرب والأفارقة والروم والبيزنطيين...

ويشير المؤلف إلى قلّة المعلومات عن تحديد منطقة قمودة في عهد أبي جعفر القمودي قائلا: "ومهما يكن فإنه بالإمكان القول بأنه كان يحدها جنوبا إقليم –قفصة- وغربا إقليم –سبيبة- وشرقا إقليم –صفاقس- أما في الشمال والشمال الغربي فكان يحدها إقليم –القيروان (ورقات :3 ص. 368).

وتغافل الأستاذ حسن حسني عبدالوهاب عن تحديد المدينة أو القرية التي ينتمي إليها –أبو جعفر- في أرض قمودة.. وأهمل تاريخ الجانب الشخصي لبداية حياة هذا الفقيه.. واعتقد أنه لم يجد في أثر الأوّلين ما يشفي الغليل وما يعرّف بنشأة أبي جعفر وتكوينه وتعليمه وشبابه.. وما لفت انتباهي عن هذه الشخصية الدينية هو ارتحاله إلى جبنيانة – عندما كان في أوج الشباب بعد أن درس بكتاتيب موطنه.. ولم تكن هذه الرحلة مهمّشة أو محض صدفة وإنما كانت لغاية الالتقاء بكثير من الأئمّة والمشائخ الذين انتشروا في الساحل في ذلك الوقت.. وقصدهم طلاّب العلم للاختلاط بهم والانتفاع من فقهم وعلومهم والاقتداء بطريقتهم... ولا شكّ أنّ أبا جعفر القمودي هو من المرتحلين الذين اختاروا هذا المسلك واجتمعوا بأبي إسحاق الجبنياني العالم والفقيه الذي اشتهر في عصره وانتبه إليه كلّ من رغب في الاستفادة من علمه ومذهبه... واختار أبو جعفر القمودي الإقامة في –قصر زياد – الذي يعتبر في ذلك العصر من المعالم المعروفة والمقصودة للإقامة به فهو رباط كان على ساحل البحر بجهة جبنيانة وآوى كثيرا من مشاهير العلماء والفقهاء.. وكان الناس في ذلك الوقت يسمّون – قصر زياد- بـ -دار مالك- لكثرة من كان به من اهل العلم.. وقد سكنه أبو الحارث ليث بن محمد وحمدون بن مجاهد ومحمد بن الأنباري.. وكان محمد بن سحنون لا يكاد ينقطع عنه.. (نزهة الأنظار في عجائب التواريخ والأخبار لمحمود مقديش. ج.2. ص : 251).

وحسب ما ورد في كتاب –مقديش- فإنّ أبا العباس أحمد بن نافد وزير بني الأغلب كان رجلا من السنة وكان له ابن عمّ على البدعة فبنى كلّ واحد منهما قصرا وجعل حوله بستانا بقرية –بليانة- التي حافظت على اسمها إلى يومنا هذا وتقع قبلة جبنيانة على البحر ولم تبق من معالم قصر زياد سوى ربوة من الحجارة والرّكام تطلّ على الشاطئ قريبة من مقام العالم الفقيه –مسرّة بن مسلم-.. فأما – أبو العباس- فإنه لما أكمل قصره وعملت له قبّة عجيبة على باب قصره قال : ما تمنّيت إلاّ سماع العلم فيها على سحنون بن سعيد.. وقد استجاب سحنون إلى هذه الدعوة وزار القصر وجلس في القبّة ودعا بالبركة.. (نزهة الانظار لمقديش.ج2. ص : 266).

فرابط أبو جعفر القمودي في هذا القصر مع من كان به مدة للعبادة وحراسة الشواطئ...

وممّا يدلّ على زهده وتنسّكه وتمسّكه بمحراب قصر زياد هو انشغاله بتقوى الله وعبادته في مقصورته دون شعوره بأنّ الخليفة – عبيد الله المهدي- حاكم المهدية أخلى قصر زياد من سكّانه المرابطين داخله، وجعله مخزنا لعتاد البحر... فظلّ هناك بمفرده إلى أن خرج يوما ليتوضّأ، فتأمّل القصر فرآه خاليا لا أنيس فيه.. فاحتار في الأمر ولم يفهم السّبب، وروادته الشّكوك إلى أن سأل بعض الناس فقالوا له : لقد اخرجوا كلّ من في القصر ولم تبق إلاّ أنت... فقال : وما الفرق بيني وبين إخوتي المسلمين ؟

فأخذ ركوته وجلدا من الصّوف كان ينام عليه وغادر المكان وارتحل إلى (قصر الطّواب) قرب سوسة وأقام به زمنا طويلا.. وهناك تعرّف على العابد أبي جعفر الأربسي فعاشا مع بعضهما لا يفترقان مقبلين على العبادة وملتزمين بالمرابطة.. ومن أصحابه أيضا : أبو جعفر أحمد الزقاق السوسي.. وكلّ هؤلاء العبّاد من بين  العلماء العاملين والمرابطين اوقفوا انفسهم للدفاع عن منفعة البلاد ونفع العباد سواء أكان باتّخاذ العلوم منهجا والتأليف فيها أو اتّباع طريق الزّهد والتّقوى لإنارة السّبيل لغيرهم في التجرّد لصالح الأعمال.. وتكوين وسط منشؤه الدّين الصحيح ومنتهاه حبّ الخير للغير والغيرة والرّغبة الحقّ للحفاظ على كيان الوطن والتفاني في الدفاع عن العقيدة والبلاد بما يتّصفون به من تضحيات ونكران للذات.. ولم يكن أصحاب ومعارف أبي جعفر القمودي من الراغبين في بقائه بقصر الطّوب فحثّوه على النّزول – بدار الشيوخ- المعروفة في مدينة سوسة منذ ذلك العهد لتواجدها داخل المدينة وبصفتها قبلة القصّاد وإقامة العلماء والفقهاء وحتى ينزل مع الشيخ القاضي أبي جعفر الأربسي الذي كان يقيم فيها..

والأربسي هو أبو جعفر احمد ويدعونه أيضا حمودة بن سعد الأربسي نسبة إلى مدينة الأربس بالجهة الغربية من القطر التونسي، وأقام في سوسة بعد ان تعلّم وتفقّه في القيروان وشارك في إحدى غزوات الأغالبة لجزيرة – سردينيا – فسمّي – بالسرداني- ودرس على كبير علماء سوسة – يحي بن عمر الكناني- واشتهر أبو جعفر بالورع والصّلاح والثقة ودفن بقبّة الرّمل في سوسة وسمّي ذلك المكان باسمه إلى اليوم – شاطئ أبي جعفر.

ومن القصص التي ذكرها المالكي في كتابه – رياض النفوس – أنّ أبا جعفر القمودي دخل على القاضي : أبي جعفر الأربسي وهو في مجلس قضائه وعليه رداء صوف فسلّم عليه ورحّب به القاضي وأدناه من مجلسه وسأله في رجل سجنه ليستفيد من حكمه وعلمه ويستعين برأيه قائلا له :

إنّ هذا الرجل المسجون له أمّ قد أكثرت عليه من البكاء فماذا تحكم عليه؟. فسرت العاطفة في قلب القمودي وشفع له دون أن يسأل عن الجرم الذي ارتكبه وترجّاه أن يخلّي سبيله من أجل أمّه..

فقال له القاضي الأربسي : إنّي لم أسجنه إلاّ في حقّ لغيري وليس في حقّي.. وامتنع من تسريحه وإطلاقه...

فانصرف أبو جعفر القمودي وفي نفسه شيء.. ولكن عادله رشده وعاتب نفسه ووبّخها قائلا :

- بأيّ حقّ تجدين على القاضي وهو اعلم منك وأفضل.. ولا أراه إلاّ قد قضى بالحقّ ؟

ثمّ عاد إلى القاضي معتذرا قائلا : " نعم ما فعلت إن لم تتركه.. وجازاك الله خيرا عن نفسك وعن فعلك.. ولم تفعل إلاّ الحقّ والصّواب.. ولكن مخالفة النفس فيها مشقّة".. وشاءت الأقدار أن يعيش الشيخان أبو جعفر الأربسي وأبو جعفر القمودي مع بعضهما بقية الحياة وأن يدفنا متجانبين بمقبرة قبّة الرّمل في سوسة.. وقضت حكمة الله عزّ وجلّ أن يتآمنا ويتعاشرا في الدّنيا لوجه الله ونصرة دينه وأن يتلازما في الموت بنفس المكان للقاء الله ورجاء ثواب الآخرة.

 

ابن جبنيانــــة

أحدث أقدم