الدكتور احمد الخصخوصي يكتب لكم الترحال شتاء وصيفا بين الغريس وسـڤـدال (7)

الدكتور احمد الخصخوصي يكتب لكم 





"تمر الدود يحمّر الخدود" 


 بركت الإبل ولم يبق إلّا أن تُنزَل أحمالها وتُلْقى أثقالها أمام بيوت الشعر المتّجهة إلى القبلة. وتدبّ في ساحة "الدوّار"[1]حركة نشيطة غير مألوفة تبشّر الجميع بما أمنوا من جوع، ويهبّ الشبّان والكهول والنساء "المذرعات"[2]إلى الغرائر[3]المقرنة يفكّون رباطاتها وينزلونها "مذارعة" [4]. ثمّ يفكّون قران كلّ غرارتين فصلا لهما عن بعضهما ولا يلبثون أن يدخلوا الغرائر إلى البيوت ثمّ يرصفونها عموديا بجانب الركائز[5]وعلى إثر ذلك ينطلق الصبية في حركة كحركة الفراش ليُلقوا نظرات فاحصة على البضاعة المزجاة التي ستحول بينهم وبين المسغبة. وسرعان ما تنتظم حصص من التذوّق تشرف العائلة على تأطيرها وإدارتها بما يناسب أحوال المعيشة خاصّة ويوائم ظروف العيش عامّة ليدرك الأطفال شيئا فشيئا بالتحسّس وبالتنشئة جوانب من الواقع الطبيعي والاجتماعي، هذه الجوانب التي لا تلبث أن تنتصب في أذهانهم الصغيرة انتصاب الضوابط الصارمة والحقائق القائمة وقد أخذ بأيديهم الوعي الحسّي وغير الحسّي وأوقفهم على أنّ القيم الأخلاقية ما هي في آخر الأمر إلّا قيم اجتماعية تنظّم الحياة قياسات ومواقيت واعتبارات ومعايير توشّح في نهاية المطاف بحلل بهيّة من الأخلاق المتعالية. يقبل الصبية على تمر "نفزاوة"[6]المشقوق نصفين وقد سرّتهم صفرته المشوبة بشقرة بهيّة يهشّ لها الآكلون فيصحبونها بجرعات منتظمة من حامض "اللبن" الممخوض ليتألّف من هذا وذاك "غذاء كامل" يغني عن غيره من الوجبات الخفيفة كــــ"الـڤـلية"[7]والشرشي[8]. وإذا صادف أن فطن بعض الصبية لتلك الديدان الصغيرة ذات الشقرة الشفّافة وهي تتلوّى بين تلك الأنصاف المنصّفة سارع أحد الأولياء إلى القول في حزم ودود ووثوق لطيف:" تمر الدود يحمّر الخدود". ينزل ذلك الصوت نزول هاتف من هواتف السماء قادم من وراء الغيوب يُسمع حسّه ولا يُرى شخص صاحبه. وتتردّد في الأجواء تلك الجملة الموزونة المسجوعة لتهبط حجّة دامغة وحكمة بالغة مثلما هو الشأن بالنسبة إلى بقايا "الكسرة"[9]التي يجب ألّا تلقى ولو كانت قطعا صغيرة لأنّها في حالة الاستهانة بها "تدڤّ"[10]وتُنزل بمن يفعل ذلك رجزا من السماء أليما "يعكل في الذرّية"[11]نكالا وعقابا لذويهم، ذلك أنّه يجب على الأطفال وهم الآباء بـــ"القوّة" كما يقول المتفلسفون القدامى، يجب عليهم أن لا يأكلوا "الحَصرم"[12]حتّى لا يضرس أبناؤهم. كذلك الشأن عندما يتعلّق الأمر بالتمر. الآن وقر في أذهان النشء أنّ "تمر الدود" يجعل الوجوه وضّاحة وضّاءة تتّقد حمرة وكأنّما ألقي عليها الرمّان. استوعب الأطفال مثل تلك الأشياء واستبطنوها "حقائق" لا يَرقى إليها الشكّ لاعتقادهم الكمال في آبائهم وأمّهاتهم وسائر أقاربهم وذويهم من أهل القوّة والاقتدار والمعرفة والإلمام بما لا يفقهه الصغار. وماهي إلّا أن تنفتح شهيّاتهم من جديد على مصاريعها، يا للظفر! أيمكن أن يجمعوا في آن معا مفيدا وممتعا؟ أيمكن أن نفوز بالضروري وبالحاجّي وبالتحسيني في الوقت نفسه؟ ثمّ هل يجوز أن نترك هذه المناسبة تمرّ دون أن نركم الغذاء والدواء على الجمال والبهاء؟ هل يحقّ لنا أن نذر هذه الفرصة تعبر دون أن نفترصها حلالا طيّبا بإضافة زينة المظهر إلى صلاح الجوهر؟ إنّه الفوز المبين الذي لا يلقّاه إلّا ذو حظّ عظيم. وفي يسر يسّره الاقتناع الذاتي الحاصل وسهولة سهلّتها الصفحات البيضاء يُقبل الأطفال على الأنصاف المنصّفة سواء منها البنّية أو الشقراء فيزيحون بكلّ بساطة ما يجدونه من ديدان وما يلفونه من بقايا الديدان دون أن يكلّفوا أنفسهم مهمّة غسل التمر. يكفيهم أن يطرحوا الديدان جانبا وينفخوا بأفواههم على آثارها الباقية. والأهمّ من كلّ ذلك أنّ الماء يقوم على وجه الحقيقة مقام الكنز الذي لا يقدّر بثمن، ذلك أنّ العيون نادرة ومنسوب الماء بها ضعيف والدروب إليه وعرة والمسارب الموصلة إليه ملتوية والمسافات الفاصلة بينه وبين الدوّار طويلة. والحاصل أنّ جلب المياه شاقّ مضن ولا سيّما بالنسبة إلى من لا ركوبة له، والنسوة هنّ اللاتي يتعبن ويشقين خاصّة عندما يحملن على ظهورهنّ وأكتافهنّ القرب والقلال يشددنها إلى رؤوسهنّ وجباههنّ بأشرطة صفر من الحلفاء أو بعرى سود من شعر الماعز. ويحدث أحيانا عند التنقّل غير المنتظم الذي تعقّده التضاريس المتفاوتة أن تتكلّم "القلال" وتدفع بما فيها من ماء دفعات متتالية تنزل على الأكتاف والظهور وتبلّل سود "الملاحف"[13] وربّما سرب البلل والبرد إلى الرئات فأصابها بما أصابها من الأدواء والعلل. ألم تعلموا أنّ ذهبية بنت عمّار العايب[14]قد كانت ضحّية ذلك. توفّيت وخلّفت ابنها الهادي[15]يتيما يبكي مع الباكيات وقد وسوس إليه حدسه المتيقّظ أنّ اليتيم اليتيم إنّما هو من فقد أمّه لا من فقد أباه. توفّيت ذهبية وتركت أمّها فجرة[16]ثكلى تنوح مع النائحات نواح حجارة كريمة على أختها وتتفجّع تفجّع فجرة[17]على بدرة[18]. 1) هذه العبارة متداولة في أقطار المغرب العربي وفي المشرق العربي، وتعني الحيّ البدوي المكوّن عادة من مجموعة من الخيام تكون على شكل نصف دائرة وعادة ما تخضع مواقع بيوت الشعر حسب مقتضيات دقيقة تتعلّق بالحماية من الغارات المتوقّعة وبالظروف الطبيعية المرتقبة
. [2]) ذوات الأذرع القوّية. 
[3]) الغرائر هي الجوالق، جمع واحدته غرارة وهي الكيس المصنوع من وبر الإبل وشعر الماعز توضع فيها الحبوب والتبن ونحو ذلك.
 [4]) بالاعتماد على أذرعتهم ومعاصمهم وأصابعهم المشتبكة.
 5) الأعمدة القائمة وسط البيت الفاصلة بين "الخالفتين" اليمنى واليسرى، و"الخالفتان" المنفصلتان هما بمثابة الغرفتين المفصولتين بستار من "الملاحف" أو الحوالي النسائية التي تقوم مقام العباءة بالنسبة إلى المرأة. 
[6]) هي تقريبا ما يقابل ولاية قبلي الحالية.
 [7] ) وهي الحبوب المقلية في "الغنّاي"، وهو الطاجين يكون من طين أو من معدن.
 [8]) "الشرشى": وهو القمح المسلوق في الماء ويسمّى في بعض جهات الشمال بـــ"السليقة".
 [9]) هي الكسرة أو الرغيف.
 [10]) تنجرّ عنها عقوبة، وذلك لعدم إكرام "النعمة".
 [11]) تكون له عواقب سيّئة على الخلف. 
[12]) أوّل العنب ولا يزال العنب ما دام أخضر حصرما، وهو الثمر قبل النضج ويكون شديد الحموضة (ابن منظور، لسان العرب، مادّة حصرم). 
[13]) جمع مفرده ملحفة وهي بمثابة العباءة.
 [14]) هي ذهبية بنت عمّار بن امحمّد بن نصر بن فاضل بن زايد.
 [15]) هو الهادي بن عليّ بوزيد بن محمّد الصغيّر بن فرح بن فاضل بن زايد. 
[16]) هي فجرة بنت محمّد بن عليّ الأسود بن نصر بن فاضل بن زايد. 
[17]) الفجرة تعني الفضّة. 
[18]) والبدرة تعني الذهب.
أحدث أقدم