هبّة ريح قصة جديدة بقلم الدكتور عبد القادر بن الحاج نصر

ساحة المبدعين

                                                                        هبّة ريح
قصة جديدة بقلم الدكتور عبد القادر بن الحاج نصر




هذه السيّدة مع ّإشراقة الصّباح تستعدّ للمساء.
تتأمّل ملامحها في المرآة.. مساء الخير.. دامت الصحّة والعافية.. لا شيء يثنيها عن العودة إلى أدراج خزائنها.. صباح الخير، أسعد الله يومك.. كلّ الرّسائل التي فضّت أختماها سقطت في اللاّشيء، تفاهات، كلام عابر، عبارات بائسة.. أصحابها ! من هم ! عابرون، متسكّعون على الأرصفة، ملهفون، بلا أنوف، بلا ألسنة وبلا عيون.
تتأمّل ملامحها.. الرّسائل التي لم تفضّ أختامها كثيرة والتي مازالت تحتفظ بعذريّتها، ذات أغلفة ورديّة أو في لون البحر، كلّها مضمّخة بعطور مختلفة.. من خلال رائحة الأغلفة قامت كلّ مرّة بعمليّة فرز.. بعض الأغلفة تذكّرها برائحة الفلّ وأخرى بالياسمين وأخرى بالورد وأخرى بلا شيء.. تفنّن أصحابها حتى تعبوا، لم يأتوا بجديد فغرف بيتها والأروقة والفناء وكذلك الفضاء الخارجيّ يحفل بأزكى العطور.
الرسائل التي فضّت أختامها .. عشرات، مئات، أشكال وألوان وأحجام، كلّ منها يفوح بعطر خاصّ.. جمعت الكلّ، وضعتها في سلّة المهملات وصبّت عليها سائلا حارقا وأشعلت فيها النّار.
ما أروع الفرجة.. أطياف تتسلّل من داخل الرّسائل من خلال الألوان والأشكال والأحجام، تصعد مع الدّخان وتختفي.. مجانين مزاطيل مهووسون.
أهمّ من كلّ الرّسائل رمادها.
منذ أن أشرقت الشّمس وهي تستعدّ للمساء.
الصّباحات حارّة والمساءات لذيذة البرودة.
تتفنّن السيّدة في اختيار الملابس.. كم من خزائن امتلأت ثمّ فرغت لتمتلئ من جديد.. كلّما أفرغت خزانة أحرقت كلّ ما فيها إذ لا يمكن أن تفرّط في رائحة عطورها إلى الآخرين والأخريات، عطر جسدها مقدّس وعطر أنفاسها وعطر عرقها كذلك.
طرقات على الباب، أطلّت، لوى يديه وراء ظهره وحدّق فيها، لم يقل شيئا، لم يأت بحركة، انتظر لحظات ثمّ استدار وانصرف، ثياب بالية تغطّي جسدا منهكا، ساق عرجاء، السّنوات الثلاثون المرسومة على الملامح الباهتة اتّسعت وتمدّدت وطالت حتى تجاوزت الستّين والهامة ترنو إلى فوق.
راقبته وهو ينصرف متكسّرا متعثّرا.. مهما تهاوى، مهما تدلّل لن تعطه من خزائنها شيئا، لن تفرّط لأحد في رائحة عطرها، جسدها، أنفاسها، عرقها.
انتظرت أن يلتفت أن يستجدي، أن يحني رأسه لكنّه لم يفعل.. كلّ ما فيه مخلخل، منخلع معوجّ إلاّ هامته فهي عالية مستعلية.
غاب كما تغيب الرّسائل في جوف سلّة المهملات، كما يغيب أصحابها حين يتسلّلون من بين الحروف والعطور التي ضمّخوا بها الأغلفة ثمّ تبخّروا مع ألسنة الدخان.
مع إشراقة الصّباح تستعدّ السيّدة للمساء.. مساءات الصّيف الباردة المنعشة.
المساء ينزل على ساحة الشّاطئ.
السيّدة تستهويها الأمواج وهي تتكسّر على حافة الرّمال.
النّسائم العليلة تروي مسامّ جسدها.. تسير الهوينى، لباس خفيف وعطر خفيف وخطوات متأنّية، خلعت فردتي حذائها فصافحت بشرة قدميها الرّمال.
ما ألذّ رطوبة الرّمل وما أروع إيقاع حركة الأمواج المتلاحقة والمساء وأطياف المصطافين تبتعد عن الماء مودّعة الشّاطئ.
هبّت نسمة باردة، رفعت رأسها، استطابت الرّقبة والصّدر برودة الهواء كما استطابت القدمان رطوبة الرّمال.
هدأت النّسمة، ابتلعتها الأمواج المتكسّرة، من رحم الأمواج هبّت ريح رخاء ثمّ عاصفة هوجاء.
لملمت السيّدة أطرافها، التفتت حولها تستقرئ حالة السّماء والبحر والجبل، دفعتها الرّيح فاقتلعتها من مكانها، تعثّرت، تبعثرت، سقطت فردتا الحذاء، انحنت لتلتقطهما، الرّيح تعصف موجا بعد موج، حاولت أن تتماسك.. انتفض الفستان، اهتزّت أطرافه، حلّت ازراره، تشبّثت به وشدّته إلى صدرها، رمت بها الرّيح إلى الأمام، انفصل الفستان عن الجسد، وأخذت قطع الثياب تتناثر والجسد يتعرّى، تبعثرت أطراف الفستان وتفتّقت حاملة الصّدر، لا شيء يغطّيها.
ارتمت بين موجتين ودسّت جسدها في الماء.. لا عطر ولا طيب إلاّ رائحة البحر.
رأته يعرج على الرّمال، يغالب الرّيح العاصفة، رأته ينحني ويستوي، رأته يلتقط الثياب قطعة قطعة، رأت الحذاء معلّقا في رقبته، رأته يتحدّى دوّارات الرّمال، يقترب من الأرض حتى يكاد ينغرز فيها، رأته يتأبّط الثياب وكلّ شيء يتضاءل فيه إلاّ هامته.
وقف على حافة الموج وقد هدأت الرّيح وسكنت ثورة البحر.
مدّت يديها فمدّ لها كدس الملابس.
أشاح بوجهه وانصرف.
ترجّته أن يتوقّف، تمنّت أن يلتفت، سار بمحاذاة الماء.
ابتعد بعيدا بعيدا حتى أصبح طيفا، حتى لم يعد شيئا.
عبد القادر بن الحاج نصر
أحدث أقدم