مبدعون على الشبكة قصّة قبلة بقلم الدكتور عبد القادر بن الحاج نصر

مبدعون على الشبكة

                                                     قصّة
                                                            قبلة

بقلم الدكتور عبد القادر بن الحاج نصر



كم هو لطيف، كم هو على خلق، يعرج أمام عتبات المنازل والدّكاكين، يتنقّل من رصيف إلى آخر، يحدّق في الأبواب والنوافذ، يتوقّف ويمعن النّظر في الأرضيّة المبلّطة، ينحني، يلتقط أكياس البلاستيك والقوارير والعلب يتحسّسها ثمّ يرمي بها في أوّل حاوية فضلات تعترضه.
لا يمدّ يده لأحد، يمقت التسوّل، صاحب أنفة، معتدل القامة، نحيل، رأسه الضخمة ملتصقة بكتفيه، أنفه أفطس، شفتاه غليظتان بارزتان منفتحتان باستمرار.
رآها قادمة، تقترب منه.. جميلة جذّابة في هيئة سيّدة أرستقراطيّة، تتوقّف أمامه وتفتح حقيبة يدها، تخرج قطع نقود قليلة تمدّها له، يلوي يديه وراء ظهره ويمدّد شفتيه.
- أريد قبلة، قبلة واحدة.
تبتسم السيّدة وقد أشرق أحمر الشّفاه وتورّد الخدّان، أعادت قطع النّقود إلى حقيبة اليد، قرصته من خدّه واسنأنفت السّير دون أن تلتفت.
وضع طرف الإبهام وطرف السبّابة على موضع القرصة، سحب الهواء بخياشيمه وتنهّد.
شاهد فتاتين على الرّصيف المقابل تنظران نحوه، مطّط شفتيه وقفز كما يقفز الكنغر، اعترضهما وقطع عليهما الطّريق.
- المدينة، يا بنات، بعرضها وطولها لم تعطني شيئا.. يا ما مغازات، يا ما مؤسّسات، يا ما إدارات، يا ما مجالس، يا ما جمعيّات، يا ما أحزاب، لا شيء نفخة ريح هواء في هواء.
مدّد شفتيه الغليظتين ومال برأسه الضّخمة نحو الفتاة الأولى.
- قبلة.. قبلة واحدة، وإن تكرّمت عليّ بثانية فذلك من فضلك.
وضعت يدها على رأسه فقرّب شفتيه من خدّها، ابتعدت.
- قبلة ! لن أقضم وجنتك، لن أغرز أسناني في خدّك.. انظري، لم أتجاوز الثلاثين والفم أدرد .
قرّبت منه وجنتها ولمّا امتدّت شفتاه وأحسّت بأنفاسه الحارّة تراجعت ضاحكة.
- ألا ترى ! أليس فيك عينان !حدّق في صاحبتي إنّها أجمل منّي.
استدار نحو الفتاة الثانية.
- قبلة.. قبلة لا أكثر ولا أقلّ وإذا تكرّمت بثانية فمن فضلك.
همّ بها فوضعت إصبعها على شفتيه اللتين تمطّطتا إلى الأمام كقطعتي مطّاط.
- انظر إلى الوراء أرأيت تلك السيّدة.. أسرع إليها إنّها أجمل سيّدة في الحيّ.
تتنقّل السيّدة على مهل من أمام واجهة دكّان إلى أخرى وجروها الصّغير يتمسّح على قدميها.
استدار بعنف فترنّحت ساقه وكاد يسقط.. جرى وهو يعرج.. تسمّر أمامها.. انحنت واحتضنت الجرو، ضمّته إلى صدرها ومرّرت كفّها على رقبته وظهره.
- لم آكل، لم أشرب.. اللّعنة على الأكل وعلى الشّراب، لتذهب الموائد وشراب الدّنيا إلى الجحيم.. قبلة واحدة وإن تكرّمت بثانية فذلك من فضلك.
مطّط شفتيه.. وضعت الجرو بينها وبينها ورمقته بحدّة.
- هل تسمحين لي على الأقلّ بقبلة على جبين الجرو.
مطّط الشفتين الغليظتين ومدّ رأسه فتراجعت السيّدة إلى الوراء وانصرفت.
- ماذا أفعل يا ناس، نهبوا كلّ شيء، أفرغوا الخزائن ابتلعوا الخيرات، أغلقوا الأبواب جوّعوا الفقراء.. قبلة يا ناس، يا ربّ أعطني فتاة جميلة تمكّنني من قبلة، قبلة على خدّ مشرق، بعدها سأعلّق حبلا في شجرة وأنظر إلى قبّة السّماء الزرقاء.. يا ربّ إنّني لا أطلب في هذه الدنيا من بلدي، من كلّ ما في بلدي من شموس وأقمار وأودية وجبال وحقول وغابات ومزارع ومصانع وبنوك وجمعيات وأحزاب على قدر شعر رأسي الضخمة هذه.. لا أطلب إلاّ قبلة، قبلة على شفتين ملطّختين بأحمر الشفاه أو على خدّ ورديّ أو حتى على قدم فتاة تشبه البدر ليلة التّمام.
سار وهو يعرج، مرّ من رصيف إلى رصيف ومن نهج إلى نهج.
السّائرون على الأقدام والدرّاجات الهوائيّة وأصحاب السيّارات المتوقّفة عند الإشارات الضوئيّة رأوه ينحني ويلتقط قطعة حبل ثمّ يواصل السّير.. آخرون رأوه يسند ظهره على جذع شجرة صفصاف وهو يدير الحبل بين يديه.
- قبلة يا أولاد الكلب.. قبلة يا بنات حوّاء وآدم.. قبلة.. لم أذق طعم الأكل منذ يومين ومع ذلك لا أطلب شيئا غير قبلة واحدة وإذا تكرّمت صاحبتها بقبلة ثانية فذلك من كرمها.
شاهدوه والحبل بين يديه، ابتسموا، ضحكوا واصلوا السّير، غابوا عن الصفصافة وغابت الصفصافة عنهم ومازال ممسكا بالحبل والحبل يدور بين يديه ويدور حول نفسه.
بعد ذلك رأوه كما لم يروه من قبل ولم يروا الصفصافة وقد كانوا يرونها من قبل.
إنّه الرّجل الأوّل في الدنيا الذي غطّى شجرة صفصاف متشابكة الأغصان وارفة الظلّ.
عبد القادر بن الحاج نصر
أحدث أقدم