الضمان الاجتماعي في تونس..انعكاسات التطورات الديمغرافية

بقلم محمد الهادي حاجي باحث في علم الاجتماع خاص بالثقافية التونسية

 إنّ الدّارس لكلّ مجال من مجالات الاقتصاد والاجتماع والسيّاسة...لا يمكنه المرور فوق العامل الدّيمغرافي , فأهميّة المسألة الدّيمغرافية وتأثيرها على التّوجّهات الاجتماعيّة والاقتصاديّة، جعل منها المحور الرّئيس في تحديد طبيعة التّطوّر على جميع المستويات وما يترتّب عن ذلك من حيث الكمّ والكيف والبنية، ليس في المدى القريب والمتوسّط فقط بل وكذلك على المدى البعيد، ومن هذا المنطلق يمكن القول أن للحقل الدّيمغرافي تأثيرات بعيدة المدى تكون في الغالب أكثر وقعا على البنى الاقتصاديّة والاجتماعيّة وحتّى السّياسيّة، وهي تأثيرات كثيرا ما تفاجئ أصحاب القرار وحتّى الباحثين. 

وإذا كانت للتّحولات الدّيمغرافيّة تأثيرات متعدّدة على البنى الاجتماعيّة، فإنّ من أهمّ هذه التّأثيرات هو ما يلحق بقطاع الضّمان الاجتماعي في تونس. قد أصبحت التّغطية الاجتماعيّة في تونس تواجه عديد العراقيل والتّحديات، و المأزق ديمغرافيّ بامتياز حيث يحدّد هذا العامل أنساق التّغييرات في عالم الضّمان الاجتماعي بفعل التّغيير الذي يصيب التّركيبة السكانيّة للمجتمع. فقد عرف الهرم السكّاني - الّذي كان يتّصف بخصوصيّات المجتمعات الشّابّة - تغيرا عميقا إذ لم تعد تمثّل فئة الأطفال دون 5 سنوات سوى 8.2 % من مجموع السكّان سنة 2011 مقابل 11 %سنة 1994, وتقدّر سنة 2014 ب 8 % وحسب الفرضيّة المعتدلة فإنّ هذه الفئة ستبلغ نسبة 7,6 % سنة 2019 و 6,8 % سنة 2029 كما عرفت الفئة المتراوحة بين 5 و 14 سنة تراجعا بنسبة 36 %ليمثّل حجمها 15.3 % من مجموع السّكّان سنة 2011 مقابل 23.8 % سنة 1994، في حين بلغت 14.9 % سنة 2014، في المقابل تطوّرت نسبة السّكان في سنّ النّشاط ( الفئة المتراوحة بين 15 و 59 سنة ) من 56.9 % من مجموع السّكّان سنة 1994 إلى 66.4 %سنة 2011 و66 % سنة 2014 كما ارتفعت نسبة الذين تفوق أعمارهم 60 سنة من 3.8 %من المجموع سنة 1994 إلى 10.1 %سنة 2011 لتصل إلى 11 %سنة 2014، وهي ذات الفئة التي لم تتعدّ نسبتها 5.5 %سنة 1966. 

وهو ما يؤشّر لعمليّة تشيّخ ، وعلى المدى المتوسّط والبعيد وحسب الإسقاطات السّكّانيّة للمعهد الوطني للإحصاء فإن هذه الفئة سوف تمثل خلال سنوات 2024 و2034 و2039 على التّوالي 15.2 و18.2 و20.1 %من السّكّان وذلك مهما كان مؤشر نسبة الخصوبة الإجمالي والمقدّر راهنا ب 2.05% . 

 وبالنّظر إلى المعطيات المقدّمة والتي أعدّها المعهد الوطني للإحصاء فإن عدد المسنّين سيتضاعف خلال العشرين سنة القادمة وسيتجاوز بحسب التّقديرات المليونين و870 ألف نسمة سنة 2029 بعد ما كان العدد فوق المليون بقليل ، ومن هذا المنطلق فإن ظاهرة التهرّم في المجتمع التّونسي أصبحت لا تخفى على أحد بالنّظر إلى التّغيّرات الجوهريّة في مختلف فئات الأعمار ضمن تطوّر الهيكلة العمريّة للسكّان، وتبرز مظاهر التهرّم السّكّاني في تونس من خلال ارتفاع مؤشر التهرّم، ويقاس هذا المؤشر بحساب عدد المسنّين لكل مائة شابّ ، وفي هذا السّياق يجدر التّنويه إلى ارتفاع هذا المؤشّر من 12 مسنّا لكل مائة شابّ سنة 1966 إلى 38 مسنّا لكل مائة شابّ سنة 2006 وسيبلغ حسب التّقديرات سنة 2029 حوالي 90 مسنّا لكلّ مائة شابّ ليتجاوز 110 مسنّا لكلّ مائة شابّ سنة 2034.
 ومنذ أن بدأت السّياسة الدّيمغرافية في تونس تعطي نتائجها، بدأت التّركيبة السكّانيّة في مجملها من التّحول في خصائصها، وهو تحوّل يتدرّج في تأثيره من القاعدة إلى القمّة وصولا إلى مرحلة تأثيره على أعلى التّركيبة أي فئة المسنين . 

ويرجع هذا التّحول إلى انخفاض نسبة الخصوبة في البداية نتيجة تراجع الوفيّات وذلك وفقا لقاعدة التّحول الدّيمغرافي فقد أدّى التّحوّل العلميّ في المجال الصّحيّ إلى تراجع الوفيّات فاختلّ التّوازن القائم بين الولادات والوفيّات ويعرف نموّ السّكّان نسقا سريعا يقابل بتراجع السّلوك الإنجابي المنوط بانخفاض نسبة الوفيّات التي تصيب الرّضع، من خلال برامج وطنيّة للتّنظيم العائليّ المتّسم بمجانيّة تدخّلاته، كما ساهم تأخّر سنّ الزّواج بارتفاع سنّ التّمدرس والبحث عن الشّغل واتّسع تأثير السّلوك الإنجابي المتوازن وساهم بصفة ملحوظة في تراجع الخصوبة، ولا يمكن إهمال عامل التّحسن في أمل الحياة عند الولادة الذي عرفته كل المناطق التي كانت مصنّفة ضمن المناطق الصحيّة ذات الأولوية، حيث سيبلغ مؤمّل الحياة عند الولادة حسب التّقديرات 75.2 % سنة 2014 و77.6 عام سنة 2039، وقد بشّرت دراسات علم الشيخوخة بتطوّر معدّل أمل الحياة لمن أعمارهم 65 سنة ويعيشون دون مشاكل صحيّة حيث بلـــــــغ نسبة 12.9 % سنة لـــــــــدى الذّكــــــــور وبــــــ13.7 %سنوات لدى الإناث . 

ولا مناص أمام هذه التّغيرات الدّيمغرافيّة السّريعة التي تشهدها تونس ، من تأثّر عميق للصّناديق الاجتماعيّة المثقلة بَعْدُ بأزمات ماليّة خانقة ، فقد انخفض المؤشّر الدّيمغرافي ( عدد النّشطين المقابل لعدد المنتفعين بجراية ) من 5 نشطين لمنتفع سنة 1990 إلى 2.9 سنة 2010 إلى أقلّ من 2 سنة 2014 في القطاع العمومي ويدخل هذا في إطار تطوّر نسبة الإعالة الاقتصاديّة الاجتماعيّة للمسنّين وتجدر الإشارة إلى أنّ مائة شخص في سنّ النّشاط كانوا سنة 1975 يعيلون 11 مسنّا فقط، لتبلغ سنة 2014 17 مسنّا مع توقّع بلوغ 32 مسنّا سنة 2034...وتكمن أهميّة هذا المؤشّر في قدرة مجموعة سكانيّة نشيطة على تحمّل تكلفة الحياة لبقية الشّرائح الأخرى العاطلة عن العمل، وإذا كانت إعالة الأطفال من ضمن الإشكاليّات في السّنوات الماضية، فإن إعالة المسنّين قد تبلورت كإشكاليّة جديدة و يُنْتَظر أن تتفاقم خلال العقود القادمة، كما أن التّحولات الطّارئة على سوق الشّغل وتراجع سنّ الزّواج وارتفاع نسب التّمدرس وسنواته وانتقال طبيعة الأسرة من الممتدّة إلى النّواتيّة سيؤدي حتما إلى تغيّر مفهوم الإعالة باعتبار تغيّر سنّ النّشاط. ويقوم مؤشّر الإعالة على اعتبار سنّ الخامسة عشرة بداية للنّشاط المأجور لينتهي بسنّ التّقاعد (60 سنة) فعدد المنتجين يقلّ بكثير عن عدد المستهلكين ، ليقوم السّؤال عن مدى قدرة الجزء المنتج على إعالة الجزء غير المنتج ؟ 

ولهذا الاختلال في التّوازن نتائج مهمّة خاصّة على توازنات صناديق التّقاعد . لكن وجب الإشارة إلى أنّ هذا المؤشّر هو بصيغته الخام باعتبار أنّه يتناول كلّ الأفراد الذين هم في سنّ النّشاط وليس النّاشطين الفعليّين الذين لهم عمل فعليّ إذ أنّ مؤشّر الإعالة الفعليّ يختلف عن مثيله الخام، ونجد ضمن السّكّان النّاشطين من يضيف معولا مثل المسنّ والطّفل ويرجع الفارق بين مستوى الإعالة الحقيقيّ أو الفعليّ والخام إلى اعتبارات سوسيو ديمغرافيّة أهمّها : ارتفاع نسب التّمدرس وعمل المرأة وارتفاع نسب البطالة ويتأثّر هذا المؤشّر في كلّ الحالات بالتّركيبة العمريّة للسّكّان، ولفهم هذا المؤشّر وتحليله لابد من المرور عبر فهم وتفسير تحوّل البنى العمريّة أو الهيكلة العمريّة للسّكّان في تونس. 

 وحسب الدّراسات الاستشرافيّة يُنْتَظر أن يُسهِم ارتفاع أمل الحياة عند الولادة وانخفاض مستويات الخصوبة خلال العشريّة المقبلة في تغييرات أكثر وضوحا لشكل الإعالة بتونس ، من خلال الاتّجاه نحو التّساوي بين إعالة الأطفال وإعالة المسنّين، ثمّ في النّصف الثّاني من العشريّة سيتجاوز مؤشّر الإعالة لدى المسنّين مثيله في إعالة الأطفال ففي 2019 يتوقع بلوغه نسبة 47 % كمستوى كلّي ويقدّر لدى الأطفال ب 28.22 % ولدى المسنّين ب 18.80 % وفي سنة 2029 سيبلغ 54 % على المستوى الجمليّ أي بنسبة 26.7 % نسبة إعالة الأطفال و27.33 % نسبة إعالة المسنّين، وهذا حسب تقديرات المعهد الوطني للإحصاء. وهذا ما يطرح إشكالا حقيقيّا على التّوازنات الماليّة للصّناديق الاجتماعيّة. 

فالصّندوق الوطنيّ للتّأمين على المرض مثلا أسند 405 138 قرار تكفّل بأمراض ثقيلة ومزمنة في سنة 2012 منها 4711 مسندة للفئة 60 سنة فما فوق أي للمسنّين بعد التّقاعد، وأمام عديد الأمراض التي بدأت تزحف على الشّيوخ، وهي أمراض تختلف في طبيعتها عن الأمراض المتعارف عليها سابقا مثل الروماتيزم بسبب نقص الغذاء وقلّة الكساء . إضافة إلى أمراض خطيرة مرتبطة أساسا بالسّلوك الاستهلاكي وبنمط العيش، وهي أمراض كانت قليلة الظّهور خلال العقود الماضية إن لم نقل منعدمة وهوما يطرح عديد الاحتياطات سواء على مستوى الاحتياجات من الدّواء وعلى مستوى نظام التّأمين على المرض والتزاماته الماليّة تجاه هذه الفئة باعتبار خصوصيتها الصحيّة والفيزيولوجيّة. 

أما عن صندوق التّقاعد والحيطة الاجتماعيّة فملامح الازمة بدأت بالظّهور منذ منذ 1993 ليبلغ العجز تقريبا 119 مليون دينار سنة 2011 أمام تعاظم نفقات الجرايات التي تبلغ شهريّا تقريبا 150 مليون دينار ا في حين أنّها لم تتجاوز سقف 53 مليون دينارا اسنة 2000، مما ألجأ المؤسّسة إلى خزينة الدّولة للإيفاء بتعهّداته تجاه منظوريه. أما فيما يخصّ الصّندوق الوطني للضّمان الاجتماعيّ فهو بدوره يشهد تأزما منذ سنة 2002 مرحلة العجز الهيكلي حيث قدّر العجز ب210 مليون دينارا سنة 2010 في حين كان يمثل 8.3 مليون دينارا فقط سنة 2000. و يمكن الإشارة في ذات السيّاق إلى أن وضعيّة صندوق الضّمان الاجتماعيّ المالية أقلّ حرجا من صندوق التّقاعد اعتبارا لحجم الاحتياطات الماليّة المتاحة له. 

وبحسب الدّراسات الإكتواريّة يخشى من تفاقم العجز المسجّل في صندوق التّقاعد والحيطة الاجتماعيّة ما لم تُتَّخذ إجراءات استباقيّة حازمة حيث ينتظر أن يقفز من 209 مليون دينارا سنة 2012 إلى 27302 مليون دينارا سنة 2050 بسبب ارتفاع نسق إسناد الجرايات مقابل ركود الموارد المالية المتأتّية من الجهد الإسهاميّ ، أي ارتفاع نسبة التّوازن السنويّة المحقّقة للمساهمات بعنوان نفقات الجرايات من 24.7 سنة 2012 إلى 49.4 سنة 2050، وهي نسب أرفع بكثير من نسب المساهمات المقدّرة ب20.7 حاليا.

 أمّا فيما يتعلّق بالصّندوق الوطنيّ للضّمان الاجتماعيّ يُنْتَظر وفق التّوقعات أن يرتفع عدد النّشطين ب2.2 مرّة ليبلغ 4644094 نشيطا سنة 2050 مقابل 2132817 نشيطا سنة 2012 بينما سيتضاعف عدد المنتفعين بجراية 6.3 مرات من 547.676 سنة 2012 إلى 3205351 سنة 2050 ويُنْتَظر حسب التّقديرات أن يتراكم العجز لهذا الصّندوق من 413 مليون دينار سنة 2011 إلى 35800 مليون دينار سنة 2050 قياسا لارتفاع نسق النّفقات مقابل تقلّص الموارد. ومن هذا المنطلق فإن أنظمة التّقاعد والتّغطية الاجتماعيّة أصبحت تواجه عديد الصّعوبات والتّحديّات في تونس وهي تحديّات ديمغرافيّة بالأساس وتتمثّل في تغيير التّركيبة السّكّانيّة للمجتمع، وهو ما سيفرز لا محالة تزايدا في نفقات الضّمان الإجتماعيّ بتزايد عدد المتقاعدين وتطور المجموع الجمليّ لنفقات العلاج والصّحة، هذا دون إهمال الصّعوبات الاقتصادية التي تعرفها منظومة التّغطية الاجتماعيّة في تونس بسبب التّطورات الاقتصاديّة والماليّة العالميّة أو ما يسمّى بالعولمة وآثارها على سوق الشّغل التي تعدّ المورد الرئيسي للضّمان الاجتماعيّ. 

وختاما فإنّه من الأهميّة بمكان الإشارة إلى أنّ التّحوّل الدّيمغرافي المتسارع نسبيّا الذي يعرفه المجتمع التونسي مقارنة ببقيّة المجتمعات لم يتساوق مع تحوّلات في ضبط الاستراتيجيّات والسّياسات سواء ما تعلّق منها بالجانب الاقتصاديّ أو الاجتماعي. وهو ما يدفعنا للقول بأن الظّاهرة الدّيمغرافية هي محور العمليّة الاجتماعيّة برمّتها لطبيعة علاقتها وتقاطعها مع الظّواهر الاجتماعيّة و الاقتصاديّة الأخرى ولإنجاح المخطّطات المتوسّطة وبعيدة المدى مهما كان نوعها لزم ربطها بالوضع الدّيمغرافي وتأثيراته لضمان النّجاعة في تحقيق المستقبل الأفضل لمؤسّساتنا ولثرواتنا. _____________________________________________________________________________________ معطيات المقال من: ـ مركز الدراسات والبحوث الاجتماعية. ـ المعهد الوطني للإحصاء. ـ مجلة أصداء الصندوق للصندوق الوطني للتأمين على المرض. محمد الهادي حاجي باحث في علم الاجتماع
أحدث أقدم