التنمية السياسية من منظور علم الاجتماع السياسي: بقلم محمد الهادي الحاجي*

التنمية السياسية من منظور علم الاجتماع السياسي:


 بقلم محمد الهادي الحاجي*

C:\Users\cnrps\Desktop\103180918_1482089915304146_8999917804687866818_n.jpg








 كثيرا ما يقع الخلط بين مفهوم التنمية السياسيّة ومفاهيم أخرى كالتجديد السياسي والإصلاح السياسي والانتقال السياسي والديمقراطية والانفتاح السّياسيّ. ويقود غموض مفهوم التنمية السياسية بأساس إلى قُرْبِهِ من تلك المفاهيم السَّالِفة، بَلْهَ ما يحتويمن مفاهيم فرعيّة سياسيّة وأخلاقيّة وايديولوجيّة وفلسفيّة لا تقبل القياس والملاحظة والتدقيق العلميّ على غرار قِيَمِ العدل والمساواة والتّعددية والديمقراطيّة، دُونَ أَنّ نُغْفِلَ تعدُّدَ تعريفات التنمية السياسيّة وما تسببه من عموميّات. تعددت تعريفات التنمية السياسية فعند البعض تدل على العلاقات الاجتماعية والروابط السياسية في المجتمع؛ العلاقات بين الأفراد والمؤسسات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. ويركز الباحثون في هذا المجال على بنية الهياكل وأجهزة الدولة السياسية ودورها وطبيعة أدائها في الحقل السياسي. وهي تدل على قدرات النظام السياسي وفعالية وجدوى الأداء الحكومي، وتعني استقرار النظام السياسي وشرعيته في المجتمع فهي تعني نماذج العلاقات بين الناس من خلال المؤسسات الحكومية السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وهي النظام المتطور سياسيا الذي يواجه بنجاح الضرورات الوظيفية لكل نظام سياسي، ووضع رموز سياسية متغيرة ورموز لتوطيد الهوية الوطنية وبنية مركزية قانونية وسياسية، وقنوات لتنظيم الصراع السياسي ، فهي عملية تعكس قدرة النظام السياسي على التعامل مع البيئة الداخلية والخارجية، وقدرة النخبة على تحقيق التنمية وعملية بناء الديمقراطية.. إن التنمية السياسية سَعْيْ دؤوب من أجل أن لا تكون المؤسسات السياسية والمدنية منغلقة على ذاتها، وهي تستوجب انفتاح المؤسسات وتفاعلها مع بعضها من أجل تطوير أدوات الصَّهْر الاجتماعي والسياسي للفرد بتوحيد الولاء السياسي الذي هو تحت غطاء الدولة على أرضية أنها الحاملة لمصلحة الجميع، وهي الضامن الأساسي للتنمية. كما أن التنمية السياسية، هي تحقيق وعي أشمل بالانتماء، حيث أنه كلّما كانت الانتماءات أوسع كانت المصلحة العامة أعم، وكلما تضيق أطر الانتماء وتتقلص، تتجه المصلحة لصالح الفرد أو بعض الأفراد. إن هدف التنمية السياسية هو بناء ثقافة سياسية محورها الحريّة وقيم الديمقراطية، والمقصود بالثقافة السياسية تلك الجوانب السياسية للثقافة السائدة في مجتمع ما باعتبار أن هذه الجوانب تشكّل جملة متناسقة الأجزاء ،فهي مجموع ما يملكه الفرد من معارف عن النظام السياسي، ومشاعر ايجابية أو سلبية نحو المؤسسات وأحكام تقييمية بشأن الظواهر السياسية . وتعتبر الدولة في هذا السياق -عكس ما ذهبت إليه المقاربة الماركسية-أداة سياسية مثلى لتحقيق الحرية وحمايتها، بما أن الثقافة السياسية هي مجموعة القيم والعلاقات السائدة في المجتمع والمتصلة بعلاقات أفراده بالنظام السياسي، فمن الطبيعي أن تعبّر هذه الثقافة على التَّوق الانساني إلى الحرية والعدالة والمساواة، وهكذا اكتسبت الدولة قدسيتها من خلال ارتباطها بمفهومي القانون والعدالة. وقد انبنت الثقافة السياسية في المجتمعات العربية على حالة من الاندغام بين شخص السياسي وجهاز الدولة، بل إن الدولة والثروة يعتبران امتدادا لسلطانه، فالاندغام (fusion) هي الصفة الأساسية للثقافة السياسية الرسمية، وهو ما يدلّ على طبيعة التنمية السياسية. ثم إن بناء الدولة دون ثقافة سياسية يؤدي إلى سيطرة الايديولوجيا على جميع مستويات الحياة دون الاستناد إلى عمق ثقافي حقيقي؛ فقّد تم تبنّي أنموذج الدولة في اوروبا دون أية ثقافة مصاحبة لها في حين أن التسيير السياسي يحتاج إلى العمق الثقافي والحضاري، أي إلى ثقافة سياسية وتنمية سياسية قادرة على الإقناع والتعبئة، لأن الظاهرة السياسية هي في الأساس ظاهرة ثقافية. وبحكم الارتباط بين الثقافة السياسية والثقافة بوجه عام، كان إقبال الباحثين العرب وغير العرب على النظر في طبيعة الثقافة العربية، خاصة من جهة اتفاقها أو تناقضها مع الديمقراطية. ومهما كان الأمر في طبيعة الاختلاف في هذا الموضوع، فإن انتشار قيم الديمقراطية والمواطنة والتعددية والمساواة وقيمة الفرد وحرية الفرد والجماعة وحريات الفكر وحقوق الإنسان يبقى أمرا مهما لتحقيق التنمية السياسية في المجتمع. ومن هذا المنطلق يمكن القول إَنّ الثقافة السياسية، هي عَكْسٌ للواقع وتعبير عنه وعن تناقضاته في نفس الوقت، ويمكن من خلالها أن نستقرئ الواقع، من مدخل القيم والتصورات والمعتقدات المؤثرة في المجتمع. و قد صَنَّفت دراسات التنمية السياسية الأنظمة السياسية، ووضعتها في مجموعات واسعة وغامضة أيضا، فميزت بعض الأنظمة الغربية "المتطورة" سياسيا وسمّتها "نظام المصالحة" وأنظمة العالم الأخرى، وهي على قولها في طور "المجتمعات الانتقالية" المنقسمة بدورها إلى أنظمة "الأوتوقراطيات الحديثة " و"أنظمة التعبئة". وهناك تصنيف آخر ميّز بين "الأنظمة التعدّدية" و"الأنظمة التقليدية" و"الأنظمة العسكرية". وقد قسّم "دايفيد أبتر" الأنظمة السياسية إلى أربعة "نماذج مثالية"، وهي الأنظمة التيوقراطية والأنظمة التعبوية وأنظمة المصالحة والأنظمة البيروقراطية،اعتمادا على خصائصها البنيوية والمعيارية. و حاولت النظريات التنموية في علم الاجتماع السيطرة على فهم قضيّة التنمية وتحليلها واقتراح البدائل والمقترحات في وضعية تاريخية تتميز بالتحول والديناميكية على مستوى المجتمعات أو على مستوى النظام الدولي. وبالتوازي مع هذه النظريات، كانت السياسات التنموية تُنْجَزُ اعتمادا أو استنادا إلى خطابات رسمية للتنمية وأيديولوجيات بما جعل المفاهيم التنموية يشوبها اللُّبس والغموض بحكم عُسْرِ فَكِ المفهوم العلمي من بقية الاستعمالات والمفاهيم المستعملة في خطابات السّاسة والإعلاميّين وغيرهم، مما جعل مفهوم التنمية يطرح ضرورة المراجعة وإعادة التساؤل والبناء المفاهيمي، ضمن النقد المعرفي. و تُمَثِّل مسألة التّنمية ضرورة علمية لفهم المجتمع في ظل التحولات الطارئة على المستوى الداخلي والخارجي، وهو أمر جعل الأسئلة السوسيولوجية حول إشكالية التنمية والتغير الاجتماعي في ظل المتغيرات المحلية والعالمية الجديدة، مسألة أو إشكالية على درجة كبيرة من الأهمية لدراسة تطوّر البيئة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والكشف عن آليات التغير والاستمرارية في المجتمع.



 محمد الهادي حاجي باحث في علم الاجتماع
أحدث أقدم