جنون الشِعر ) " قراءة ثانية " الشاعر الألماني ( فريد ريش هيلدرلين بقلم مفتاح الشاعري


                                

                    


بقلم مفتاح الشاعري


*د. عبد الغفار مكاوي قال بأن أجود الشِعر هو الذي يبنى الشواهد قبل أن يُغادر , وأبقاه ما يرتقي بالشاعر, وأرذله الخالي من دلالة الكلمات وموسيقى الإيقاع وصور التجّسد
وهذا ما كان مطابقاً تماما لسيرة الشاعر الألماني ( فريد ريش هيلدرلين - 1770-1843 ) والذي قيل عنه " أنه وهب الشعر كل شيء .. فأعطاه بعض أسراره الغامضة .. ثم لاح له الحب .. فغرق فيه حتى الوهم .. ثم الجنون , .
وللشاعر هيلدرلين قصيدة ( أمضي كل الأيام ) والتي رأى البعض بأنها قمة عطاء الشاعر قبل رحيله يقول في قصيدته :-

أمضى كل الأيام على درب غير الدرب
حيناً للشجر الأخضر في الغابة
حيناً آخر للنبع
للصخرة حيث الإزهار مفتحة الأكمام
انظر إلى فوق التل
إلى السهل
لكنى لا أجدك أبداً ياحبي
في أي مكان لا أجدك أبداً في النور
تتطاير منى الكلمات وتذروها الاتسام
كلماتي الطيبة وكانت فيما مر من الأيام
وقد قيل إن هذه أغنية لم تتم بعد أن ٌحرم من حبيبته ( ديوتيما ) إلى الأبد .. وأنه سيهيم بعدها دائم الترحال.. ولمِا لا وقد قال :-
أنت يا من أشرتِ لي قديماً وإنا على مفترق الطرق
يا من علمتني بصمتك وأوحيت لي في هدوء
أن أرى العظمة ..
هل تتجلين لي وتحبيننى كما كنت تفعلين ؟
وهل تلهميني الحياة والسلام من جديد ؟
كانت حياة الشاعر فريدريش صفحات من المعاناة , وفي إحدى مراحلها قابل الشاعر ( شيلر ) , و أمير الشعر وعملاق الأدب – جوته – الذي اعرض عنه وتجاهله تماماً – ليعود إلى مواطنه ( شيلر ) الذي رعاه في بداية الأمر ونشر له روايته ( هيبريون) في مجلة ) ثاليا ( لكنه سريعاً ما انصرف عنه هو أيضا ولقي في حياته الكثير من المهانة والإذلال
بعد ذلك تعّرف على – سوذيته جونتار – المرأة التي وجد فيها الرقة والحب والحنان والرأفة على روحه التي غرقت حتى الثمالة في العذاب , فكانت مثالاً للرقة والحكمة , لكنه سرعان ما غادرها مكرهاً وافترق بذلك عن الإنسانة الوحيدة التي أحبته بصدق , وزيادة في الآمة فقد عاشت بعد فراقهما مدة وجيزة لتقع بعدها فريسة للسل ثم لترحل ويناجيها في قصيدته ( ديوتيما ):-
تسكتين وتصبرين وهم لا يفهمونك
يا أيتها الحياة الغالية
تذبلين في صمت لأنك واحسر تاه
تبحثين عبثاً بين البرابرة .
عن اهلك في نور الشمس
و بدأت ظلال الجنون تظهر على فريد ريش هيلدرلين في سويسرا ليعود من جديد إلى وطنه.. و لينفجر الجرح الذي عانى كثيراً من المعاناة .. وتدفق النزيف من داخله .. وتجلت تراكمات المآسي في حياته فكان أن عانق الجنون وعاش به معلناً من خلال أمواجه عقله المضطربة احتجاجه للرياح :-
ويلي .. لو جاء شتاء
أين سأقطف أزهاري
وألاقي نور الشمس
وظل الأرض
تبدو الجدران أمامي
باردة خرساء
والرايات ترفرف في الريح …
وأسدل الستار عن حياة هذا الشاعر الذي جاء نبوغه كينبوع خارجاً من مجاهل أعماق الأرض وحين زاره الموت وخّلصه من ألآمه , ولتكتمل دورة الحياة التي غناها قبل ذلك بأكثر من أربعين عاماً :
تطلعت روحي إلى السماء
غير أن الحب جذبها إلى الأرض
والعذاب قهرها بقوة
هكذا اعبر قوس الحياة
وأعود إلى حيث جئت …
أحدث أقدم