مقاربات .// الكاتبة المغربية لطيفة لبصير تكتب عن الشاعرة السودانية روضة الحاج

مقاربات

الكاتبة المغربية لطيفة لبصير

تكتب عن الشاعرة السودانية روضة الحاج

تكريم رئيس الجمهورية التونسي للشاعرة السودانية روضة الحاج والكاتبة ...

صورة  في قرطاج الرئاسي تجمع الوزير المستشار الثقافي لرئيس الجمهورية الراحل الباجي قائد السبسي ومدير مهرجان مراة الوسط للابداع العربي محمود حرشاني والكاتبة لطيفة لبصير والشاعرة روضة الحاج بمناسبة تكريم رئيس الجمهورية للضيفتين

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص واحد‏، ‏‏لقطة قريبة‏‏‏الشاعرة السودانية روضة الحاج تكسرالثنائية التقليدية
لشهرزاد وشهريار

" وأني جئت من نون النساء، قلبي على نون النساء"

التقيت الأديبة روضة الحاج في لقاء ثقافي بتونس،* واستمعت عن قرب لشعرها القوي الوهاج ولفصاحتها النادرة وهي تقرأ الشعر.ذكرتني شخصيتها بالعديد من الشخصيات القوية في التاريخ والأدب، واستمتعت وأنا أنصت لذلك المزيج في شخصيتها بين الرقة والقوة وكأنها تبني نموذجا خاصا للنساء . كنت قد تعرفت الى شعرها من خلال تتبعي لها حين كانت من المرشحين الأقوياء في برنامج أمير الشعراء الذي حظيت فيه بالمركز الرابع، لكنني عن قرب عرفت الكثير من جوانبها الشخصية والثقافية أهمها دفاعها المستميت عن بلدها السودان في خارطة الثقافة العربية، والوجه المشرف الذي تظهر به في الملتقيات هي الحائزة على عدة جوائز منها: جائزة شاعرة عكاظ 2012 ، أفضل شاعرة عربية في استفتاء وكالة أنباء الشعر لعام 2008 ، جائزة أفضل محاور من مهرجان القاهرة للاذاعة والتلفزيون 2004، كما حاز ديوانها "مدن المنافي" على جائزة ابداعات المرأة العربية في الأدب من أندية الفتيات بالشارقة.
لها العديد من الدواوين الشعرية التي ترجمت الى لغات عدة، كما أنها مؤسسة ورئيسة تحرير مجلة السمراء، التي تهتم بالمرأة السودانية في كافة انشغالاتها الثقافية والسياسية، وهي أيضا عضو البرلمان السوداني مع العديد من الانشغالات الأخرى.
الحب والنساء:
تحضر المشاعر النسائية في دواوين الشاعرة السودانية روضة الحاج، بحيث تتخذ الشاعرة في كثير من الأحيان من ضمير المتكلم النسائي هوية خاصة، وكأنها المتحدثة باسم النساء ومواجعهن، فمشاعر المرأة تزهر في قصائدها، ولذا نجد المعجم الخاص بالمرأة وكأنه ينحت عوالمه الخاصة، بحيث تتجلى مشاعر النساء في طبق خاص يتوجه الانتظار والرحيل والهجر والحب والعطاء والوله والكلف والرغبة المستترة الى غيرها، فكلها قواميس تعرفها المرأة كثيرا لأنها تعيشها في كثير من الأحيان بصمت لا صوت له.
شاعرتنا روضة الحاج اتخذت من الشعر أبهى المشاعر الانسانية، فهي تتحدث عن الآخر بكل التوق الراقي الذي يعلن بقوة حضوره الأنثوي حتى لو كان اتهاما بأنها الجنس الضعيف، فهي ترضى بذلك لأنه يحيل حضورها الشعري الى لغة أقوى من المجتمع الذي يرى المرأة في الحلقة الضعف، تقول الشاعرة في ديوانها "عش للقصيد":
" وجعي على وجع النساء/ أنا لست غاضبة عليك/ يا كل أسباب الهناءة والشقاء/ غضبي على هذا الذي/ يشتاق لو يلقاك يدفن وجهه/ ولديك يجهش بالبكاء/ أنا لست نادمة على شيء مضى/ يا أنت يا خير ابتلاء/ لكنما.../ أو لست أنت من استراح بباحة القلب الرحيب؟"
تبدو الشاعرة منصتة للحب والمشاعر رغم جراحات النساء المتكررة عبر التاريخ، الا أن بناء الشاعرة للغة أخرى تنتصر للحب عوض الحروب المتكررة التي تتجلى ضعيفة أمام المشاعر السامية، لذا يمثل الانتصار للحب والحياة انتصارا للانسان قبل كل شيء، وهذا هو المرجع الأساسي للشعر الذي يعادل الانسان ويمنحه الصفاء ويقهر ثنائياته المتوارثة.
شهرزاد تعانق شهريار:
توظف الشاعرة روضة الحاج الكثير من الرموز المتداولة لدينا مثل الثنائية الشهيرة الكونية : شهريار وشهرزاد، فالمتلقي أينما كان سيعرف الشخصيتين معا، وصراعهما التاريخي في ألف ليلة وليلة وما ترتب عن ذلك من رمزية أصبحت مسكوكة، بحيث نجد العديد من الكتب التي تفرعت عن هذا الاسم، تحافظ على جدلية الصراع، وكأن القارىء العربي يعرف أن شهريار هو الحاكم غير العادل وشهرزاد هي الساردة التي تمنع الموت بواسطة الحكاية.
تعود الشاعرة لنفس الأسطورة المحفورة في أذهاننا أيضا لتخلق بناء جديدا من نفس المواد التي اعتدنا سماعها ولكن بصيغة أخرى تولد معاني جديدة تمزج العالمين المتنافرين معا، وكأنها تولد تاريخا جديدا للمحبة عوض القتل، رغم ما يحدث في هذا العالم من صراع بين العالمين، الا أن الشاعرة تنفي هذا الصراع في الكثير من القصائد ، تقول في ديوانها؛ "ضوء لأقبية السؤال":
"بابان تدخل كل أوجاعي/ إلى رئتي جحيما منهما/ أني ارتضيت العمر/ شعرا جامحا قلقا/ وأني جئت من نون النساء/ قلبي على نون النساء !!...ضدان نخرج للحياة توحدا/ (طلّان) نقترح الدروب كما تشاء/ وتقرر التاريخ/ يأتي شاهدا/ أنّا معا/ فجميع من في الأرض/ من طين وماء! / أنا لا أحبذ القول الا إن أردت / وربما فضلت صمتي/ قبل إدراك الصباح/ وبعد إتيان المساء/ يا (شهريار ) الشعر أجدر بالبقاء ! / يا (شهريار) الحب أجدر بالبقاء !/ "
تكسر الشاعرة البناء التقليدي ببناء جديد، وهو خلق لرمزية جديدة تؤمن بالحب مع أشهر رمز للظلم النسائي، وكأنها تبني الألفة مع الضد، الذي هو في الأصل واحد، لذا تصر الشاعرة على هذا القول الشعري بصور مختلفة، فالكائنان هما"ضدان يخرجان للحياة توحدا" ، ففي الاختلاف عاطفة جديدة تبني تاريخا جديدا للحب والشعر لأنهما معا أجدر بالبقاء، والشاعرة ترجع لكل المرجعيات التاريخية كي تخلق كائنا آخر يحتفي بالانسان.
معاجم الحب هي الحب نفسه :
لا تتوقف معاجم الحب عن خلق معاني جديدة، ولذا يعترف الشعر بأجمل اللقاءات الانسانية، إذ لا نشعر ونحن نقرأ لشعر روضة الحاج أننا أمام تمايز نسائي وأن مفاهيم النسوية مهيمنة على الشعر والمعنى، بل يصبح المعنى هو التواصل الانساني وهو أكبر من هذه الثنائية التي قامت الشاعرة بهدمها.
تقول الشاعرة في ديوانها : "في الساحل يعترف القلب":
"يزيد يقيني في كل يوم/ بأني خلقت لأجلك أنت/ وأني رأيت بعينيك هاتين/ فاك الذي قال قبلي القصيد/ واني بغيرك يا رجلا/ يعتريني كحمى السواحل/ قاحلة كالبلاد اليباب/ ولا لون لي/ ولا طعم لي/ ورائحتي الجروف التي لم يزرها المطر. "
فالرجل هو السارد بكلمات الشعر قبل أن تطأ المرأة أرض الشعر، وهو الرائي بعينيها أجمل ما في الوجود، وهو انصهار للذواتين معا، وهو الحالم بصنع المستحيل، وبكل أنواع مكر النساء، التي تجعله يعتقد أنه ليس أهم زلزال في حياة الشاعرة، ولكنها تبوح للقصيد بكل المكنون والسري والجميل والملتوي والمتألم والملتاع والراغب والمستعصي والوحيد والمهجور الى غيرها من كل معاجم الحب واللهفة والتوق، وهي كلها معاجم تمنح للقصيدة بابا آخر للحياة.
ففي ديوانها "مدن المنافي" نرى كل معاجم الاشتياق والحنين والأرق والغياب والرحيل والانتظار الطويل، وهي كلها معاجم لا يستقيم العشق بدونها، وكان الوجه الآخر للحب يكمن في لوعة البعاد ووجعه، ولذا جاء هذا الديوان وكأنه يخط معالم الوحدة العميق للصوت الشعري الانثوي، فهو يرسم كل العلائق التي تتخلق من أسى الشوق للحبيب، وكان الديوان نداء لغائب باق في القلب ومكتوب في اللوح القديم للذات التي تناجيه، وفي قصيدتها "تعال وقتما تشاء"، تقول الشاعرة:
"تعال وقتما تشاء/ فانني كما الجرح باقية/ مقيمة كما الجراح باقية/ مقيمة كقصة حزينة/ تقوقعت كالوشم في دواخل امرأة/ أجل/ فليس يعرف الحزن سوى النساء/ تعال وقتما تشاء."
يبدو الحزن النسائي مختلفا، تقبض عليه الشاعرة برؤيا شعرية مختلفة، ميالة الى الايقاع في المعنى والشكل، فقصائدها ذات ايقاع صوتي بحيث تشكل ذلك الجرس المتناغم الذي يمنح للقارىء نشوة واختلافا في الرؤية الشعرية، وكأنه يبني متلقيا خاصا لسمو المشاعر والأنفاس.
في دواوينها انفعال متعال ينسجم مع صوتها المتفرد، الدؤوب، وفي معاجمها العديد من التركيبات الجديدة التي لا تبلى، والتي منحت للصوت النسائي قوة الحضور، اذ نشعر وراء انفعالها الشعري بناء لشخصية شعرية جديدة تفرض على الآخر مفاهيم جديدة غير معتادة في الشعر الذي تكتبه المرأة في أغلب الأحيان، وهي بهذا تنتصر لحضور نسائي لا ينهزم رغم بوحه للحب، بل على العكس تماما هو يقاوم بحضوره الخاص وينزع من الآخر الاعتراف بهذه العواطف الاستثنائية لأنها هي التي ستمهد الطريق للانصهار الانساني.

---------------------
* اللقاء المقصود هو الدورة 27 لمهرجان مراة الوسط للابداع العربي وكانت الكاتبة لطيفة لبصير والشاعرة روضة الحاج ضيفتا الشرف في هذه الدورة 
أحدث أقدم