مقال خاص.//الدكتورة لطيفة لبصير تكتب لكم انا والصور والعالم

      مقال خاص                            



                                      

                                  أنا والصور والعالم !



 بقلم الدكتورة لطيفة لبصير . المغرب 




 لا يمكن للحظة أن تمر اليوم بدون صور، فمهما حاولت أن أنسى التقاط صورة لي في لحظة خاصة أو عامة، الا وأجد يدي تمتد للهاتف كي أصوب وجهي نحوه وبابتسامة عريضة وقبلة حمراء، أبدو يانعة ومزهرة وكأنني سعيدة على الدوام، لكن واقع الصور ليس هو الحقيقة المرئية، فلطالما كانت الصور مخادعة، وتبرق فقط لأنها تريد أن تقول للعالم: كم أنا سعيدة في هذا العالم ! الصور معنا اليوم في كل مكان، في الحقائب وعلى الهواتف المحمولة وشاشات الحواسيب، فقد تضخمت لتصبح هي الشخصية. فأنا هنا في كل الأمكنة، حتى أن التقاط الصور ينسيني ذاكرة المكان، فهو يمر بسرعة لأنني أنشغل بالصور أكثر من انشغالي به، ولذا أصبحت الصور هي العالم الذي يرى. في زمن مثل هذا الزمن، تعبر صور كثيرة قاسية، ففي كل الدقائق، تحدثنا الصور عن أقسى ما يحدث في العالم، فهي تلتقط الوجوه الجائعة، النحيفة و الأفواه الممدودة للشرب، والكائنات التي تموت في كل الأمكنة، حتى أن العين ترى صورا عديدة لا تستطيع عدها، ولكنها مع الأسف لا تخزنها في الذاكرة، فهي مثل كل الصور التي تعبر، تكون مؤلمة في اللحظة التي يتم استقبالها وتنسى في اللحظة الموالية. بعد مرور العام، تكون في أيدينا العديد من الذكريات والأحداث والأشياء الجميلة والقاسية، لكننا في كثير من الأحيان ننساها لأننا نراها حزمة من الصور المخبأة التي قد يفاجئنا بها السيد الفايسبوك ليخبرنا بأننا كنا على وئام تام في هذه السنة وبأننا سعداء للمرة المليون مثل كل البشر، لكن هل كنا سعداء فعلا أم أن صورنا كانت تعكس ملامح السعادة التي رسمناها على محيانا في تلك اللحظة؟ في حيوات سابقة وصلتنا العديد من الصور التي نقلت لنا الكثير من المشاعر والتواريخ والأحداث، وظلت شاهدة على عصور أفلت، وهي اليوم تعتبر مثل توثيق لعصر مضى بأشكاله وألوانه، غير أنها لم تكن بهذا الشره الذي نجد حياتنا اليوم مكتسحة به؛ فمن المؤكد أن بعض الصور تستميلنا وتخلق لدينا بعض الأثر، ولكن المؤكد أيضا أن الصور هي أهم محرك يبحث عنه السيد غوغل، فهي تحتل أهم الأرقام ولذا يتصدر الأنستجرام وسناب شات وغيرهما عالم الصور وفأر التنقيب، فهي الأقرب للمستهلك النهم للصور، وفي قلب الصور، تمرر أكثر الاشهارات العالمية التي تعكس أرقى أنواع الموضة وتظل العين التي تلتقط الصور مشبعة بأحدث ما يصدر من مواد استهلاكية فتخلق لدينا الرغبة في الشراء والاستهلاك لأن الكل يرى ويلبس ويستهلك. لا شك أن هذه الصور أيضا هي شاهدة على عصرنا أيضا، فهي علامة على العصر ولذا فالكثير من الوجوه الفنية غير الجيدة أيضا خلقتها الصور التي تنقلها في حالات أسطورية تثير المتلقي لهذه الصور، بحيث يتعلق المشاهد بما يرى ويحلق في السماء مع وجه أعادته الصور مرات عديدة كي تخلق منه البوصلة والأيقونة، في حين تظل العديد من الوجوه نائية ومنزوية وغريبة، ولذا فما أكثر الفنانين الذين تتعلق بهم ذاكرة الصور لا لشيء الا لشكلهن الخارجي أو قوة الصور التي أصبحت علامتهم المميزة وأصبحوا بين لحظة وأخرى سادة العصر ومالكي العالم بواسطة وهم الصورة وزيف التخييل لدى الرائي. الصور معنا في كل مكان الآن، فوق وسائد نومنا، في حميميتنا، في لحظاتنا الهاربة دوما، حتى أننا ننقر عليها كل دقيقة، وكل ساعة، ولأنها كذلك لا يسعنا الا أن نضحك أمام العين التي ترى ونقول: تشييييز !
أحدث أقدم