الاستاذ احمد الخصخوصي يكتب على حلقات الترحال شتاء وصيفا بين الغريس وسـڤـدال (5)

الاستاذ احمد الخصخوصي يكتب على حلقات


الترحال شتاء وصيفا بين الغريس وسـڤـدال (5)


وادي اللبن " بعد هذا ودونه" كما يقول أهاليه عجيب المنحى من جهة ما ينفرد به من مياسم تميّزه عن غيره. فلوادي مجردة - على طوله المديد ودوره الحيوي- اسم واحد لا يتعدّاه، ولوادي النيل- على عظمة شأنه وعلوّ قدره- اسم واحد لا يتجاوزه. وكذا العاصي والأردن والفرات ودجلة وغيرها.
أمّا هو فقد حباه ذووه بثلاثة أسماء خصّوه بها إعجابا به وثناء عليه وتوقيرا له، فهو "وادي الناظور" عندما ينطلق من شرق "السند" (التابعة لجهة قفصة) وغرب منزل بوزيان (التابعة لجهة سيدي بوزيد) وقد غذته "الـڤـرعة" المشتركة مياهها بين الجارتين الغربية والشرقية وغذاه أحد فرعي "عين الـڤـصيبة" القريبة من "الـڤـلّال" و"وادي العناصر" المنحدر غربي "العمران" (ويمكن الاطّلاع على عديد المعطيات بالرجوع إلى المعمّر الفرنسي ريشار سيبيوت Richard Sebillotte من خلال مؤلّفه ذي الأجزاء الستّة، وعنوانه "القصر الأحمر" Ksar Al Ahmar، وهذه هي تسمية منزل بوزيان الأصلية نسبة إلى قصر أحمر اللون من آثار القصور الرومانية قبل أن يتحوّل اسم المكان إلى "سبعطاش" نسبة إلى المحطّة السابعة عشرة من محطّات السكّة الحديدية المنطلقة أوائل القرن العشرين من صفاقس باتّجاه قفصة، هذه المحطّة التي أطلقت عليها شركة صفاقس- قفصة اسم ‘Maisonnette 17’. ثمّ إنّ الاسم انتقل بمجيء الاستقلال ليتّخذ له عنوانا موضوعا اسم علم من أعلام الكفاح التحريري ضدّ الاستعمار الفرنسي، وهو علّامة النحو الجامعي الشيخ حسين بن السهيلي بوزيّان الردّاوي أصيل المنطقة. ويذكر في هذا الصدد أنّ هذا المناضل الوطني قد انتُخِب عضوا بــــ"المجلس القومي التأسيسي" يوم 25 مارس 1956 ليقع اغتياله في اليوم الموالي أي يوم 26 مارس 1956).
وهو "وادي اللبن" عندما يمرّ شمال المكناسي وعلى يمينه "قصر خليفة الزناتي" بعد أن يغذّيه بمعظم مياه سڤدال من جهة اليسار "سارڤ المرڤـة" المارّ بين "الرميلية" و"الجبّاس" وهذا الوادي المتواضع ظاهريا هو كما يدلّ عليه اسمه هو صاحب الخرجات الفجائية الخطرة، ويزوّده من اليمين "وادي ابن سلّام" الواقع غربي المكناسي و"الوادي الواعر" الواقع شرقه. ويواصل "وادي اللبن" طريقه شاقّا الغريس من غربه إلى شرقه وقد تزوّد بمياه "وادي المـڤـيتلة" غربي "الطلحاية" و"وادي الـڤـصر" الذي يأتي من اليمين حيث ينتصب القصر الروماني شامخا إلى الآن.
وهو "وادي ران" (أو "واد ران" كما ينطق عند ذويه أو ببساطة أكثر عن طريق نوع من الاندغام ‶ Contraction ‶ "ودران"). وعندما يتجاوز مستوى أرض المزونة (الواقعة على يمينه) يدرك القسم الغربي من ولاية صفاقس على مستوى "بئر عليّ بن خليفة" ليمرّ جنوبه حيث تنبسط الأرض نسبيا في تفرّع حينا وإلتقاء حينا آخر إلى أن يصبّ حمولته الغنيّة بالماء والطمي في البحر الأبيض المتوسّط بين المحرس والحشيشينة.
هكذا يكون الوادي ذو الشعارات الثلاثة المرفوعة قد مرّ بثلاث ولايات (وهي قفصة وسيدي بوزيد وصفاقس) في التواء وتفنّ وانعطاف حينا وفي انسياب وتمايل وتأوّد واسترسال مع الطبع حينا آخر كيفما تشاء التضاريس وتريد طبائع الأرض مثلما يفعل الحنش لا في حركاته المتلوّية فحسب بل في محاكاته إيّاه على نحو آخر، فذلك يتخلّى في كلّ موسم عن ثوبه المتقادم فيخلعه ويتّخذ لنفسه ثوبا آخر جديدا، وهذا يترك اسمه في كلّ مرحلة من مراحل سيره ويتسمّى باسم غير الذي كان، وكأنّ كليهما يودّ أن يستعيد شرخ شبابه ويريد أن يسترجع نضارة عهده الأوّل ليُقبل على باكورة جديدة من باكورات الحياة.
أحدث أقدم