بلابل المدينة العتيقة (14) رواية في حلقات بقلم الروائي الكبير عبد القادر بن الحاج نصر


بلابل المدينة العتيقة (14)


رواية في حلقات



بقلم الروائي الكبير عبد القادر بن الحاج نصر 

الحلقة 14




التقى بدرصاف في مطعم المهداوي.
- كسكسي بالحوت ؟
- أو هناك أروع من الكسكسي وألذّ.
طلب فيلسوف التعاسة من صاحب المطعم سلفة، أوهمه بأنّ درصاف حبلى وهي مهدّدة بالموت إن لم تجرِ عمليّة لإسقاط الجنين في حدود اليومين القادمين.. العلقة تكوّنت في الفوضى والجنين تطوّرت نشأته في التعاسة ثمّ توقّف عن النموّ، أدركته الفوضى ففسدت النّشأة.
" هل سيكتفي صاحب مطعم المهداوي بالفرجة على درصاف الجميلة وهي تتعذّب وهو الذي أحبّها في سرّه وقضى اللّيالي يتخيّل صورتها.. لن يتحمّل رؤية زهرة جميلة تموت بتلاتها واحدة بعد الأخرى.. كيف تخرج نجمة ساطعة عن مدارها وتسقط في الضياع.
في المرسم ! لا مكان أنسب من فضاء المرسم.
قالت درصاف لعامر ومحمود هناك خبر ستنتفض له أحياء المدينة.. اللّيلة سيعلنه بيننا فيلسوف التعاسة وهو الذي أتى بالمرطّبات والحلويّات والمشروبات احتفالا بالمناسبة.. لن أفصح لكم عن شيء، سننتظره حتى يأتي بعد قليل فاللّيل طويل.
قال لها محمود:
- هل ستتعرّين احتفاء بالحدث السّعيد؟
قرصته من خدّه.
- إيّاك أن تقول هذا أمام الفيلسوف.
قال عامر مازحا:
- أعلم أنّه يغار عليك.. ليس من حقّ أحد منّا استفزاز رجولته وإلاّ صبّ علينا فنون التعاسة والفوضى صبّا.
وضعت يدها على صدره ودفعته إلى الوراء.
- هذه إهانة موجّهة إلى كلّ من يقدّس العشق أيّها التّافه.
أمسك محمود ذقنه بين السبّابة والابهام.
- هل يدخل العشق في باب التعاسة ؟
أجابت درصاف:
- لا يا سيّد.. التعاسة هي أن أتعرّى أنا أمام صعلوكين من صعاليك المدينة العتيقة فيظلاّن ينظران متلهّفين حتى ييبسا حلقاهما، أمّا العشق فهو أن أمسك بيد الفيلسوف وأهمس في أذنه وأنتما تتفرّجان، أقـبّل خدّه وانتما تنظران، يحيط خصري بذراعيه وأحيط رقبته بذراعيّ، يأحذ شفتي السّفلى بين شفتيه يمصّها، وآخذ شفته العليا بين شفتيّ وأقضمها وأنتما تحملقان.. مذهب التعاسة يفرض أن أكون عارية، أدخل وإيّاه غرفة النّوم ونترك الباب مواربا، نمارس شهوتنا المقدّسة وأنتما تتلصّصان.. أليس هذا نصيب الصعاليك ؟
انفجر عامر ضاحكا.
- ما أحلى التعاسة.. إنّها جنّة العشّاق، من رحمها تولد الأحلام العظيمة.
علّق محمود:
- وتولد الكوابيس كذلك.
*****
مرّ فيلسوف التعاسة ببائع أدوات الذّبع والسّلخ والتقطيع.. أترى هذه السكّين ذات المدية الحادّة قادرة على ذبح صعلوكين وامرأة وتقطيع أجسادهم لحشوها في كيس يلقى في حاوية الفضلات.. لقد مارسوا الخيانة ضدّ من هتف له الدّاني والقاصي.. أكبر فيلسوف في باب التعاسة والفوضى.. أليس السّاطور أنسب لهذه المهمّة، سأقتني السّاطور للتنفيذ والسكّين للضرورة.. اللّيلة أعدم الخيانة.. خائنان وخائنة.
وضع السّاطور في حزامه من الجهة اليسرى والسكّين في الحزام من الجهة اليمنى.. تخيّل نفسه أحد رعاة البقار الغلاظ الشّداد.. نفح صدره ورمق المحيط بنظرة ساخرة ثمّ سار متأنّيا من رصيف إلى آخر.
" في التانّي السلامة وفي العجلة الندامة."
النسيم منعش والمدينة أخذت تخلو من المتسكّعين وروّاد المقاهي والحانات ودور السينيما.. الفيلسوف، راعي البقر، العاشق الذي خانته حبيبته مع أقرب صديقين له سيحوّل هذه اللّيلة نظريّة التعاسة إلى واقع ملموس وسيتحدّث عنها النّاس، ستنتشر النّظرية في النوادي والجمعيّات ودور الثقافة والمدارس والمعاهد النّموذجيّة.
توقّف عند عتبة العمارة الواطئة التي تقشّر طلاؤها وتحوّل البياض إلى لون رماديّ.
" كن تعيسا أو لا تكون."
وضع قدمه على أوّل درجة في السلّم.
" كن تعيسا لتكون عاشقا."
" هذه فرصتك الذهبيّة يا درصاف لتتنقّلي بين أروقة التعاسة وتستحمّين في بحيرة العشق."
تحسّس الساطور وتحسّس السكّين.
******
للقصّة بقيّة
عبد القادر بن الحاج نصر
أحدث أقدم