من رسائل ألبير كامو إلى ماريا كاساريس: لا أتخيل شيئا أسوأ من فقدكِ

من رسائل ألبير كامو إلى ماريا كاساريس:


 لا أتخيل شيئا أسوأ من فقدكِ 


ترجمة  سعيد بوخليط 



 حدث اللقاء بين ألبير كامو وماريا كاساريس عند ميشيل ليريس Leiris، يوم 19 مارس/آذار 1944، خلال عرض قرائي في المسرحية السيريالية لبابلو بيكاسو «رغبة ممسوكة من الذيل»، حينئذ اقترح كامو على الممثلة الشابة والتلميذة السابقة في معهد الفن الدرامي والمتعاقدة مع مسرح» Mathurins» أداء دور مارتا في مسرحيته «سوء تفاهم» بدأت التدريبات على العرض المسرحي، وفي غضون ذلك أغرم كامو بالممثلة، ليلة 6 يوليو/تموز 1944، ومع نهاية أمسية أقيمت عند المخرج شارل دولان، ثم خلال اليوم نفسه الذي اقتحمت فيه قوات التحالف شواطئ نورماندي، أصبحا عاشقين


. (1) يوليو/تموز 1944 
عزيزتي ماريا .. لديّ موعد عمل في حدود الساعة السادسة والنصف مساء مع الناشر مونتي كارلو داخل مقر»دار نشر المجلة الفرنسية الجديد» ــ غاليمار في ما بعد ــ وانطلاقا من هناك سنذهب بالتأكيد إلى شارع «سيرانو« المتواجد في زاوية من طريق «رودو باك» وكذا جادة سان جيرمان، سأنتظركِ هناك غاية الساعة السابعة والنصف مساء، خلال هذه اللحظة بالذات، سأكون في «لافريغات»، تحديدا شارع ”رودوباك” والأرصفة، حيث ينتظرني مارسيل وجان، وأخيرا على الساعة الثامنة مساء، الموعد العام في ركن من شارع «بون» ورصيف فولتير، أظنِّكِ تعرفين المكان، أعتذر فالوقت يداهمني ولا أستطيع الاستمرار أكثر من هذا الحيز متحدثا إِلَيكِ، أقبِّلُكِ. لقد عشقتكِ جدا ماريا على امتداد تلك الليلة، وأنا أستحضر طيفكِ، وأرهف السمع لهذا الصوت الذي أضحى حاليا بالنسبة إليّ فريدا. 

(2) الساعة الرابعة زوالا 
صغيرتي ماريا .. أتطلع إلى الالتقاء بِكِ حاليا من خلال مكالمة هاتفية، بيد أنَّ وقتي ضيق جدا، فقط استعنت بفجوة بين موعدين، كي أخط إليكِ هذه الكلمة إنها لا تعني شيئا طبعا، لكنني أفترض أنَّكِ ستصادفينها أمامكِ حين رجوعكِ هذا المساء، بالتالي سأشغل هاجس تفكيركِ أنا متعب وأحتاج إليكِ، لكن بالطبع يستحيل توضيح أمر من هذا القبيل هكذا، بل يقتضي السياق أن تكوني أمامي، ليلة سعيدة عزيزتي، نامي جيدا وفكري فيّ بقوة. أقبِّلُكِ غاية صبيحة اليوم التالي 

 (3) الساعة العاشرة مساء
 لقد قرأت للتو إهداءك عزيزتي، وأشعر في داخلي بشيء يرتعش، أقول مع نفسي إننا نكتب أحيانا هذه الأشياء وفق حركة، بدون أن نكون في خضمها تماما، أقول في الوقت ذاته بأن هناك كلمات لا نكتبها، ولن نشعر بها، أنا في غاية السعادة ماريا، هل ممكن هذا؟ ما يرتجف داخلي يظل نوعا من السعادة العارمة، لكن في الآن ذاته ينتابني إحساس بالمرارة نتيجة رحيلكِ، وحزن عينيكِ حينما هممتِ بالمغادرة، صحيح أن ما أضمرتُه دائما نحوكِ اتسم على الدوام بطعم يمزج بين الغبطة والقلق، لكن إذا كنتِ تعشقينَنِي مثلما كتبتِ، فيلزمنا الحصول على شيء آخر، إنه حقا مجالنا الزماني المكرَّس كي يحب أحدنا الثاني ثم يتحتم علينا السعي، غاية ذلك بما يكفي من القوة والديمومة، كي نَعْبر خاصة كل حقيقة. أنتظر غدا وأنتِ ووجهكِ الغالي، كنتُ هذا المساء في غاية التعب كي أتحدث إليكِ بصوت ذاك الفؤاد الطافح الذي استطعتِ إرساء موضع له داخلي يقوم شيء ما يخصنا فقط، بحيث انضم إليكِ عبره بدون مجهود، إنها ساعات انزوائي إلى الصمت، لحظتها ترتابين في أمري، لكنه سياق لا يعني شيئا مادام قلبي ممتلئا بكِ، إلى اللقاء عزيزتي وأشكركِ على بعض هذه الكلمات التي أسعدتني كثيرا، شكرا على روحكِ التي تحب وأحبها، أقبِّلك بكل ما أوتيت من قوة. أتساءل باستغراب لماذا لستِ هنا، أتحدث مع نفسي بخصوص ما سيكون وفق الأصول، أي ضمن النظام الوحيد الذي أعرفه والمتعلق بالشغف والحياة. 

 (4) الساعة الواحدة صباحا 
لقد عدتٌ إلى المنزل منذ قليل، لا أشعر بتاتا برغبة في النوم، بل يسكنني شوق عارم أن أجدكِ بجانبي، فأجلس فعلا على المائدة كي أحدثكِ مثلما يروق لي، لم أجرؤ على رفض دعوة مارسيل هيرون، فأؤكد له عدم رغبتي باحتساء كؤوس شمبانيا، ثم أجدني فجأة وسط حضور حشد من الناس! لكن خلال نصف ساعة، ينتابني إحساس بالضجر الشديد جراء كل ذلك، وكنت فقط متشوقا لوجودكِ قريبة مني، لقد عشقتكِ جدا ماريا على امتداد تلك الليلة، وأنا أستحضر طيفكِ، وأرهف السمع لهذا الصوت الذي أضحى حاليا بالنسبة إليّ فريدا، لقد استلهمتُ من فترة ذهابي عند مارسيل، نصا مسرحيا، غير أنني لا يمكنني أبدا قراءته بدون الاستماع إليكِ، تلك طريقتي الخاصة كي أكون سعيدا وبرفقتكِ، أحاول تخيل ما تقومين به حاليا، وأتساءل باستغراب لماذا لستِ هنا، أتحدث مع نفسي بخصوص ما سيكون وفق الأصول، أي ضمن النظام الوحيد الذي أعرفه والمتعلق بالشغف والحياة، هكذا ستعودين غدا معي ثم نواصل معا تلك الليلة التي بدأناها، لكنني أعلم كذلك أن هذا بلا جدوى وأن أمامنا مختلف ما تبقى، لكن على الأقل لا تنسيني أبدا حينما تغادرين، تذكري باستمرار ما قلته لكِ بشكل مسهب جدا ذات يوم في منزلي قبل أن تتسارع الأمور، لحظتها خاطبتكِ بالعمق الكبير لقلبي وأردت،، نعم أردت قدر ما يكون أحدنا للثاني، وينبغي أن يصير الأمر كذلك مثلما أخبرتكِ لا تتركيني قط، فلا أتخيل شيئا أسوأ من فقدكِ، ماذا بوسعي آنيا القيام به بدون طلعتكِ، حيث كل شيء هنا يعكر صفوي، ثم صوتكِ وكذا جسدكِ الماثل قبالتي؟ من جهة أخرى ليس هذا ما أود قوله لكِ اليوم، لكن فقط حضوركِ هنا، وشوقي إليكِ، ثم تفكيري بهذه الليلة. ليلة سعيدة عزيزتي فليأت غدا سريعا والأيام التالية له، بحيث ستكونين لي أكثر، بدل فضاء هذه الغرفة اللعينة، أقَبِّلكِ بكل قواي.

 (5) الساعة الرابعة زوالا
 صغيرتي ماريا .. لا أعرف إن كان يخطر على ذهنكِ الاتصال بي هاتفيا، آنيا، لا أعلم أين يمكنني الوصول إليكِ، ليس لدي شيء محدد كي أقوله لكِ، سوى تلك الموجة التي تحملني منذ البارحة وهذه الحاجة إلى الثقة والحب الذي أكنّه لكِ، لأنه منذ فترة طويلة لم أكتب إليكِ! عندما تصادفين هذا الإطار لحظة عودتكِ مساء، فاتصلي بي هاتفيا، تذكريني من الآن غاية يوم السبت، فكري في شخصي على امتداد هذه الأيام، قولي سأبقى إلى جانبكَ خلال كل دقيقة، إلى اللقاء، حبيبتي، عزيزتي الغالية، أعانقكِ كما البارحة.

عن القدس العربي
أحدث أقدم