الدكتور عبد القادر بن الحاج نصر يكتب لكم // تذكرت بغداد

تذكّرت بغداد



 الدكتور  عبد القادر بن الحاج نصر




تذكّرت بغداد ونحن ننزل عليها ضيوفا، مجموعة من الأدباء والأديبات، سنة 1986 للمشاركة في مهرجان المربد الذي يعنى بالأدب والثقافة والفكر، مهرجان ليس هناك مهرجان أعظم منه ولا أكبر يستدعى إليه كبار الكتّاب والمبدعين والمفكّرين والشعراء من جميع القارّات.
تذكّرت مظاهر الثقافة المزدهرة والأدباء والأديبات العراقيّين، تذكّرت الشعر وعظمة الشعر وجمال الإلقاء وأهمّية الأغراض التي تتضمّنها القصائد.. العرب في المربد والعروبة ومحبّة الأوطان والتمسّك بالمبادئ والقيم والمثل التي تأسّست عليها الخلافة العبّاسية وما أتجزت للإنسانيّة من فكر وفلسفة وإبداع وشعر وترجمة ومجالس أدبيّة.. إنّها الذّكرى الأجمل والأروع من بين ما أتذكّر من مشاركاتي في التظاهرات الأدبيّة التي دعيت لها في عواصم عربيّة وأجنبيّة كثيرة.
تذكّرت المحبّة التي يحيط بها العراقيّون وفد الادباء التونسيّين من بين الوفود الأخرى ويخصّونهم بكلّ مظاهر الترحيب والتبجيل والعناية.. شعب ألا إنّه شعب تأسّست ثقافته وعاداته وسلوكه على المحبّة والودّ والتواصل والكرم والشهامة.. إرث إنسانيّ نشأ على مرّ التاريخ ويزداد رسوخا في كلّ مرحلة من مراحله.
تذكّرت النّخوة التي تخفق على ملامح كلّ عراقيّ، والابتسامة الصّافية التي تعبّر عن محبّة الآخرين، لا تستثني أحدا ولا فئة ولا مذهبا.. عراق كلّ النّاس وكلّ الطوائف والأديان والأعراق.
تذكّرت الرّحلة التي حملتنا في القطار ليلا من بغداد إلى البصرة، وتذكّرت تلك الخدمات الرّاقية التي كنّا نحظى بها.. وقفنا أمام تمثال بدر شاكر السيّاب مبهورين خاشعين.. كنت لحظتها كمن يقف في فضاء هواؤه شعر وماؤه شعر وأرضه شعر وسماؤه شعر.. لولا أنّني لا أسجد إلاّ للّه لانحنيت لبدر شاكر السيّاب اعتزازا وتقديرا.
تذكّرت ذلك الشّاعر التونسي الذي رفض أثناء الرّحلة من بغداد إلى البصرة أن يتناول قطرة خمر واحدة وهو السكّير العربيد ممّا أثار فضول رفاقه.. قال لهم محتجّا بعنف ألا تستحوا فكيف أنزل في البصرة بلاد العلم والأبطال والتضحيات وبلد بدر شاكرالسيّاب لأصافح الرّجال الأفذاذ وأنا سكران، كيف أخاطبهم ولساني ملوّث بما تشربون.. إلتفت إليّ وقال اسمع يا عبد القادر والله لن أذوق الخمر إلاّ حين أغادر البصرة، إنّ هؤلاء لا يعرفون انّني أكتب الشّعر وأمتهن الصحافة الثقافية عن مبدإ والمثقّفون مبادئ أولا.
تذكّرت تلك الوقفات على حواشي الأودية الساحرة الخلاّبة، والسيّر في أروقة المعالم الأثرية.. تذكّرت فقلت في نفسي سوف أزور العراق مرّة ثانية مهما كانت الظروف مرفوقا بإحدى الأديبات التي سطع إسمها في دوائر الأدب والإبداع في بغداد كما هو الشّأن في تونس.. تلك هي رغبتها التي تلتقي مع رغبتي.
عبد القادر بن الحاج نصر.
أحدث أقدم