محفوظ الزعيبي يكتب // صدفة مع الزعيم

نافذة على ايام زمان


صدفة مع الزعيم




بقلم محفوظ الزعيبي






انغرس في وجداني عبد الناصر منذ صغري من خلال خطبه الوهاجة و انجازاته الثورية الوطنية و تبنيه للقضايا العربية و كان اغلب الشباب العربي منحازا اليه في تلك الفترة في حين ظل بورقيبة متارجحا في مشاعري لكن صورته حين تتضاءل عندي تتالق من جديد من خلال التصاقه بالشعب و سياسة الاتصال المباشر التي كان يكرسها.و كانت الزعامة سائدة في ذلك العصر وفي تلك الفترة التحررية...وصادف ان قمت بجولة مع الصديقين مصطفى و البشير في حديقة البلفيدير بالعاصمة و كان ذلك صباح احد من ايام الربيع الجميلة سنة١٩٧٢ .ولما اقتربنا من حوض المياه الذي تسبح فيه الدلافين انتبهت الى شيء يحدث في ذلك المكان فحانت مني التفاتة فاذا بي اجد نفسي وجها لوجه مع الزعيم الحبيب بوقيبة محفوفا بالسيدين علالة العويتي كاتبه الخاص و فؤاد البزع شيخ مدينة تونس انذاك و قد توجه الرئيس مباشرة نحونا ليصافحنا فقمنا برد التحية و كانت عجوز ملتحفة بقربنا فلما سمعت اسم الرئيس و تيقنت منه اطلقت زغرودة و هتفت بحياته فالتفت اليها بورقيبة قائلا لها .هل عرفتني.فاجابته.نعم و من لا يعرفك سيدي الرئيس.فانحنى امامها و قبل يدها قائلا.انظري لقد شاب راسي و لم تبق فيه الا هذه الشعيرات الخفيفة البيضاء كل ذلك من اجل تونس..لا شيء الا تونس و ابتلت عيناه بالدموع.فقالت العجوز. بحياتك سيدي الرئيس و سالها عن حالتها الاجتماعية فاخبرته بانها ارملة فقيرة و متكفلة لعدد من الابناء القاصرين فالتفت الزعيم الى علالة العويتي و علامات التاثر بادية على وجهه و ساله.سي علالة هل بقيت فلوس في الحقيبة لهذه التونسية الكريمة. فاخرج العويتي ظرفا مختوما لا نعرف المبلغ الذي فيه ثم مده للرئيس الذي سلمه بنفسه للعجوز قائلا لها بطرافته المعهو دة..هذا مصروف وقتي لتسديد حاجياتك من الشاي و البخور و النفة و اللوازم اليومية ثم طلب من كاتبه ان يسجل في دفتره اسم العجوز و عنوانها ليسند لها جراية رسمية و اخذ الرئيس يربت على كتفها و يداعبها ماسحا بانامله اللطيفة على خدها ثم قال لنا و قد تجمع حوله عدد من الناس.هذا اليوم راحة وشعرت بالتعب و القلق فجئت الى البلفيدير لتنسم شيء من الهواء و انا الان في منتهى السعادة بينكم ثم جلس على مقعد عادي من البلاستيك وقد ابتلت كسوته بنثار الماء الذي اثارته الدلافين و هي تقفز و تغوص في ماء البركة...فتمكنت صورة الزعيم في وجداني 
أحدث أقدم