نافذة على ايام زمان حكايات يرويها لكم محفوظ الزعيبي

نافذة على ايام زمان


حكايات يرويها لكم محفوظ الزعيبي



النعوشة..


كاليس الحاج حمزة بالريش ترن نواقيسه في دغل الشجر الظليل...حصانه الادهم يدفع صدره العاتي الى الامام..و الصفائح تقدح الشرر...زفرات السوط تتجاوب في الفضاء مع وقع الحوافر الجافية...ايس..ايس....لهاث و حشرجات مزفورة من الاشداق المزبدة..و الحاج حمزة يمسح و يجس الشاربين المنتفشين تحت انف كمنقار الباز و عيناه القناصتان لا تكفان عن قذف النظرات الثاقبة في كل اتجاه...و قد تدثر بازار اشخم يلف الكدرون الداكن و البدعية المطروزة بالحرير..و حذوه علبة الشعرة و محرمة الخشم...ايس...ايس...الشاذلي يوقد النار و يعد الشاي امام الحانوت ثم يفترش كيس الصنفرير و يتاهب لكسر اللوز...حليمةالرتالة عائدةمن البئر تحمل قلال الماء فوق راسها و ظهرها..سالم لغوز خلف شويهاته المتعبة المطاطئةتعلوها سحابة من الغبار..و قربه كلبه المنشرح الناشط يشتم هنا و هناك..و يتبول على الشعال و المثنان..و خليفة لدرع فوق المصطبة يقابله عمار الري يتقبلان الحجارة و الملاط لبناء حائط منهار..الغربي بن احمد على السطحة في الظل و امامه المائدة و هو يقسم على المارة بتناول الكسرة الساخنة و زيت النضوح من اجل الصباح و البركة...نسوة يحتضن صبياهاجمته النعوشة ليلة البارحة و كادت تطفئ انفاسه بعد ان تمرغت عليه بكلكلها..و يتوجهن الى الخالةالشهلة لتدير عليه و تنحي له الهفوة...النسوة وجلات من النعوشة..فهي تنقض بغتة في الظلمة و تنفذ من الشبابيك لتقتل الصغار...
تنتقل كؤوس الشاي ملانة عبر طابور الجماعة في حانوت الشاذلي من يد الى يد لتصل الى اخر واحد ثم تعود خاوية و هم ما زالوا يتحدثون عن صيد اليرابيع...كم ربعت امامهم جافلة قافزة في الغروب رافعة اذنابها الطويلة المنتفة..و لكن الرعاة ياسرونها بمهارة و يجعلونها لقمة شهية...
يقترب رنين النواقيس و اصداء اللطخ و انات السوط..و الحصان دائب الجموح..عيناه الواسعتان الرصاصيتان مصرتان على الوصول..و الحاج حمزة بالريش في ابهته ينعم بالمقعد الوثير..مرتاح البال..يفتل سيجارة الشعرة و يقربها لايلاعها من القداحة غارما بزمانه و نظراته تشدخ عيون الناس..دخان السيجارة يتشيع الى السماء في غمامات زرقاء...تتابع العيون الكاليس و هو يتناءى شيئا فشيئا...و تتضاءل الاصوات خلف الاكمة...ايس...ايس.
أحدث أقدم