الدكتور رضا القلال يكتب //عبد الواجد المكني في تجربة جديدة مع "توارخ"

عبد الواجد المكني في تجربة جديدة مع "توارخ"
التاريخ من وراء بوابة التكنولوجيا الآسرة،
"اليوتوب" مثالا !


بقلم  الدكتور رضا القلال


الرغبة في المعرفة التاريخية رغبة شبه غريزيّة لدى الانسان منذ وجوده الاجتماعي في هذا الكون. وقد شملت الشواهد التاريخية الأولى رسوم الكهوف والنقوش على الحجر والكتابة على ألواح الطين وعلى أوراق البردي والرق وغيرها...
ومرّ نهر الزمن، وعندما اخترعت المطبعة بأوروبا في القرن 15 حدثت طفرة في طباعة الكتاب وتوزيعه، بدلا من المخطوط الذي لم ينتج إلا بعدد قليل جدّا من النسخ، وأصبحت كتب التاريخ تحظى بشعبية واسعة.
في القرنين العشرين والحادي والعشرين ازدادت المعرفة التاريخية توهجا بسبب اختراع السينما ثم التلفزيون وأخيرا الانترنت التي أتاحت تقديم المادة التاريخية في ثوب جديد من خلال محمل "اليوتوب"، ولا ننسى القنوات التلفزيونية المتخصّصة في التاريخ، ومواقع المراكز السمعية البصرية على الشبكة العنكبوتية وغيرها.
أ. د عبد الواحد المكني مدرّس التاريخ المعاصر والأنثروبولوجيا التاريخية، ورئيس جامعة صفاقس بدأ منذ ال10 من رمضان 2020 تجربة طريفة وطارئة على الذين اتخذوا من التاريخ مهنة بحث وتدريس، وستتواصل إلى نهاية هذا الشهر الكريم. وقد راكم عديد المؤلفات آخرها صدر يوم 6 ماي الجاري تحت عنوان "شتات أهل وسلات" يتحدّث فيه عن ثورة جبل وسلات، وما وقع للوسلاتية. وأبان مرّة أخرى عن ميزة منهجه في البحث العلمي وعن مستوى مؤهلاته الرفيعة.
والأستاذ عبد الواحد المكني - وسبق إن قلت هذا- نموذج للباحث الأكاديمي والمثقف التونسي الذي يحمل هموم شعبه وجراحاته، فيتخذ مواقف فكرية واجتماعية وثقافية وسياسية ويجاهر برأيه على نحو طلائعي وبنفس كفاحي.
وتبيّن لي في هذه المرّة أنه، من خلال هذه المغامرة الجديدة، التي يقدّم فيها سلسلة من الأحاديث المعرفية تتصل بالتاريخ المعاصر والقريب، يكشف عن مؤرخ مسكون بديمومة المراجعة و"القلق" الفكري وحفز مناطق الأسئلة المتعلقة بالشأن التاريخي باستمرار :
لماذا لا يخرج التاريخ عن الخضمّ الهائل من الحروب والمكائد ، وتاريخ الأحداث الكبيرة والأسماء العظيمة للسلاطين والملوك والأمراء، ويهتم بالناس الذين يعيشون بعيدا عن قيادة شموس الأحداث، "الضحايا" المرميّة على هامش الحياة والتاريخ؟ وهذا ما بدأه في كتابه زمان الأبيض والأسود وبعنوان فرعي توارخ وتآريخ الذي ذهب فيه إلى التاريخ غير الرسمي أو التاريخ المنسي (انظرمقالي بشمس الجنوب السنة 41، العدد 04،23جانفي2019)
لماذا لا نبحث عن مصدر غير تقليدي للتاريخ الأقدر على التغلغل في طيات المجتمع، والأقدر على إنطاق المسكوت عنه في الخطاب التاريخي الثقافي والسياسي والاجتماعي...؟
ولماذا لا يتابع المؤرخ الأعمال الدرامية ذات الطابع التاريخي التي يتداخل فيها الكذب في الصدق، ومن توابع ذلك أن يعشّش الوهم في ذهن الجمهور داخل أنسجة الحقيقة.
ثم لماذا لا تقدّم المعرفة التاريخية خارج الكتاب الورقي، وبعيدا عن الأقسام والمدارج؟ وهي – كما تبيّن- أسوا أنواع الدروس التي تحمل صورة محنّطة عن التاريخ وحكمته يردّدها التلاميذ والطلبة كالببغاوات.
وأخيرا وليس آخرا لماذا يتهم المؤرخون الروائيين بتزوير التاريخ والإساءة إليه؟ ألم يعتبر أميل زولا هو مؤرخ الحياة الاجتماعية في القرن التاسع عشر ونجيب محفوظ مؤرخ القاهرة في الأربعينات من القرن العشرين، كما أرخ عبد الرحمن منيف للجزير العربية والعراق، والقائمة طويلة؟ ومعنى ذلك أن التاريخ لا يكتبه المؤرخون والمعرفة التاريخية بحاجة إلى تقاطعات مع آراء الجنرال العسكري والمختص في الصورة وعالم الاقتصاد والسسيولوجي...، كما أن من مرجعيّاتها الرواية والشعر والشعر العامي والأسطورة والحكاية الشعبية، كما تبقى الشهادة التاريخية دائما قائمة الذات...
في هذه السلسلة التاريخية الجديدة الذي يخوضها أ.د عبد الواحد المكني تحت عنوان "توارخ" أعتقد أنه يصنع للتاريخ هالة يجب أن تحاط به، ومذاقا جديدا لتوسيع دائرة المغرمين بالتاريخ واتساع نطاقها، ويسهم من وراء ذلك إلى تقدّم البحث التاريخي. وفي كلمة يبدو لي أن هذه التجربة في البحث والنشر التي يتيحها الهامش الواسع على الانترنت ستسمح له بأن يطل على جمهور واسع وأن ينقل بعضا من أفكاره على مستوى القراءة والاطلاع والانتاج، خاصة أن هذه الواسطة هي ذات فعالية متبادلة مباشرة.
استمعت إلى 6 حلقات من تسجيلات الأستاذ عبد الواحد المكني على الانترنت عن المنصف باي (1)، والزعيم بورقيبة في علاقته بالمناضل المنجي سليم(2)، والطبيبة الأولى في تونس والعالم العربي توحيدة بالشيخ(3)، فلاقة زرمدين(4ـ5) الكافشاتا(6) وسأعود في محاولة إلى قراءتها.
ولاشك أن التواصل مع مستعملي الانترنت والتفاعل معهم سيصحّح الكثير من الأفكار المغلوطة عن التاريخ التي تتداولها وسائط الإعلام، والمبثوثة في كتب التاريخ ذاتها حتى الرسمية منها، وطبعا في المسلسلات الإذاعية والتلفزيونية التي لم يهتد منتجوها إلى حدّ الآن إلى اعتماد المستشار التاريخي(ضبط الأحداث التأريخية – بالهمزة - أي الكتابة عمّا حدث، والأحداث التاريخية وهي إعادة قراءة ما حدث وإعادة كتابته بصورة أخرى أقرب إلى الحقيقة التاريخية...) والمستشار اللغوي(اللهجات...) والمستشار التراثي(اللباس، الأكل،...) لتنفض هذه المسلسلات عن نفسها غبار التخلف وركامه، فالوضع طال أكثر من اللازم، والخطى الثابتة في أبجديات العمل تبدأ من الأول.
في كلمة يبدو أن التاريخ المرئي أثار رغبة جامحة في معرفة التاريخ منذ ظهور الأفلام التاريخية والأفلام الوثائقية والتسجيلية والمسلسلات التلفزيونية ذات الطابع التاريخي وأخيرا فيديوهات ''اليوتوب" لتجذب الجمهور إلى قاعات السينما وشاشة التلفزيون وأخيرا إلى الانترنت. وحصل ذلك طبعا، على حساب الكتاب الورقي والمواقع الأثرية والمكتبات وقاعات الدرس، لجاذبية الصورة وإغراء الألوان والانصياع وراء التكنلوجيا الآسرة.
نعود المرة القادمة إلى هذه التجربة للأستاذ عبد الواحد المكني عبر "اليوتوب" التي وإن تدخل في باب التاريخ المرئي على غرار السينما والتلفزيون إلا أنها تملك قدرة رهيبة على الانتشار والتوالد، وتقدم نمطا جديدا من المعلومات التاريخية قد يشبع "الظمأ" أو "الجوع" إلى التاريخ. وهو شكل يتلاءم مع التاريخ المعاصر والتاريخ القريب. وهذه اشارة الى تقدم التاريخ المرئي على حساب التاريخ الورقي المكتوب والتاريخ المسموع بفارق كبير.
رضا القلال
أحدث أقدم