هوى باريس ///رمضان بالمراسلة

هوى باريس

بطاقات بقلم : مهدي غلاّب
رمضان بالمراسلة !
مضى بِنا رمضانُ ساكتًا هذه السّنة، بباريس و غيرها من مدن المعمورة ، لا يتمظهر في معروض ولا في سلعة ولا في مهرجان ولا في عبادة . ظللنا نبحث عن هيبته ونتخيّل الجلال الذي تعوّدنا، وننتظر الألوان ، ونتعقّب الأمنيات، فكان الواقع صعبا بسبب خصوصيّات الوباءالقاتل، كُنّا نتكاسل ونتردّد خوفا من العدوى، نحسب لها ألف حساب، فينقلب علينا الشّهر غاضبا، لا يصافحنا ولا يبتسم في وجوهنا ويتركنا نلهث ونتألم في "جحورنا ". يُوزّع الوقت دقائقه بِإحكام فتمضي -الحقيقة - الأيّام في غفلة منّا ولا نستمتع بالكماليّات الضروريّة ولا بالمغريات. بدت الأرصفة المعتادة بالأجواء الرّمضانيّة وسط عاصمة الأنوار بالدّائرة الحادية عشرة و ما جاورها وبعض الضّواحي المعروفة بنشاط الجاليات مثل سان ديني و "سارسال" شاحبة، هجرتها الألوان، لا تنبئ بعيد قادم إلاّ في صورة زوال الداء، واللّه أدرى بمواعيد الإنفراج .
في خضمّ هذا الرّوتين المحموم تساعدنا وتآزرنا بالطّبع مهاراتنا ونشاطاتنا وعباداتنا، ظللنا نبحث عن نقطة ضوء في الظّلمة ونقطّر الورد للمأساة. خرجت بعد كل هذا الخضم أبحث عن مناسبة سعيدة ، قلت في نفسي علّ رمضان يستيقظ ، حتى لا نبجّل حاجتنا على فرحتنا، أبحث عن أجواء الأصدقاء وخصامات المناقشات الفكريّة بأنواعها، وأبحث عن خبز الشّعير أوراق الملوخيّة و"الدقلة" التونسيّة "البلّورية" إن وجدت. كنت كلّما أقرع باب ينفتح ألم آخر، وجع العروبة الدائم. في بدايات المساء فتحت القفّة التي أرسلت لي عبر أحد الموزّعين المعروفين ، وجدت العائلة - الحقيقة - مجتمعة ، الحساء يتثاءب في محضر الألبان والتّمر يغمز بعيون الظبي والكسرة الحمراء تتكئ على قطعة الطاجين. بعدما طلع اللّيل كنت ألعب الورق وأقرأ المسرحيّات وأبحث عن رمضان صديقي، هل نام في المقصورة البعيدة ونسينا ؟ أين اِختفى هذه السّنة؟ ، لا الطعام يعوضّه ولا الشّراب ! ..ما هذا ؟! ..في صباح الغد اِتصلت ب"نقيب " الطُّهاة وقلت له بل صراحة : أين قفّة رمضان التي دفعت ثمنها مسبّقا ؟ قال : أرسلت ، فأجبت : أين رمضان من القفّة، بالله عليك، أجاب : كنت سأرسله لك في رسالة مستعجلة لمقرّ سكناك. قلت في نفسي ممتعضا : وعلّك تستطيع أن ترسله إلى مثواي، لأنّ ..ال.. الكور ..(...).. لم تعطني فرصة ! ..وقفلت "السكّة".
مهدي غلاّب
رسائل رمضان المتبادلة، والّتي اِفتقدناها في خضمِّ المصاعب الصحيّة العالمية .

أحدث أقدم