رؤية مستقبلية //هل تقف البشرية على أبواب حقبة جديدة "ما بعد فيروس كورونا"؟

رؤية مستقبلية //



بقلم: محمد أمين هرماش
وكالة المغرب العربي للانباء

 اهتم الفلاسفة والكتاب والمفكرون بشكل عام، عبر التاريخ، بجوهر الإنسان، متسائلين عن قدرته على التطور والتحسن، أو على العكس من ذلك، التقهقر أمام اختبار الأزمات والحروب. ويجمع المراقبون اليوم على وصف جائحة فيروس كورونا التي تجتاح الكوكب بـ"الصدمة" أو "الصدمة الكبرى"، المؤلمة بالتأكيد، ولكنها ضرورية، بطريقة أو بأخرى، لإيقاظ الضمائر والتأكيد على إلحاحية القيام بإصلاحات جوهرية. ولكن هل يكفي الوعي لبزوغ عالم جديد؟ أم أن البشرية ستستأنف مسارها الطبيعي حالما يتحسن الوضع؟ استقت وكالة المغرب العربي للأنباء آراء مفكرين مغاربة للإجابة على هذه الأسئلة وأخرى كثيرة. وهكذا، أكد الأستاذ ادريس خروز، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، أن "(كوفيد-19) يجسد بحق مفهوم العولمة. فهو يؤثر على الجميع، ولا يميز بين البلدان المتقدمة والنامية، أو بين الأغنياء والفقراء". واعتبر أن "الصدمة التي سببتها هذه الجائحة نابعة من التأثير المفاجئ، واتساع نطاقها وعمليات إعادة النظر في العديد من اليقينيات وأنماط الحياة التي كانت تعتبر في حكم المكتسبات بفضل الطفرات المالية والعلمية والتكنولوجية والرقمية والطبية والتنظيمية التي تشكل ما يسمى بالمنظومات وسلاسل قيمة العولمة". فهل قرع (كوفيد- 19) جرس زوال نموذج سياسي واقتصادي ومجتمعي وثقافي بلغ مداه، وحان الوقت لإعادة النظر فيه. هل تقف البشرية على أبواب حقبة جديدة "ما بعد فيروس كورونا"؟ وردا على هذا السؤال، اعتبر الباحث الجامعي، رشيد عشاشي، أن العلامات المنذرة ببزوع عالم جديد كانت موجودة قبل فترة طويلة من ظهور أزمة كورونا. و(كوفيد- 19) لا يعدو أن يكون تتويجا لجملة من الوقائع والأحداث التي كشفت عن "اختلال" العالم المعاصر. وأضاف المحلل لدى إذاعة "لوكس راديو"، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، "لنتذكر مختلف حركات التمرد في العام الماضي، لا سيما حركة السترات الصفراء، والمظاهرات في كل من الجزائر والعراق والشيلي، وكذلك الاضطرابات الجيوسياسية التي حدثت في السنوات الأخيرة على غرار انتخاب ترامب و+بريكسيت+، وصعود الحركات الشعبوية في أوروبا". وأوضح أن "كل هذه الأحداث تعكس تغييرا عميقا في موازين القوى، لاسيما إعادة النظر في نموذج يمر بأزمة، وهو نموذج عولمة السوق والليبرالية الجديدة وهيمنة التمويل الطفيلي المعولم، أو بعبارة أخرى؛ الرأسمالية البدوية". فهل سيتمكن الإنسان من اغتنام "فرصة" جائحة كورونا لتغيير رأيه واستخلاص الدروس من هذه الأزمة أم سيبقى تائها إلى الأبد؟ وردا على هذا السؤال، أجابت الأخصائية في علم النفس والأنثروبولوجيا، غيثة الخياط، بشكل فلسفي مشيرة إلى أنه، دائما بعد كل وباء أو جائحة، تخالج "الناجين" رغبة شديدة في الترويح عن النفس والاستمتاع بالحياة على أكمل وجه، أكثر من الرغبة في التفكير بشأن الكارثة المنصرمة. واعتبرت أن ذلك "يعكس، بطريقة ما، غريزة الحياة البدائية والمقدسة والقوية التي تنتصر على الجوانب المظلمة والسقيمة لهذه التجربة الاستثنائية". وهو نفس ما ذهب إليه السيد خروز، الذي أشار، دون الرجوع كثيرا إلى الوراء في التاريخ، إلى "العودة السريعة والتلقائية للصين، حتى قبل انقضاء الجائحة، إلى ضوابط وسلوكيات ما قبل دجنبر 2019". وأضاف "وذلك علما أن هذا البلد نفسه كان بؤرة الجائحة الأولى التي تسببت في خسائر بشرية فادحة وأضرار اجتماعية واقتصادية لم يتم حتى الإعلان عنها بأمانة، وتم التلاعب بها على نطاق واسع. وبناء على ذلك، أعتقد أن بروز عالم جديد لا يدخل ضمن جدول أعمال القوى العظمى". من جهته، قال الفيلسوف والكاتب مليم العروسي "إذا كان لدى بعض السياسيين ذاكرة قصيرة، فإن الإنسان، كجنس، سيتذكر لفترة طويلة هذه الحلقة الفريدة من نوعها"، مضيفا أنه "لا شيء يُنسى. يتم تخزين كل شيء في اللاوعي، الفردي والجماعي على حد سواء. وينتقل من جيل إلى آخر عبر اللغة والأساطير والفكاهة والأدب والموسيقى... كل وسائط الذاكرة هذه تتكلف بنقل إرثنا إلينا في شكل أفراح وأتراح". هذا يحدث في اللاوعي، ولكن على مستوى "الوعي"، الأكثر وضوحا وآنية، لم يميل الإنسان بسرعة إلى "طي الصفحة" و"إدارة الظهر" للماضي لاستئناف حياته الطبيعية، خاصة عندما يتعلق الأمر بالكوارث والأحداث المؤلمة الأخرى؟ وعزا السيد العروسي، وهو أستاذ الجماليات أيضا، ذلك إلى حاجة الإنسان الفطرية إلى "الاستحواذ" و"الهيمنة" و"السيطرة"، مضيفا أن "هذه النزعة إلى الهيمنة تفضي إلى الرغبة في الاستحواذ. إذ يسعى الإنسان، بالفطرة، إلى امتلاك كل شيء، بما في ذلك ما لا يحق له". وفي سياق مجاراة المنطق، أكد السيد عشاشي أن "التاريخ ليس من صنع الرجال، بل من صنع الأقليات النشطة والطبقات المهيمنة"، مضيفا أنه "بما أن أزمات الرأسمالية متواترة بلا رجعة، فإن إبداع الطبقات المهيمنة غالبا ما يقتصر على التفكير في طرق مبتكرة لتجاوزها بغية الحد من تشبع الأسواق، وبالتالي الرفع من معدلات الأرباح". وبخصوص "الأزمة البيئية"، لا يعتقد الباحث والمحلل أنها ستشهد انفراجا بفعل فيروس كورونا، كما يستشف من بعض الخطابات الطوباوية، مضيفا "أما بالنسبة للخطاب الإيكولوجي الزائف الذي يركب هذه الأزمة، فيبدو لي أنه من المفيد التذكير بأنه إذا بدت عودة الأسماك إلى مياه البندقية أمرا لطيفا، فإن عودة العمال إلى مراكزهم أو معاملهم بعد الأزمة أمر لا يبدو بتلك اللطافة". سياسيون تائهون ومتمادون، رجال مهووسون بالتملك ينساقون وراء الروتين اليومي، مناصرون متطرفون للبيئة ومنعزلون عن الواقع... على يد من سيأتي الخلاص إذن؟ ففي نهاية المطاف، لن تكون "صدمة" فيروس كورونا سوى هزة بسيطة دون تأثير يُذكر على المسار الطبيعي -أو بالأحرى غير الطبيعي- للبشرية؟ واعتبر ادريس خروز، ذو النزعة البراغماتية، والذي لا يؤمن كثيرا بـ"نشوء نظام عالمي جديد" بعد (كوفيد- 19)، أن الجائحة الحالية ستدفع، على الأقل، إلى التشكيك في النظام العالمي والرأسمالية "الجامحة". وشدد السيد خروز على أن "الأمر الأكثر ترجيحا هو بزوغ ثقافة سياسية من التشكيك، والإدانة، والاعتراض، والسخط تشكك في تجاوزات العولمة المالية المضاربة، الجامحة والليبرالية المتشددة"، مبرزا، في المقابل، أن "الضميرين الفردي والجماعي، بغض النظر عن مدى أهميتهما، لا يكفيان لمواجهة القوة الهائلة للمراكز المالية التي تحكم العالم وتملي القواعد والضوابط". وهذا ما ذهب إليه أيضا رشيد عشاشي بقوله "إن الوعي بأزمة النموذج السائد -والذي لا بد من التذكير بأنه تجلى حتى قبل تفشي جائحة فيروس كورونا- لا يعدو أن يكون مجرد نقطة انطلاق ليست كافية وحدها لإثارة تغيير عميق. فالأمر بأيدي المثقفين المرتبطين عضويا بقضية الشعوب، للتفكير ووضع تصورات والخروج ببديل موثوق وعملي، وهو عمل على المدى الطويل". وفي نفس السياق، أكدت الكاتبة غيثة الخياط أن "التغيير يجب أن يأتي على أيدي العلماء والمفكرين والفنانين"، على اعتبار أنهم "الجسور التي تأخذنا نحو المستقبل. ويجب على الفاعلين في مجالي الصناعة والبنوك وكذا المنعشين وأرباب العمل أن يقولوا لأنفسهم: لقد انطفأ عالم وبزغ آخر، حيث يجب أن تعلو العدالة والاعتدال والسلم والسلام على المال والسلطة اللذين أبانا عن محدوديتهما". وماذا سيكون موقع الدولة في هذا النظام الجديد؟ ردا على هذا السؤال، دعا السيد خروز إلى عودة المكانة المركزية للدولة "بغض النظر عن التسمية: دولة الرخاء في النظرية الكنزية أو دولة منظمة للاقتصاد الاجتماعي للسوق". وأكد على أنه "لا بد من وجود شبكات الأمان، ولا يمكن للسوق أن تظل بمثابة الآلية التي تحكم حياة الناس إلى أجل غير مسمى"، مشددا على ضرورة وإلحاحية "إعادة بناء الخدمات العمومية الناجعة والمعممة، والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، والعدالة المؤسسية والعدالة الاجتماعية للحفاظ على التماسك الاجتماعي واستعادة الثقة والروابط الاجتماعية". وبخصوص هذا الدور المركزي للدولة، أشار السيد عشاشي إلى أنه "إذا كانت الدول على حق، اليوم، في فرض الحجر الجماعي ورصد كافة الوسائل لإنقاذ أكبر عدد ممكن من الأرواح، فإنه من الضروري الاستفادة من هذا الوضع من أجل إخراج الدولة نهائيا من دائرة التدبير التي انحصرت فيها لتصبح دولة استراتيجية ومنظمة. وبالتالي، يجب إعادة النظر بعمق في مسألة أساسية ألا وهي "السيادة". لذا لنكن متفائلين ونبق أقدامنا على الأرض! فالعالم بعد فيروس كورونا لن يكون جنة عدن، لأن النظام العالمي (الجيوسياسي والمالي والثقافي) الذي تم إرساؤه طوال عقود عديدة لن يتلاشى بين عشية وضحاها. لكن الأمر بأيدينا، نحن المثقفون والفنانون ومواطنو العالم، لجعله أقل سخافة وأكثر ملاءمة للعيش، من خلال إبقاء ضمير الإنسانية مستيقظا.
أحدث أقدم