مهدي غلاب يكتب لكم من باريس // التوظيف وازدواجية المناسبة

باريسيّات : البطاقة عدد 11بقلم: مهدي غلاّب .





                    التّوظيف واِزدواجيّة المناسبة


مازالت فرنسا منذ اِندلاع ثورتها التّاريخية بالعاصمة باريس، سنة 1789، والتي دامت عشر سنوات ونصف واِنتهت بالإطاحة بالملك لويس السادس عشر، وتولّي الإمبراطور بونابرت الحكم وإقامة الجمهوريّة الفرنسيّة الأولى. مازالت تعتبر مرجعا للنّهضة ولتوفير الحقوق البشريّة وضمان الأدنى للأفراد وحماية الحريّات والتّعبير. ثورة شكّلت الحقيقة منعطفا في مسار البشريّة وقلبت المفاهيم من العبوديّة والإقطاع إلى العمل المؤسّساتي والثّروة الفرديّة. تواصل هذا الإشعاع طيلة العقود الأخيرة فجلب ما جلبه من مفكرين وكتّاب وهجّر ما هجّر من طاقات عمّاليّة ومختصّين من أوطانهم خاصّة في إفريقيا وآسيا، منهم الرّائد الأول المؤلف والفيلسوف المصري رفاعة رافع الطّهطاوي (1801-1873)، والذي يعتبر من أوائل المعاينين والمكتشفين للحضارة الفرنسيّة والغربيّة عموما في عصور النهضة بعد سباتها الطّويل لمدّة قرون وقد تحدثنا عنه في تقرير سابق.
هذا الإنجذاب المتواصل حتّى الفترة الحاليّة، ناتج الحقيقة حسب وجهة نظري، عن عاملين أساسيين :
*العامل الأوّل : المزيَة الجغرافيّة والتاريخيّة : بحسب موقعها المتميّز ومساحتها المعتبرة، تطلُّ فرنسا على اِمتداد شاسع من الوجهة الشّرقيّة للأطلسي تتجاوز ال700 كم إضافة إلى اِتّصالها مع عدّة بحار في الشرق والجنوب والشّمال منها "بحيرة ليمان" والبحرين المتوسّط والشّمال، وعدد من البحيرات العذبة الجبليّة وخارطة مترامية من الشّبكات النّهريّة وغيرها، لا تعدُّ الحقيقة على الأصابع، نضيف إلى ذلك الجوار والمحيط الزّاخر بعدة عوامل جغرافية واِستراتيجيّة . والأهمّ من ذلك السياق والتراكم التاريخيّ التقدّمي بداية من تراجع الفترة القروسّطيّة، نهاية السادس عشر التي نتجت في جانب منها عن اِنهيار الإمبراطوريّة الرّومانية، حيث شكّلت مدينة "ميلان" الإيطالية عاصمة لها لأزيد من ثلاثة قرون . ولذا أمكننا القول بأنّ اِنطفاء الإمبراطوريتين الرومانيّة ومن قبلها اليونانيّة -التي اِمتدت من بداية القرن الثالث عشر قبل الميلاد إلى حدود الفترة الظلامية في نهاية القرن الخامس الميلادي- شكّل بمثابة "فيتو " لإعلان سيطرة فرنسا وأنقلترا على العالم ، فتزامن ذلك مع فترة الإكتشافات الكبرى وظهور الآلة في إضافات لما طوّره العرب القدامى من قبلهم في الفلك والملاحة والرياضيّات والهندسة والطبّ، هذا إلى جانب الطبيعيّات والفلسفة والنحو وغير ذلك كثير . ما أدّى فيما بعد إلى القفز على التاريخ وتطوّر مفاهيم الجشع والطّغيان السّياسي والإقتصادي وسياسة فرض الأمر الواقع ، فالقفزة الميكانيكيّة تتطلّب اِستهلاك الوقود وعمليّة "التطوّر " وبناء الثروة تحتاج إلى اِستغلال كميات هائلة من الثروات الطبيعيّة منها الحديد والكوبالت والفحم والغاز والأورانيوم وغير ذلك وبالتّالي و ضع اليد والسيطرة على عدد من منابع الثروة في المشرق والمغرب والجنوب، ممّا أدّى إلى تحوّل العالم من نظام إقطاعي بدائي قبلي إلى نظام رأسماليّ مؤسساتي يهدف إلى ثراء الفرد على حساب الفرد. فظهر بذلك النّظام الرّأسمالي كنتيجة لسياسات الإنتاج و لمبدأ التقسيم اللاأخلاقي والغير متكافئ للعمل. وصل الأمر بعد ذلك إلى ذروته في فترة مابعد الحرب وأصبحنا نتحدّث عن إمبريالية وحشية، تسعى لإِقتسام العالم وبسط نفوذها على الإقتصاديّات قبل بروز أمريكا أصلا. عمل بعض المنظّرون المعارضون في بدايات القرن الماضي على وضع حدّ لهذه الممارسات اللاإنسانيّة حسب اِعتقادهم، اِنطلاقا من رؤية هيغل الفلسفيّة القائمة على البحث عن الحقيقة اِستنادا إلى المفاهيم العقليّة الصّرفة ، واِعتماد ما يسمّى بمبدأ "الجدليّة" ( Dialectique) كأساس لبلورة مفاهيم الصّراع وتحديد الأهداف ورسم التكتيك المناسب للتصدّي للظواهر المرضيّة في التفكير البشري. من بين هؤلاء نجد الفيلسوف والإقتصادي العالمي الألماني كارل ماركس (1818-1883) الذي قدّم نظريّة تقوم على تقاسم الثّروة والتّأميم كما ورد في مؤلّفه المعروف "رأسالمال" (1867)، حيث وضع أسس ومفاهيم الإقتصاد ( أدوات الإنتاج ، وسائل الإنتاج ، الطّبقيّة ، البروليتاريا ، التقسيم ..) بدل المفاهيم السّياسيّة والإستراتيجيّة القائمة، وقد تحدث عن هذا المسار وقدّمه في عدَة مناسبات ، سواء في إطار مؤتمر الأممية العالميّة أو حتى في خضم مساراته النّضاليّةمن الأراضي الأنقليزية قائلا: «الرأسمالية ستجعل كل الاشياء سلع , الدين , الفن والأدب وستسلبها قداستها» وقال كذلك «تاريخ البشرية هو تاريخ البحث عن الطعام» . غير أن النّظام الرأسمالي حافظ على ديمومته عبر التاريخ الحديث وهو تاريخه ، رغم الأزمات الدّوريّة ومنها بالخصوص أزمة الطاقة أو ما سمّي بنكسة النفط الأولى عام 1973 والتي تسبّب فيها اِرتفاع كميّات إنتاج النفط الأمريكيّ والتّخزين باِستغلال حقول جديدة في كل من خليج المكسيك وإسكتلندا . وظلّت هذه "الإمبراطوريّات الديمقراطيّة" في جدال مع مستعمراتها فظهرت حركات التحرّر و اِنقسم العالم إلى عدد من التحالفات وعاد التاريخ إلى قانون الغاب كما كان سابقا ولو أن ذلك جاء بصورة تنظيميّة أقرب منها إلى الحبكة المسرحيّة الدعائيّة. وتحوّلت بذلك نعمة الغرب وفرنسا إلى نقمة عليها حيث مثّلت قداسة الموقع وعظمة التّاريخ في نهاية الأمر مجرّد ديكور خلفيّ .
*العامل الثاني: الإزدواجيّةوالتوظيف :
وهو من العوامل الحديثة التي سارعت فرنسا إلى اِعتمادها للحفاظ على تأثيرها وبريقها، فبعد تحوّل طبيعة الإستعمار من السياسي إلى الأقتصادي والثّقافي الغير مباشر عملت هذه الدول على الحفاظ على ماء الوجه بمزيد تعزيز فكرة مركزيّة الكون وسعى اِجتماعيون مثل الفرنسي " مارسيل موس" إلى تمجيد المسيحيّة ومن ورائها الرأسمالية بالطبع، وقد در ّس في "الكولاج دي فرانس " بباريس في الستينات وهو معهد التعليم العالي والبحوث الحالي ، وكان يُسمّى في السّابق "المعهد الملكي "، قام بتأسيسه الملك فرانسوا الأول في العام 1530 بباريس، فكان " موس" من ألدّ أعداء الإشتراكيّة ولا يتصوّر العيش بدون فكر رأسمالي برجوازي حرّ يتميّز بحضور ديني ذو صبغة مسيحية كما كان الألماني هيدغير يتحدّث عن معرفة ألمانيّة صرفة سمّاها بالمركزيّة الجرمانيّة وطالب بأحقيّتها في قيادة أوروبا والعالم مشددا على مخاطر الشعوب من خارج أوروبا، ومن قبلهم كان هيجل يتحدّث عن بنيوية عقليّة لا يستحقها الغرباء خارج أوروبا نظرا لتقاعسهم ( إفريقيا السوداء). ولهذا فقد تبنّى "تيودور أدورنو " عبثيّة وفراغ تقدّم البشريّة على مستوى العقل، وندّد بتأويلات اِنحصار التفكير والعمل البحثي في أوروبا فيما أسماه بعد ذلك ب" الإمبرياليّة الفلسفيّة. ولن نقدّم أمثلة كثيرة عنها، ظاهرية ومستترة، كلّها تدور حول سؤال المعنى، وكلّها تدافع عن حضارة الغرب أو نضجه مقابل طفولة الآخرين. يقول أدورنو في هوس التصورات الغربيّة حول الإنسان والوجودوالمركزيّة: «"إن الوضع المتصالح لا يلحق الغريب به عبر إمبريالية فلسفية، بل يجد سعادته في أن يظل الغريب في قربه بعيداً ومختلفاً، في ما وراء المتنوّع والشبيه». ومن هنا يتيّن الإنفصام والشذوذ الذي يتمظهر في بعض التصوّرات فمثلا الألماني هيغل سعى في مؤلفه "تجلّيات الرّوح" ( 1817)إلى الحديث عن عدّة ثقافات وتضمين عدد من الآداب والمعارف المختلفة وتجنّب الحديث عن الثقافة العربيّة إما سهوا أو عمدا . وفي العصر الحالي أي فيما بعد الثورة الثقافيّة الفرنسيّة أو ما سمّي بأحداث ماي 1968 تبيّن عمق الهوّة بين المؤسسة البرجوازيّة والأفراد وِاتّضح مقدار العمى في تجاهل الآخر ، المغترب حتّى في ذاته بفعل السّياسات التحقيريّة والتّصفيات. وما تبع تلك التوجهات من مخطّطات وإنشاءات لا يعدّ بالأمر الهيّن، إذ أنّ الديمقراطيّة كمفهوم شكلي أحيانا توظّف الإنفتاح على الآخر والمشاركة والعولمة والحقوق العامة والحريّات في الإبداع والمصير واللغة والعرق والإنتماء كمفاهيم إزدواجيَة تسعى لتكريس فئة على حساب فئة ومثال ذلك بباريس واضح في عدّة زوايا منها مسار معهد العالم العربي الذي يتميّز بالضبابيّة منذ تأسيسه في 1983 بشراكة وتمويل عربي خليجي ، إلا أنّ طبيعة المعاملات تخدم المصالح الأولويّة الأم على حساب المرجع ، سواء في مستوى التواصل الذي لا يتم بغير اللغة الفرنسيّة سواء من حيث النشاطات المشبوهة والقليلة في الغالب لبعض ما يعتبرونه من النخبة العربية "المطيعة". فكانت المؤسسة تعمل أساسا على جلب المثقف العربي بالتدريج لإدخاله في نسق آخر . كما أنه لا أحد منا تقريبا يجهل ماكينة الفرنكوفونيّة وما تضخّه من مال وعتاد بشري وتقني للوصول إلى أهدافها والحفاظ على صورة "الإسطبل العربي" والجمل والصحراء الخالية في ذهن الأجيال كما كانت منذ القرون الأولى، بدل إظهار الإنجازات ونشر المعارف المميزة قولا وفعلا فعملت بذلك عمل المنشار في الخشب .دون أن أن ننسى الحملات التنصيريّة المتواصلة في كل حيّ من أحياء باريس والبعثات في الخارج سرية كانت أم علانيّة .
وبصفة عامّة فإن الشعوب لا تنصهر في مجال بالطبع بحكم التفاوت الثقافي والاختلافات المتعددة جغرافيا ولسانيا وروحيّا، ولهذا وجد هناك تحديد لمفهوم واضح يتناول المسألة، ألا وهو مفهوم الأمة ،وبالطبع ومن المفارقات أن أوروبا تتكوّن من أمم، بينما الخارطة العربيّة تتكوّن من أمّة، ولكلّ أمّة خصوصيّة ثقافيّة وديناميكيّة تاريخيّة مختلفة ولربّما تتغذّى هذه من تلك ، وعلى كلّ لا يمكن أن يتحقّق الإزدهار الشامل إلا بالتراكم التاريخي وبتبادل الأدوار ، فلكل ثقافة زمن مستقل.
وكما ذكر أبو حيّان التّوحيدي أواخر القرن الرابع للهجرة في كتابة "الإمتاع والمؤانسة"، عندما كان يحدّث الوزير أبا عبد الله العارض في مسامراته ( الليلة السادسة) ، عن خصائص الأمم قائلا :
«الفرس تقتدي ولا تبتكر، والروم لا يحسنون إلاّ البناء والهندسة، والصين اصحاب صنعة لا فكر لها ولا روية، والتّرك سباع للهراش، والهند أصحاب وهم وشعوذة، أما العرب فقد علمتهم العزلة التفكير، وساعدتهم بيئتهم على دقّة الملاحظة، وهم ذوو قيم خلقية عليا. ثم رأى ان الفصائل موزعة بين الامم، ولكل امة عصر تعلو فيه، ثم يجيء عصر آخر فتعلو أمة أخرى وهكذا فليس من الإنصاف أن نقارن أمة إبان صعودها، بأخرى اثناء هبوطها».
مهدي غلاّب /باريس
اللّوحة من أعمالي (2019)



أحدث أقدم