نافذة على ايام زمان البوسطة الحمراء

نافذة على ايام زمان



                                             البوسطة الحمراء



يكتبها لكم محفوظ الزعيبي



كنا نطلق عليها الدرويشة عندما تقبل مدوية مرتعشة تكاد تنفجر شظايا و هي تتلاغط و تحدث نفسها مثرثرة معربدة...سائقها عم الجيلاني المخلوض قد برك على مقودها المرتعد ووضعه تحت كلكله..لقد احالته شبه اصم فكشف عن اذنيه المقموعتين من تحت الشملة الساحلية التي عصب بها راسه....طر. .طر..طر. .يجذب حبل الفرامل فتعض عجلاتها الحصى و تقذف من دبرها برازا من الدخان القاتم...نهاجم الباب بالتدافع و الركل و التناطح و سد المنفذ...و القابض بريك العرضاوي يقتنص الدراهم المعدودات او يتقبل منا البيض راضيا قريرا ..المقاعد محجوزة..الحاج صولة بعمامته الصفراءالملوية..ووجهه الاصهب المرتوي و نظراته الوقورة..وجبة مصارين العلوش و برنس الجريدي و الباكيتة معلقة بظهر الكرسي...بجنبه المكاس المغمض يشكو اوجاعه لسيجارة الحلوزي يتقن تحريكها في مخشه ثم يشهق ويخرج من خياشيمه قذائف من السحب الزرقاء ..وهناك نسوة يعللن اطفالهن و يلعقنهن.و بان شحوب العلل في وجوههم الصغيرة الدامعة البائسة..طر..طر..طر..ننكب على بعضنا و نتهاوى من المفاجاة فقطيع اغنام الدهماني يشق الطريق بدون اعلام..هاهو يومىء بعصاه لنمهله...زجاج النوافذ مائل لا يمتثل للاغلاق..علقوا عليه ستائر من الدوك اصبحت قذرة نتنة مع مرور الزمن....عد و حساب..تكرار و عد من جديد..مفاجاة اخرى...المتفقد جراد يعترض البوسطة الحمراء بعد ان كان مختفيا خلف سدرة المنعرج...ينهب الدفتر من بريك العرضاوي ..يحسب....القابض يقبل العزاء..يتجاوب الغطيط في مصارينه..يصفر وجهه و يغيم ...لا باس..ابتسامة و سيجارة بعد الغصرة و المحنة...مازالت البوسطة تعلو و تهبط و الشمس تلاعبنا مرة امامنا و مرة بجانبنا...استقرت البوسطة بعد لاي في المحطة و فتحت حزامها و اخرجت اثقالها و نحن نهرول نحو المدرسة...تعود مديرنا التاخير لاننا زبائن البوسطة الحمراء... مر سحاب الزمن ..و صادف ان عرجت ذات مرة على جبانة السيارات القديمة فتاملت جيدا فوقع بصري على حطام البوسطة الحمراء بين الركام كاشلاء ديناصور فرايت السنين تجري و رايت الارواح مازالت ساكنة فيها..
أحدث أقدم